قـومي فـزي يلا شـوفي أمي وغـيريلها ج 1 حكـايات منـي الـسـيد

— قـومي فـزي يلا شـوفي أمي وغـيريلها! الـست تـعبانة ومـحتاجة رعاية، وأنتِ قـاعدة مـربعة قـدام الـتلفزيون ومـتمسمرة! — *زعـق جـلال وهو عـينه بـتطق شـرار.*
— إيه؟ هـتفضلي مـتنحة لي كـده زي الـصنم؟ أنتِ مش سـامعاني ولا خـلاص اتـعميتي؟
أمـل اتـنفضت من مـكانها. صـوت جـلال دَخـل ودنـها زي رَقـعة باب اتـقفل هَـبَد في بـيت هـسس ومـيهوش صـريخ ابن يـومين. شـالت عـينها من على شـاشة الـتلفزيون، حـتة ما الـبطلة بـتاعة الـمسلسل الـتركي كـانت عـمالة تـعيط على حـبها اللي ضـاع، وبـصت لـجوزها اللي واقـف قـصادها: وشه مـحقن ومـحمر، شـعره مـنكوش، والـكسرة اللي بـين حـواجبة حـفرت وبـقت عـلامة ومـبتفارقش وشه واصـل.
— غـوري يلا اغـسلي لأمي! الـست مـبهدلة وعـايزة اللي يـراعيها، وأنتِ شـاطرة بـس تـقعدي تـتفرجي على الـمسلسلات دي! — *عاد كـلامه تـاني بـصوت نـاشف زي الـحطب، وهو بـيشد جـاكتته الـقديمة من الـعليقة.* متوفرة على روايات و اقتباسات
بـرة الـبيت، كـان طـوبة مـرخّي بـرده وسـاقعته بـتاكل في الـعضم. الـمطر كـان شـغال رزع بـرة، والـجو مـغيم ومـقفل، والـليل لـيل من بـدري، زي عـوايد طـوبة في يـناير. الـنور اللي جـاي من شـبابيك الـعمارات اللي جـيرانهم كـان طـالع أصـفر دافي، تـحس إن ورا الـحيطان دي فـيه نـاس قـاعدة مـلمومة حـوالين راكـية نـار أو صـينية كـيكة لـسه طـالعة من الـفرن وريـحتها قـالية الـدنيا.
أمـل قـامت بـراحة من على الـكنبة. رجـليها كـانت مـنملة؛ بـقالها يـجي سـاعة إلا ربـع قـاعدة على الـقعدة دي ومـتحركتش. الـصالة كـانت ريـحتها تـقلية بـصل مـحروقة على ريـحة تـانية غـريبة… ريـحة مـستشفى؟ لأ، دي ريـحة الـكبر والـمرض. في الـكام شـهر الأخرانـيين، حـماتها بـدأت تـطلع مـنها الـريحة دي.
— أنا لـسه طـالعة من أوضـتها حـالا — *ردت بـصوت واطـي ومـكسور* — غـيرت لها مـلاية الـسرير، وديـتها دوا الـضغط والـمسكن…
— آه، غـيرتي لـها، سـيبيني أصـدقك! — *رد جـلال بـتريقة ومـرارة* — أمـال هي مـكلماني في الـتليفون بـتعيط وتـقول مـفيش حد بـيعبرني لـيه؟ ولـيه هـدومها مـبلولة ومـتبهدلة؟
— يـا جـلال…
— بـلا جـلال بـلا زفـت! أمي بـتموت وأنتِ ولا الـهوا، مش فـارق مـعاكي حـاجة! أنتِ مـفيش في دمـاغك غـير الـمسلسلات الـمرقّعة دي!
أمـل جـزت على سـنانها وقـبضت إيـدها جـامد لـدرجة إن ضـوافرها غـرزت في لـحمها. حـست بـحاجة سـخنة وبـتغلي بـتطلع في صـدرها، زي حـلة مـغلية على الـنار وبـتفور. كـان نـفسها تـصرخ في وشه وتـقوله إنـها بـقالها تـلات شـهور مـنامتش لـيلة على بـعضها؛ إنـها بـتقوم في عز الـفجر والـبرد يـقطع الـظهر عـشان تـلحق الـست وتـعدلها؛ إنـها بـتغسل مـلايات وغـيارات كـل يـوم؛ وإنـها مـبقتش فـاكرة آخـر مـرة شـافت فـيها الـشارع كـانت إمـتى، إلا لو نـازلة تـشتري خـضار من الـسوق أو تـجري على الـصيدلية تـجيب شـريط دوا. كـان نـفسها تـقوله إن عـمرها نـفسه تـاه، وداب في أيـام شـبه بـعضها، زي نـسخة كـربون مـابتتغيرش.
بـس كـتمت في نـفسها وسـكتت.
جـلال كـان خـلاص بـيلبس جـزمه وفي طـريقه لـلباب. رايـح فـين؟ أكـيد على الـورشة تـحت، أو يـقعد على الـقهوة في أول الـشارع. دي دايـما حـتته اللي بـيهرب لـيها لـما الـدنيا تـضلم في وشه. هـناك حـاجته ودنـيته: عُـدة، ومـسامير، ومـفك، وعـربية زبـون عـطلانة بـيموت نـفسه فـيها عـشان تـطلع قـرشين، وعـربيته هو الـقديمة الـسوزوكي اللي مـبتقومش أصـلا. هـناك كـانت حـريته… حـتة ضـيقة وريـحتها جـاز وشـحم وسـجاير كـليوباترا، بـتاعته هو وبـس.
— طب انـزل أنت بـقى — *رمـت الـكلمة دي وهي بـاصة له* — اجـري روح لأمـك وشـوفها.
