روماني مكرم ج 4
طول الطريق في التاكسي وأشرف عمال يرغي ويزيد، صوته كان طالع زي فحيح الثعبان في ودني: “إحنا أول ما نوصل المستشفى، هطلب النجدة وأعمل محضر إثبات حالة.. الـ 950 ألف جنيه دول لازم يتحجز عليهم، أختك بتسرقك عيني عينك يا منى، والـ 475 ألف بتوعك لازم يرجعوا في جيبنا قبل ما الست تموت والفلوس تتفرفط!”.
في اللحظة دي، وكأن في غشاوة سوداء اتمسحت من على عيني.. فجأة، شُفت نفسي في المراية.. شُفت الـغل والجشع اللي مشوهين وشي. كلام أشرف اللي كنت بشوفه “أصول وحق” ظهر على حقيقته: طمع، وجحود، وسواد قلب. افتكرت أمي وهي نايمة وسط الأجهزة، وشها الأصفر المخطوف، دمعتها اللي نزلت وهي بتفتكر لما كانت بتديني وتدعم أشرف في مقاولاته من نفس المعاش اللي بنحارب عليه.
افتكرت إن أمي داخلة أوضة العمليات، بين الحياة والموت، وإحنا رايحين وراها مش عشان ندعيلها ولا نطمن عليها، إحنا رايحين نعمل محضر في الفلوس!
التفت لأشرف، ولقيت بركان غضب جوايا كان مكبوت من سنين بيفور وبيطلع لبرة. زعقت فيه بأعلى صوتي لدرجة إن سواق التاكسي اتخض وبص في المراية:
“بس بقى!! اخرس خالص!! كفاية نهش في لحمنا.. كفاية طمع وسواد!”
أشرف اتصدم وبصلي بذهول وعينه برقت: “جرى إيه يا منى؟ أنتي اتهبلتي؟ أنا بجيبلك حقك!”
صرخت فيه والدموع بتنزف من عيني قهر وندم:
“حق إيه؟ دة حق وعلاج أمي اللي بتموت! الشقة شقتها والفلوس فلوسها وهي حرة تديهم للي شالتها وغسلت رجليها.. أنا وأنت قفلنا الباب في وشها، وطردناها وهي مكسورة الجناح بعد موت أبويا، وجاي دلوقتي تقول محضر وحجز؟ قولي يا أشرف.. جاوبني بصراحة لو كانت أمك أنتا اللي تعبانة وداخلة تعمل عملية قلب، كنت هتقول فلوس؟ كنت هتروح تعمل محضر في تمن شقتها وهي بتموت عشان تاخد نصيبك وتتحرم هي من العلاج؟”
أشرف وشه جاب ألوان، واتلجلج ومب بقاش عارف يرد، بس العند ركبه وزعق: “أنتي بتشبهي أمي بأمك؟ وبعدين أنا بـأمن مستقبلك ومستقبل عيالك!”
> “بلا مستقبل بلا زفت!”.. قاطعتُه وأنا بمسح دموعي بقهر.. “أنت عميتني، مشيت وراك لحد ما بقيت مريضة وجاحدة وقسّيت قلبي على أمي وأختي.. نزّلني هنا يا أسطى، نزّلني مش عايزة أشوف الوش دة دلوقتي!”
>
فتحت باب التاكسي قبل ما يقف تماماً ونزلت جري في الشارع، وسبت أشرف واقف مذهول ومصعوق من ثورتي. أخدت تاكسي تاني لوحدي وطلعت على المستشفى، والندم كان بياكل في ضلوعي كأنه نار.. كنت حاسة إن السما هتقع عليا من كتر الذنب.
وصلت المستشفى وبقيت أجر رجلي بالعافية لحد ما وصلت دور العمليات.. لقيت اليافطة الحمراء منورة “غرفة العمليات”.. وسمر قاعدة على الكراسي، ضامة رجليها لبطنها وبتعيط بانهيار، وحازم واقف بعيد ووشه باين عليه الحزن والهم التـقيل بعد ما دفعوا الفلوس في الحسابات.
قربت من سمر بخطوات مكسورة، أول ما شافتني وقفت والشرر في عينها، واكتمت شنطتها وقالتلي بصوت مجروح: “جاية ليه تاني يا منى؟ جاية تاخدي الفلوس؟ أمك جوه بين إيدين ربنا.. والـ 950 ألف دفعنا منهم المستشفى والباقي شيلته، مش هتشوفي منهم مليم!”