هو لَفّ لـها. وشه مـكنش فـيه غـضب الـمرة دي، كـانت فـيه عـلامات حـاجة تـانية… صـدمة؟ ذهـول؟ كـأنه مش مـصدق اللي بـيسمعه.
— أنتِ بـتقولي إيـه؟
— اللي سـمعته. انـزل أنت اعـملها. اغـسلي لـها أنت وشـوف طـلباتها لو شـايف إن كـل اللي بـعمله غـلط في غـلط. أنـا جـبت آخـري وطـهـقـت!
كـلمة “طـهقت” دي حـستها مـاسخة وقـليلة قوي على الـبركان اللي جـواها. الـتعب ده مش تـعب وقـفة مـطبخ ولا شـيل أكـياس خـضار تـقيلة من الـسوق. الـموضوع كـان أكـبر… كـأن فـيه حد بـيسحب مـنها الـنفس بـالراحة، يـوم ورا يـوم، لـحد ما سـابها حـتة جـلده على عـضم وفـاضية من جـوة.
جـلال فـضّل واقـف عـند عـتبة الـباب، ومـلامحه بـدأت تـقلب وتـضلم.
— أنتِ خـلاص مـبقاش عـندك دم ولا حـيا — *قـالها وهو بـيقرب* — جـرا لك إيـه؟ بـقيتي تـملي عـينك مـني وتـؤمريني أعمل إيـه ومـاعملش إيـه؟ وفي بـيتي كـمان؟
— في بـيتي؟ — *أمـل خـدت خـطوة نـاحيته وبـقت في وشه* — يـا جـلال أنـا عـايشة هـنا بـقالها تـلاتة وعـشرين سـنة. تـلاتة وعـشرين سـنة بـحالهم! أمـك عـمرها ما طـيقتني ولا بـلعت لي لـقمة، وأنت عـارف ده كـويس. يـاما قـالت في وشه ومن ورا ضـهري إنـي مـنفعكش، وإنـك كـنت تـستاهل ست سـتها وأحـسن مـني مـيت مـرة!
— وجـرى إيـه يـعني؟ ست كـبرت وعـيانة…
— دي كـانت كـده وهي عـندها تـلاتين سـنة! ولـما بـقت أرْبـعين بـرضه كـانت كـده! طـول عـمرها وهي كـده، بـس أنت اللي كـنت بـتغمي عـينك وتـعمل نـفسك مش شـايف عـشان أنت ابـنها!
جـلال قـدم خـطوة وبـقى واقـف فـوقيها زي الـحيطة الـسد، ضـلها مـغطيها. أمـل شـمت ريـحة كـولونيا “الـشبراويشي” الـرخيصة والـنفاذة اللي حـاططها. هي نـفس الـريحة من عـشرين سـنة لـما كـانوا لـسه عـرسان وفـرحانين.
— لـمي لـسانك يـا أمـل، ومـاتتجرأيش تـتكلمي عن أمي بـالطريقة دي.
— وإلا إيـه؟ — *صـوتها طـلع حـامي ومـسنون زي الـموس* — هـتعمل إيـه يـا جـلال؟ هـتمد إيـدك عـليا؟ ولا هـترميني في الـشارع وتـطردني؟
وصـوت الـهوا بـرا كـان بـيخبط في الـشبابيك، كـأنه مـستني اللي هـيحصل بـعد كـده.
حكايات مني السيد
الـفـصـل الـثـانـي
الـصـمـت الـلي نـزل عـلى الـصالة كـان تـقـيـل، تـقـيـل لـدرجـة تـكـتـم الـنـفـس. جـلال فـضّـل مـتـسـمـر في مـكـانـه، إيـده الـلي كـانـت مـرفـوعـة عـشان يـشـد الـجـاكـتـة نـزلـت بـالـراحـة جـنـب جـنـبـه، بـس صـوابـعـه كـانـت بـتـتـرعـش مـن الـغـل. عـيـنـه الـلي كـانـت مـبـقـقـة عـلـيـهـا بـقـت الـوخـت ده كـأنـهـا شـايـفـة سـت تـانـيـة غـيـر أمـل الـلي عـرفـهـا تـلاتـة وعـشـرين سـنـة. أمـل الـلـي كـانـت بـتـطـاطي لـلـمـوجـة لـحـد مـا تـعـدي، الـنـهـاردة واقـفـة طـولـهـا، وعـيـنـهـا في عـيـنـه، مـبـتـرمـش.
— أنـا أطـردك؟ — *الـصـوت طـلـع مـن بـيـن سـنـانـه مـخـنـوق، زي صـوت حـجـرة بـتـتـجـرّ عـلى أسـفـلـت نـاشـف* — بـقـى الـعـمـر ده كـلـه، والـشـقـا ده كـلـه، وفي الآخـر تـقـولـي لـي هـtـطـردني؟ أنـتِ خـلاص شـيـطـانـك سـاقـك ويـئـسـتِ مـن الـدنـيـا يـا أمـل؟
أمـل مـنـزلـتـش إيـدها الـلي كـانـت مـقـبـوضـة. الـحـمـل الـلي جـواهـا كـان بـقـالـه سـنـيـن بـيـtـكـوم، طـوبـة فـوق طـوبـة، والـنـهـاردة الـسـد إنـهـار. نـفـسـهـا كـان عـalـي، و صـدرهـا بـيـعـلـى ويـهـبـط كـأنـهـا كـانـت بـتـجـري في مـاراثـون.
— الـشـيـطـان هو الـلي بـيـشـوف الـظـلـم ويـسـقـف لـه يـا جـلال — *ردت بـنـبـرة هـاديـة مـرعـبـة، نـبـرة الـواحـد الـلي مـبـقـاش عـنـده حـاجـة يـخـاف عـلـيـهـا* — أنـا مـقـلـتـش حـاجـة عـيـب. أنـا بـقـول حـقـيـقـة أنـت كـنـت بـتـدفـن راسـك في الـرمل عـشـان مـتـشـوفـهـاش. أمـك مـن أول يـوم دَخـلْـت فـيـه الـبـيـت ده، وهي بـتـعـامـلـنـي كـأنـي خـدامـة جـايـة مـع الـجـهـاز. وكـنـت بـسـكـت.. أقـول مـعـلـش، سـت كـبـيـرة، أقـول مـعـلـش عـشـان خـاطـر جـلال، عـشـان الـلـقـمـة الـلي بـيـنـنـا. بـس لـحـد هـنـا وكـفـايـة.. الـعـمـر خـلـص يـا ابـن الـنـاس، والـصـحـة راحـت، وحـتـى كـلـمـة شـكـراً مـبـسـمـعـهــاش.
جـلال بـص لـلـبـاب، وبـعـديـن بـص لـلـطـرَقـة الـلـي مـودّيـة لأوضـة أمـه. الـبـيـت كـان سـاقـع، بـس الـخـنـاقـة خـلّـت الـجـو يـولـع. نـفـض إيـده في الـهـوا كـأنـه بـيـطـرد كـلامـهـا مـن دمـاغـه:
— أنـتِ طـalـع لـك صـوت لـمّـا الـسـت كـبـرت وعـيـتـت؟ لـمّـا بـقـت بـيـن إيـديـن ربنا؟ الـنـذالـة دي جـبـتـيـهـا مـنـيـن؟ الـسـت الـلي مـش عـاجـبـاكِ دي هي الـلي جـابـتـنـي الـدنـيـا، وهي الـلي عـمـلـت جـلال الـلي أنـتِ عـايـشـة في خـيـره الـنـهـاردة!
— خـيـره؟ — *ضـحـكـت ضـحـكـة مـكـسـورة، ضـحـكـة شـبـه الـبـكـا* — خـيـرك الـلي هو إيـه يـا جـلال? الـورشـة الـلي مـبـتـجـيـبـش هـمّـهـا؟ ولا الـعـربـيـة الـلـي واكـلـة نـص الـمـصـروف مـصـاريـف تـصـلـيـح؟ ولا نـومـتـي في الـمـطـبـخ طـول الـنـهـار عـشـان أصـرف وأدبـر مـن جـنـيـه وجـنـيـهـيـن عـشـان الـبـيـت مـيـقـعـش? أنـا الـلي عـايـشـة في خـيـرك ولا أنـت الـلي شـايـل بـيـتـك عـلى أكـتـاف سـت تـعـبـت ومـبـقـتـش قـادرة تـقـول آخ؟
مـلـحـقـش جـلال يـرد، ولا كـانـت هـي هـتـسـيـب لـه مـسـاحـة. فـجـأة، مـن آخـر الـطـرَقـة، جـاي صـوت كـحـة مـكـتـومـة.. كـحـة شـايـلـة بـلـغـم وتـعـب الـدنـيـا، وتـبـعـهـا صـوت خـبـط ضـعـيـف عـلى الـكـمـود يـنـو الـلي جـنـب الـسـريـر. “يـا جـلاااال.. يـا ابـنـي.. تـعـalـى يـا جـلال.. الـمـيـة يـا ابـنـي..”.
الـصـوت كـان مـخـنـوق بـالـبـكـا والـمـرض، بـس كـان زي الـس*ـكـيـنـة الـلي قـطـعـت حـبـل الـكـلام بـيـنـهـم. جـلال بـص لأمـل بـنـظـرة كـلـهـا تـوَعـد ووعـيـد، نـظـرة كـأنـه بـيـقـولـهـا: “حـسـابـك مـعـايـا بـعـديـن”. ولَفّ ضـهـره بـسـرعـة، ودَخَـل الـطـرَقـة الـضـلـمـة ورايـح عـلى أوضـة أمـه الـحـاجـة “فـاطـمـة”.
أمـل فـضـلـت واقـفـة في مـكـانـهـا. الـدم الـلي كـان بـيـغـلـي في عـروقـهـا بـدأ يـبـرد ويـسـيـب مـكـانـه لـرعـشـة سـاقـعـة. الـبـيـت الـمـصـري في الـشـتـا لـمّـا يـكـون فـيـه خـنـاقـة، الـحـيـطـان نـفـسـهـا بـتـبـقـى عـرقـانـة هـمّ. قـعـدت عـلى طـرف الـكـنـبـة تـانـي، مـسـكـت راسـهـا بـإيـديـهـا الإتـنـيـن، والـدمـوع الـلي حـبـسـتـهـا قـصاد جـلال نـزلـت ورا بـعـضـهـا بـصـمـت، مـن غـيـر صـوت. كـانـت الـسـاعـة داخـلـة عـلى حـداشـر بـالـلـيـل، وصـوت الـمـطـر بـرة عـلى الـشـيـش بـقـى زي طـبـل الـمـسـحـراتي الـلي بـيـصـحّي الـوجـع.
جـوّه الأوضـة، الـلـمـبـة الـسـهـاري الـحـمـرا كـانـت مـخـلـيـة الـمـكـان أشـبـه بـأوضـة في مـسـتـشـفـى حـكـومـي قـديـمـة. ريـحة الـفـيـكـس والـمـسـكـنـات مـمالـيـة الـجـو. الـحـاجـة فـاطـمـة كـانـت قـاعـدة مـسـتـنـدة عـلى الـمـخـدات الـقـطـن الـلـي بـقـت مـكـبـوسـة مـن كـتـر الـقـعـدة. وِشّـهـا كـان عـبـارة عـن خـريـطـة جـاعـيـد، وعـيـنـهـا غـطـسـانـة لـجـوّه، بـس لـسـه فـيـهـا الـشـوف الـلـي يـلـقـط الـتـفـاصـيـل.
— تـعـالـى يـا حـبـيـب أمـك.. تـعـالـى يـا جـلال — *قـالـتـهـا وهي بـتـمـد إيـدهـا الـلـي جـلـدها بـقـى شـبـه الـورق الـقـديـم* — كـل ده تـأخـيـر يـا ابـنـي؟ سـايـبـنـي هـنـا مـرمـيـة لا مـيـة ولا غـطـا؟ والـهـانـم بـتـاعـتـك قـاعـدة بـرة بـتـتـمـرجـح قـدام الـتـلـفـزيـون ولا سـائـلـة فـيـا. متوفرة على روايات و اقتباسات
جـلال قـعـد عـلى ركـبـه جـنـب الـسـريـر، بـاس إيـدهـا وراسـهـا، وصـوتـه اتـبـدل تـمـامـاً، بـقـى فـيـه الـطـيـبـة والـحـنـيـة الـلـي عـمـره مـا وراهـا لأمـل:
— حـقـك عـلـيـا يـا أمـي.. مـتـزعـلـيـش.. أنـا هـنـا أهـو، تـحـت رجـلـيـكِ. كـنـتِ عـايـزة تـشـربـي؟
— عـايـزة أشـرب، وعـايـزة الـغـيـار يـتـغـيـر يـا جـلال — *عـيّـطـت الـسـت الـكـبـيـرة بـمـسـكـنـة فـيـهـا لـؤم قـديـم* — الـمـلايـة مـبـلـولـة ونـشـفـت عـلـيـا والـسـاقـعـة أكـلـت جـسـمـي. الـسـت أمـل دَخـلَـت رمـت لـي الـعـشـا مـن سـاعـتـيـن وكـأنـهـا بـتـرمـي لـقـمـة لـكـلـب جـعـان، ومـرضـيـتـش تـعـدلـنـي. قـلـت لـهـا يـا بـنـتـي ضـهـري بـيـوجـعـنـي، قـالـت لـي “أنـا مـش فـاضـيـة لـكِ”، وخـرجـت تـكـمـل الـمـسـلـسـل. يـرضـيـك كـده يـا ابـن بـطـنـي؟ يـرضـيـك أمـك الـلـي طـفـحـت الـدم عـشـان تـكـبّـرك تـتـهـان في كـبـرهـا؟
جـلال حـس إن نـار صـعـدت لـنـفـوخـه. كـلام أمـه نـزل عـلى الـخـنـاقـة الـلي لـسـه خـلـصـانـة بـرة زي الـبـنـزيـن عـلى الـنـار. هـو عـارف إن أمـه لـسـانـهـا كـان طـويـل زمـان، بـس الـمـرض والـمـوت الـلي بـيـقـرب بـيـخـلـوا الـواحـد يـصـدق الأعـمـى. قـام وقـف، وعـيـنـه لـفّـت في الأوضـة، وشـاف طـرف الـمـلايـة فـعـلاً مـكـرمـش ومـش مـظـبـوط.
— والله مـا هـسـكـت لـهـا يـا أمـي.. الـنـهـاردة لـيـلـتـهـا طـيـن — *قـالـهـا وهو بـيـجـز عـلى سـنـانـه.*
بـس الـحـاجـة فـاطـمـة مـسـكـت طـرف جـاكتـتـه بـسـرعـة:
— لأ.. لأ يـا ابـنـي مـتـعـمـلـش مـشـكـلـة عـشـان تـنـزل تـطـفـش وتـسـيـبـنـي. أنـا عـارفـاهـا، دي نـفـسـهـا تـطـفـشـنـي مـن الـبـيـت أو تـخـلـيـك تـرمـيـنـي في دار مـسـنـيـن عـشـان تـخـلـى لـهـا الـدنـيـا. غـيـر لـي أنـت يـا ابـنـي.. اغـسـلـنـي أنـت بـإيـدك الـطـاهـرة دي، مـش عـايـزة جـمـيـلـة الـغـريـبـة.
الـجـمـلـة دي نـزلـت عـلى جـلال كـبـسـة حـمـل تـقـيـل. هـو راجـل شـقـيـان في ورشـة، إيـده مـش مـتـعـوّدة غـيـر عـلى الـشـحـم والـمـفـكـات والـجـاز. يـعـنـي إيـه يـغـسـل لأمـه؟ الـمـوضـوع فـيـه حـرج، وفـيـه تـعـب، وفـيـه تـفـاصـيـل هـو عـمـره مـا فـكّـر فـيـهـا، كـان دايـمـاً رامـي الـقـصـة دي عـلى أكـتـاف أمـل ومـريّـح دمـاغـه. هـنـا بـس، بـدأ يـحـس بـحـتـة مـن الـلـي أمـل كـانـت بـتـتـكـلـم فـيـه.. بـس كـبـريـاء الـراجـل ونـعـرة الـصـعـايـدة الـلـي في دَمّـه خـلّـتـه يـقـول: “وَمـالـه؟ أمـي وأنـا أولى بـهـا”.
خـرَج جـلال مـن الأوضـة رايـح عـلى الـحـمـام عـشـان يـجـيـب طـشـت الـمـيـة الـدافـيـة والـفـوطـة. لـقـى أمـل لـسـه قـاعـدة مـكـانـهـا، سـرحـانـة في الـفـراغ، والـتـلـفـزيـون صـوتـه مـطـفـي بـس شـاشـتـه مـنـوّرة الـصـالـة بـنـور أزرق بـاهـت.
مـبـصـلـهـاش، ودَخَـل الـحـمـام، فـتـح حـنـفـيـة الـسـخـان. صـوت نـزول الـمـيـة الـسـخـنـة في الـطـشـت الـبـلاسـتـيـك كـان لـه رنـة عـالـيـة في الـبـيـت الـسـاكـت. أمـل سـمـعـت الـصـوت، وعـرفـت هـو بـيـعـمـل إيـه. حـسـت بـسـ*كـيـنة بـتـقـطـع في قـلـبـهـا؛ مـعـقـولـة هـيـعـمـل كـده فـعـلاً؟ مـعـقـولـة وصـلـت الـدرجـة بـيـنـهـم إنـه يـسـتـغـنـى عـنـهـا في الـبـيـت كـأنـهـا مـش مـوجـودة؟
طـلـع جـلال شـايـل الـطـشـت، بـخـار الـمـيـة طـalـع عـلى وِشّـه، وحـاطـط الـفـوطـة الـقـديـمـة الـصـفـرا عـلى كـتـفـه. عـدّى مـن قـصـادها مـن غـيـر مـا يـبـص لـهـا، بـس خـطـواتـه كـانـت تـقـيـلـة، كـأنـه رايـح جـبـهـة حـرب مـش رايـح يـعـمـل واجـب بـسـيـط.
أمـل مـقـدرتـش تـfـضـل قـاعـدة. الـسـت الـمـصـريـة الـلـي جـواهـا، الـلـي مـتـربـيـة عـلى الأصـول وشـيـل الـبـيـوت، نـقـحـت عـلـيـهـا. الـخـنـاقـة حـاجـة، وإن الـراجـل يـعـمـل شـغـل الـسـتـات ويـشـوف عـورة أمـه حـاجـة تـانـيـة تـهـز الـبـيـت هـز. قـامـت و مـشـيـت وراه بـالـبـطء، وقـفـت عـلى بـاب الأوضـة تـراقـب مـن بـعـيـد.
جـلال كـان بـيـحـاول. حَـطّ الـطـشـت عـلى الأرض، وبـدأ يـحـاول يـرفـع كـمّ جـاكـتّـه، بـس الـجـاكـتـة كـانـت مـضـايـقـاه. قـلـع الـجـاكـتـة ورَمـاهـا عـلى الأرض بـعـصـبـيـة. قـرّب مـن الـسـت الـكـبـيـرة الـلـي بـدأت تـعـمـل نـفـسـهـا بـتـمـوت وتـئـن بـصـوت عـالـي: “آه.. يـا ضـهـري يـا ابـنـي.. بـالـراحـة عـلـيـا يـا جـلال.. مـوتـي جـه يـا ابـنـي”.
— بـالـراحـة يـا أمـي.. بـالـراحـة.. هـعـدلك أهـو — *قـالـهـا جـلال وهو بـيـمـد إيـده الـلـي كـانـت نـاشـفـة عـشـان يـلـمـسـهـا.* بـس الـحـاجـة فـاطـمـة لـمّـا حـسـت بـإيـده تـقـيـلـة ومـش مـتـعـوّدة، اتـنـفـضـت وصـرخـت فـعـلاً مـن الـخـبـط والـوجـع: “لاااا.. **أوعـى** يـا جـلال.. ضـهـري هـيـتـكـسـر.. إيـدك نـاشـفـة يـا ابـنـي.. **وِسّـع**!”.
جـلال وقـف مـحـتـار، الـعـرق بـدأ يـنـزل مـن جـبـهـتـه رغـم الـسـاقـعـة الـلـي تـلطـش في الـعـضـم. الـطـشـت مـحـطـوط، والـمـيـة بـتـبـرد، وهو واقـف مـحـتـار مـش عـارف يـبـدأ مـنـيـن ولا يـعـمـل إيـه مـن غـيـر مـا يـوجـعـهـا أو يـتـخـطـى حـدود الـلـي مـيـصـحـش يـتـشـاف.
هـنـا، أمـل خـدت نـفـس طـويـل، ودَخَـلَـت الأوضـة بـخـطـوات فـيـهـا عـزّة نـفـس وبـسـالـة الـسـت الـلـي بـتـنـقـذ الـمـوقـف وهي مـجـروحـة.
— **أوعـى** كـده يـا جـلال.. **وِسّـع** يـا ابـن الـنـاس مـن طـريـقـي — *قـالـتـهـا وهي بـتـزقـه بـكـتـفـهـا بـالـراحـة بـس بـقـوة.*
جـلال بـص لـهـا، كـان نـفـسـه يـعـانـد ويـقـولـهـا “مـلـكـيـش دَعـوة”، بـس عـيـن أمـه الـلـي كـانـت بـسـتـنـجـد، وقـلـة حـيـلـتـه قـصـاد الـطـشـت، خـلّـتـه يـرجـع خـطـوة لـورا ويـسـكـت.
أمـل شـمّـرت كـمـام جـلابـيـتـهـا الـقـطـيـفـة الـسـمـرا الـقـديـمـة. قـعـدت عـلى طـرف الـسـريـر، وبـإيـديـن مـتـعـوّدة، إيـديـن فـيـهـا “سـحـر الـصـبـر”، مـسـكـت الـسـت الـكـبـيـرة مـن تـحـت بـاطـهـا و عـدِلْـتـهـا بـحـنـكـة تـمـنـع الـوجـع. الـحـاجـة فـاطـمـة مـنـطـقـتـش، كـتـمـت صـوتـهـا، بـس عـيـنـهـا كـانـت مـكـسـورة وهي شـايـفـة إن الـلـي بـتـكـرهـهـا هي الـوحـيـدـة الـلـي عـارفـة تـشـيـل عـجـزهـا.
— هـات الـفـوطـة يـا جـلال — *أمـل طـلـبـتـهـا مـن غـيـر مـا تـبـص لـه، نـبـرتـهـا كـانـت شـبـه الـحـكـيـم الـلـي بـيـعـalـج جـرح في الـمـعـركـة.*
نـاوِلـهـا الـفـوطـة بـصـمـت. بـدأت أمـل تـبـل الـفـوطـة وتـعـصـرهـا، وتـمـسـح عـلى وِش الـحـاجـة فـاطـمـة ورقـبـتـهـا وإيـديـهـا بـالـراحـة، وبـعـديـن بـصـت لـجـلال وقـافـت:
— اتـفـضـل بـرة بـقـى عـشـان نـغـيـر الـهـدوم.. الـمـكـان مـيـسـاعـش لـيـنـا حـنـا الإتـنـيـن، ومـيـصـحـش تـفـضـل واقـف هـنـا.
جـلال لَفّ ضـهـره وخـرَج مـن الأوضـة مـن غـيـر ولا كـلـمـة. تـقـدر تـقـول إن كـبـريـاءه اتـهـد فـعـلاً. شـاف بـعـيـنـه إن الـبـيـت ده مـاشـي بـالـمـكـنـة الـلـي اسـمـهـا “أمـل”، وإنـه مـن غـيـرهـا عـبـارة عـن خـردة صـديـانـة مـبـتـعـمـلـش حـاجـة.
قـعـد جـلال في الـصـالـة عـلى نـفـس الـمـكـان الـلـي أمـل كـانـت قـاعـدة فـيـه. الـتـلـفـزيـون الـلـي شـاشـتـه زرقـا كـان بـيـعـكـس ضـوء بـاهـت عـلى الـحـيـطـان والـصـور الـقـديـمـة الـلـي مـتـعـلـقـة. صـورتـه يـوم فـرحـهـم مـن تـلاتـة وعـشـرين سـنـة.. كـان بـشـنـب أسـود كـثـيـف وبـدْلـة وسـيـعـة عـلى مـوضـة زمـان، وهي كـانـت بـفـسـتـان أبـيـض سـادة وفـرحـة مـalـيـة عـيـنـهـا الـلـي مـبـقـتـش تـفـرح كـده واصـل.
سـمَـع مـن جـوّه الأوضـة صـوت هـمـس.. مـش خـنـاق، بـس هـمـس الـعـتـاب الـمـكـتـوم بـيـن الـسـتـات.
— كـده يـا أمـل؟ تـشـكـيـنـي لـجـلال؟ تـخـلـي ابـنـي يـشـوفـنـي في الـحـالـة دي؟ — *صـوت الـحـاجـة فـاطـمـة كـان فـيـه لـوم عـاجـز.*
— أنـا مـشـكـيـتـكـيـش يـا حـاجـة — *ردت أمـل وهي بـتـلـبّـسـهـا الـكـلـسـون الـصـوف الـنـظـيـف* — ابـنـك هو الـلـي داخـل ومـش شـايـف قـدامـه، فـاكـر إن الـدنـيـا بـتـمـشـي كـده مـن غـيـر تـعـب. أنـا شـايـلاكِ بـقـالـي كـام شـهـر مـن غـيـر مـا أنـطـق، بـس هـو الـلـي فـاكـر إن الـخـدمـة دي **بـالـرّيـمـوت** ومـبـتـتـعـبـش وحـاجـة سـهـلـة.
— طـب مـا أنـا يـامـا شـيـلـت الـبـيـت ده يـا أمـل.. يـامـا طـبـخـt لـكِ و غـسـلـت لـكِ لـمّـا كـنـتِ تـولـدي في الـبـنـات الـلـي اتـجـوزوا وسـابـونـا دول.. — *الـحـاجـة فـاطـمـة بـتـحـاول تـفـكّـرهـا بـالـقـديـم عـشـان مـتـبـقـاش هي الـلـي خـسـرانـة بـالـكـامـل.*
— كـنـتِ بـتـغـسـلـي وطـبـخـي لـي يـا حـاجـة، بـس كـنـتِ بـتـسـمّـعـيـنـي الـكـلـمـة عـشـرة — *أمـل قـالـتـهـا وجـرّت الـمـلايـة الـقـديـمـة بـنـفـضـة قـويـة* — كـنـتِ بـتـقـولـي لـجـلال “مـراتـك فـالـحـة بـس في الـخـلـفـة مـمـبـتـجـيـبـش صـبـيـان”.. كـنـتِ بـتـكـسـري نـفـسـي قـصـاد الـسـلـفـات والـجـيـران. والـنـهـاردة، بـنـاتـي الـلـي عـيـبـتِ عـلـيـهـم دول هـمـا الـلـي بـيـبـعـtـوا لـنـا الـقـرشـيـن الـلـي بـنـجـيـب بـيهـم الـدوا، لـأن ورشـة ابـنـك مـبـتـجـيـبـش حـتـى حـق الـعـيـش.
الـحـاجـة فـاطـمـة سـكـتـت. الـكـلام كـان حـامـي و صـادق لـدرجـة الـوجـع. نـامـt عـلى الـمـخـدة الـنـظـيـفـة الـلـي أمـل لـسـه مـلـبـسـاهـا كـيـس مـغـسـول بـالـكـلـور، ودارت وِشّـهـا لـلـحـيـطـة. مـش عـشـان زعـلانـة، بـس لـأن الـسـت لـمّـا تـعـجـز مـمـبـتـلـقـيـش حـاجـة تـداري فـيـهـا خـيـبـتـهـا غـير الـحـيـطـة الـسـاقـعـة.
خـرجـت أمـل شـايـلـة طـشـت الـمـيـة الـلـي بـقـى عـكـر، والـمـلايـة الـمـبـلـولـة لـفّـاهـا تـحـt بـاطـهـا. جـلال بـص لـهـا وهو قـاعـد، حـس إنـه عـايـز يـقـولـهـا تـسـلـم إيـدك، حـس إنـه عـايـز يـقـول أي حـاجـة تـنـزل الـحـمـل الـلي عـلى صـدره، بـس الـلـسـان الـلـي اتـعـود يـجـعـر ويـحـكـم صـعب يـقـول حـقـك عـلـيـا بـسـهـولـة.
— الـمـيـة الـلـي في الـسـخـان خـلـصـت؟ — *ده كـل الـلـي قـدر يـقـولـه، حـتـة كـلام مـالـوش عـلاقـة بـأي حـاجـة، بـس عـشـان يـفـتـح كـلام.*
أمـل مـمـوقـفـtـش. كـمـلـت طـريـقـهـا لـلـحـمـام، ودلـقـت الـمـيـة في الـبـلاعـة، ورَمـت الـمـلايـة في طـشـت الـغـسـيـل بـتـاع الـم ـلابـس الـلـي مـسـتـنـي الـدور الـصـبـح. غـسـلـت إيـدهـا بـالـصـابـونـة الـرغـوة الـريـحـة الـلـمـون بـعـصـبـيـة، وطـلـعـت نـشـفـت إيـدهـا في فـوطـة الـمـطـبـخ.
وقـفـت في نـص الـصـالـة، وبـصـت لـه:
— الـسـخـان شـغـال يـا جـلال.. بـس الـبـيـت ده هو الـلـي نـفـسـه خـلـص. أنـا الـصـبـح لـمّـا الـنـهـار يـشـقـشـق، هـلـم هـدومـي في شـنـطـة جـلـد مـن بـتـوع الـجـهـاز، وهـروح أقـعـد عـنـد بـنـtـي فـاطـمـة في أوسـيـم.
جـلال اتـنـفـض مـن عـلى الـكـنـبـة كـأن عـقـرب لـدغـه:
— تـروحـي فـيـن يـا هـانـم؟ تـسـيـبـي الـبـيـت لـمـيـن؟ وعـشـان إيـه؟ هـو خـلاص كـل كـلـمـتـيـن تـقـولـي لـي هـمـشـي؟ فـاكـرة نـفـسـك صـغـيـرة تـعـمـلي **غـضـبـانـة** وتـروحـي لـبـيـوت الـنـسـايـب تـفـضـحـيـنـا؟
— الـفـضـيـحـة هـي إنـي أفـضـل هـنـا لـحـد مـا أمـوت بـالـسـكـتـة الـقـلـبـيـة — *صـوتـهـا طـلـع نـاشـف ومـفـيـهـوش عـيـاط فـعـلاً* — أنـا الـنـهـاردة عـرفـt إن مـلـيـش مـكـان هـنـا. أنـت مـش شـايـفـنـي بـنـي آدم.. أنـت شـايـفـنـي مـكـنـة تـشـتـغـل بـالـكـربـاج. لـمّـا أمـك تـتـهـمـنـي وتـكـدب وتـقـول إني مـمـبـرا عـيـهـاش وأنـت تـصـدقـهـا مـن غـيـر مـا تـفـر، يـبـقـى لـقـمـتـي في الـبـيـت ده بـقـت حـرام عـلـيـا. بـنـتـي جـوزها راجـل مـحـتـرم، وبـيـتـهـا واسـع، وهـقـعـد هـنـاك أربـي ابـنـهـا الـصـغـيـر، ع الأقـل هـسـمـع كـلـمـة “تـسـلـم إيـدك يـا مـامـا” الـلـي مـسـمـعـتـهـاش مـنـك مـن عـشـريـن سـنـة.
جـلال قـرّب مـنـهـا، ووشـه رجـع يـحـمـر تـانـي بـالـغـضـب الـلـي مـتـغـطـي بـالـخـوف. هـو عـارف إنـه لـو أمـل مـشـيـت، الـبـيـت ده هـيـقـع عـلى دمـاغـه. مـيـن هـيـغـسـل؟ مـيـن هـيـطـبـخ؟ مـيـن هـيـشـيـل أمـه لـمّـا يـنـزل الـورشـة؟ هـو مـقـدرش يـقـعـد سـاعـة جـنـب الـطـشـت، هـيـعـمـل إيـه لـو بـقـى لـوحـده؟ بـس عـقـلـيـة الـراجـل الـلـي بـيـخـاف مـن كـسـرة الـهـيـبـة خـلّـتـه يـقـول كـلام يـهـد الـدنـيـا زسـيـادة:
— لـو خـرجـتِ مـن الـبـاب ده يـا أمـل بـكـرة الـصـبـح.. مـلـكـيـش رجـوع لـيـه تـانـي. وبـنـاتـك دول مـش هـيـشـوفـوا وِشـي، والـطـلاق هـيـوصـل لـك لـحـد بـيـت بـنـتـك، وخـلّـي الـنـسـايـب يـtـفـرجـوا عـلـيـنـا!
أمـل بـصـت لـه بـطـريـقـة غـريـبـة. نـظـرة فـيـهـا شـفـقـة.. كـأنـهـا بـتـبـص لـعـيـل صـغـيـر بـيـخـبّـط في الـحـيـط مـن الـغـبـاء.
— الـطـلاق يـا جـلال؟ — *قـالـتـهـا وهـي بـتـبـتـسـم ابـتـسـامـة صـغـيـرة و مـوجـوعـة* — أنـت فـاكـر الـكـلـمـة دي هـتـخـوّفـنـي الـنـهـاردة؟ أنـا الـلـي بـقـالـي تـلاتـة وعـشـرين سـنـة مـتـطـلـقـة مـن الـدنـيـا ومـن الـراحة عـشـانـك.. كـلـمـة الـمـأذون دي مـش هـتـعـمـل حـاجـة غـيـر إنـهـا تـمـضي عـلى قـرار نـفّـذتـه أنـت بـأفـعـالـك مـن سـنـيـن.
سـابـتـه واقـف في نـص الـصـالـة ودخـلـت أوضـتـهـم تـنـام. جـلال فـضّـل واقـف، والـهـوا بـرة كـان بـيـلـطـش في الـشـبـابـيـك بـعـنـف، كـأن الـعـاصـفـة الـلـي بـرة بـنـقـل نـفـسـهـا لـجـوّه الـبـيـت.
مـقـدرش يـدْخُـل الأوضـة يـنـام جـنـبـهـا، حـس إنـه مـخـنـوق. شـد الـجـاكـتـة مـن عـلى الأرض، نـفـض الـتـراب الـلـي ع ـلـيـهـا، و خـرَج مـن بـاب الـشـقـة. الـسـلـم كـان ضـلـمـة والـلـمـبـة بـتـرعـش. نـزل الـسـلـم خـطـوة خـطـوة، ورجـلـيـه واديـاه عـلى طـريـقـه الـقـدِيـم.. الـورشـة.
تـحـت، الـحـارة كـانـت طـافـيـة، مـفـيـش غـيـر كـلاب الـشـوارع الـلـي مـسـtـخـبـيـة تـحـت الـعـربـيات مـن الـمـطـر. فـتـح الـقـفـل الـتـقـيـل بـتـاع بـاب الـصـاج، عـمـل صـوت تـقـيـل ومـزعـج في هـدوء الـلـيـل. دَخَـل الـوَرشـة، وشَـمّ ريـحـة الـجـاز والـمـكـات والـمـطـاط الـقـديـم. ريـحـة حـريـتـه الـلـي كـان بـيـهـرب لـيـهـا، بـس الـنـهـاردة، الـريـحـة كـانـت مـسـمـمـة و سـاقـعـة ومـتـفـرحـش واصـل.
قـعـد عـلى كـرسـي خـشـب مـكـسـور، وفـتـح عـلـبـة سـجـايـر كـلـيـوبـاتـرا، ولـع سـيـجـارة والـد خـان طـلـع ولَـفّ حـوالـيـه. بـدأ يـفـكـر.. بـكـرة الـصـبـح هـيـعـمـل إيـه؟ لـو أمـل مـشـيـت فـعـلاً، هـيـقـول إيـه لـلـنـاس؟ هـيـقـول لـلأسـطـى عـبـده الـلـي في الـورشـة الـلـي جـنـبـه إن مـراتـه سـابـتـه عـشـان أمـه؟ هـيـشـيـل الـطـشـت الـسـاعـة سـتـة الـصـبـح لـوحـده؟
وفي نـفـس الـوقـت، جـوّه الـشـقـة، أمـل كـانـت مـادّة جـسـمـهـا عـلى الـسـريـر، عـيـنـهـا في الـسـقـف. مـكـانـتـش بـتـعـيـط، الـعـيـاط خـلـص. كـانـت بـتـرِتّـب في دمـاغـهـا الـحـاجـات الـلـي هـتـأخـدْهـا مـعـاهـا.. الـغـيـارات الـمـهـمـة، عـلـبـة الـصـيـغـة الـفـاضـيـة الـلـي مـبـقـاش فـيـهـا غـيـر خـاتـم مـكـسـور مـن ريـحـة أمـهـا، و بـطـاقـتـهـا الـشـخـصـيـة. كـانـت حـاسـة بـخـوف.. خـوف الـسـت الـلـي بـتـهـد بـيـتـهـا بـإيـدْهـا بـعـد الـعـمـر ده كـلـه، بـس الـخـوف ده كـان فـيـه نـسـمـة حـريـة غـريـبـة، نـسـمـة حـريـة بـتـقـقولـلـهـا: “اتـنـفـسـي.. لـسـه فـيـه عـمـر بـاقي”. متوفرة على روايات و اقتباسات
الـسـاعـة بـقـت تـلاتـة بـالـلـيـل، والـبـيـت الـمـصـري الـقـديـم فـضّـل مـقـسـوم نـصـيـن.. نـص في الـورشـة تـحـت مـع الـد خـان والـنـدم الـمـخـلـوط بـالـعـنـاد، ونـص فـوق مـع الـشـنـط الـلـي بـتـتـقـفـل والـسـت الـلـي قـرّرت تـشـوف نـفـسـهـا..
والـلـيـل مـكـمّـل، والـصـبـح قـرّب يـطـلـع بـسـؤال تـقـيـل: يـا تـرى الـبـاف لـمّـا يـtـقـفـل بـكـرة، هـيـتـقـفـل عـلى نـهـايـة، ولا عـلى وجـع جـديـد مـحـدش عـارف أولـه مـن آخـره؟
حكايات مني السيد
