أبـويا رجـع من السـوق شايـل أكـل العشـا عشـان نحتـفل بتخرجـي ج 3 حكايات مني السيد

في الآخر، مسكني من كتافي ولفني عشان أقف قدام المراية الطويلة القديمة اللي كانت مسنودة على الحيطة، ديك اللي كان بروازها الخشب مقشر ومكسر، والإزاز فيه بقع غامقة من الرطوبة في الأركان.
بصيت لنفسي وسكت. الزمن كأنه وقف تاني.
ماكنش، ولا حتى قريب، من شكل أميرة الحفلة اللطيفة والمظبوطة اللي كنت بحلم بيها من أول ترم في الكلية. ماكنت شبه الموديلز اللي بيطلعوا على غلاف مجلات الموضة أو في المسلسلات التركي والشبابية. مفيش تول، ولا منفوش، ولا قصة صدر قلب مظبوطة.
بس اللي شفته في الانعكاس خطف نفسي بطريقة تانية خالص. كنت شبه المحاربين. كنت شبه واحدة طالعة حية من معركة طحن.
الجاكيت الغامق المقفل كان مديني هيبة كبيرة، شكل جاد، وليه وزن وتاريخ. وفي النص، شريط الحرير الأزرق التخين اللي مربوط على وسطي كان بيبرق تحت نور اللمبة الأصفر بلمعة حزينة، كأنه جرح مفتوح بس متضمّد بكل فخر. بنطلوني الأسود، الملموم بالبركة وبدبابيس المشابك، كان نازل بالظبط على كعب السيلفر اللي خالتي كريمة جابتهولي، واللي دلوقتي كان مدّي اللمسة الأخيرة للجنون اللي أنا لابساه ده.
ماكنش فستان. ده كان درع حرب.
درع اتفصّل واتظبط في أقل من ساعة، بس كان مصنوع من تاريخ عيلتنا كله. شايلة فوق كتافي شقى سنين من عمر جدي الله يرحمه، والعلامات وإخلاص أبويا اللي ملوش آخر، والحرمان اللي عيشناه، وعندنا وصوتنا العالي ومقاوحتنا السخيفة إننا مانتداش بالرجلين من قسوة وغل واحدة من دمنا.
أبويا وقف ورايا بالظبط في المراية. شكله كان يبان صغير وجسمه قليل لو اتقارن بهيبته وقيمته الكبيرة في حياتي. عيونه كانت بتلمع زي كشافين في قلب الضلمة والأنواء.
— زي القمر… يا بشمهندسة — قالها، وهو بينطق كلمة “بشمهندسة” بكل احترام وتقدير لدرجة خلتني أحس، في اللحظة دي، إني قادرة أهد الكون كله وأبنيه.
الدموع كانت خلاص هتنزل تاني وتغلوش على عيني، بس المرة دي كانت تفرق تماماً عن الأولانية. مابقاش فيه أي أثر للوجع، ولا الخوف، ولا الإهانة اللي ليلى كانت عايزة تبخها في دمي. كانت دموع حب واسع، غويط وصافي، لدرجة حسيت إن صدري هيتفتح نصين من كتر المشاعر.
— ربنا يخليك ليا يابا. بجد، شكراً — همست بيها، وأنا بمسك إيده اللي متعاصة شحم ومحطوطة على كتفي وبضغط عليها بكل قوتي.
— بس بقى، أحسن هنقلبها عياط واليلة تبوظ — قالها وهو بيتنحنح بصوت عالي وبيطبطب على ضهري بحنية — يلا بينا، التأخير مش في مصلحتنا. ولسه هنعدي على المنطقة اللي جنبنا ناخد خالتك كريمة، دي لو سيبناها يجرالها حاجة من كتر الغيظ.
خرجنا من البيت بنجري. وأول ما عدينا عتبة الباب البراني، الشمس كانت بدأت تغيب في الأفق، وبتلون سما القاهرة المليانة عفرة بألوان برتقالي وموف وأحمر تخطف العين. الهواء الساقع والمنعش بتاع المغربية ضرب في وشي، فنشف العرق الساقع اللي كان على جبهتي وفوقّلي دماغي.
لما ركبنا عربية أبويا الـ 128 البيضاء القديمة، العربية المحاربة دي اللي كانت بتطلع صوت زي الخلاط البايظ كل ما يجيب الغيار التاني، واللي ريحتها كانت مكس مابين معطر العود وتيل الفرامل القديم، حسيت براحة مابعدها راحة. صوت الموتور وهو بيدور، رغم إنه عالي ويصّدع، كان هو صوت حياتي، وأيامي وأنا رايحة الكلية، وعفرتنا اللي مابتخلصش.
المرور كان واقف، زي العادة. عدّينا خدنا خالتي، اللي أول ما شافتني ركبت العربية لسانها اتلجم لثانية، وعينها دمعت وهي بتسمع ملخص في دقيقتين للي عملته ليلى. بس لما شافت وقفتي ووش أبويا اللي زي الحجر، بلعت ريقها، ومسحت دمعة شاردة بمنديل قماش وقالت: “بس إيه الشياكة دي، إنتي شبه سيدات الأعمال بتوع أوروبا يا بنتي، يلا بينا عشان نروح نكسر الدنيا”.
وصلنا المدرج الكبير بتاع الجامعة قبل ما يقفلوا الأبواب بـ عشر دقائق بالظبط. المكان كان زحمة على الآخر، مفيش موضع لقدم. كان فيه مئات الطلاب لابسين الروب الأسود المظبوط، وكاب التخرج، ومن تحتهم أو في المدرجات، كانت بتظهر فساتين سواريه تجنن ومن محلات غالية، قماش مستورد، وفصوص بتعمي العين، بدل متفصلة على الشعرة، كرافتات حرير، وجزم براندات بتلمع.
الهمهمة والوش بتاع الناس اللي قاعدة كان يطّرش. الأهالي بيضحكوا من قلبهم، وبياخدوا صور للعيلة بكاميرات بروفيشنال كبيرة؛ ومجموعات من الآباء الشيك واقفين يضموا ولادهم في الصالة برا، وبيدوهم هدايا أقلام دهب، أو ساعات غالية، أو بيسلموهم مفاتيح عربيات زيرو مكافأة ليهم على التخرج.
وبعدين… كنا إحنا واقفين.
أبويا، ببنطلونه الجينز الباهت بس المكوي على السنير، وجزمته الشقيانة، وقميصه الكاروهات المتدكك في البنطلون. وخالتي كريمة، بفستانها البسيط المشجر وشنطتها الجلد السكاي. وأنا، في النص، لافة نفسي في جاكيت الصوف الأسود الكبير بتاع جدي الله يرحمه، ومربوطة من وسطي بحتة الحرير الأزرق بتاعة خيبتي، وماشية وراسي في السما أعلى من أي حد.
النظرات، طبعاً، ما استنتش ولا ثانية.
وأنا ماشية براحة في الممر الواسع اللي في النص المفروش سجاد وأنا بدور على الكرسي بتاعي وسط الخريجين، حسيت بنظرات عشرات الناس بتترشق فينا زي السكاكين. زمايلي من نفس الدفعة كانوا بيبصوا لي بلخبطة وذهول، وبيبربشوا بعينهم كأنهم مش مصدقين اللي شايفينه. سمعت وش أمهات زميلاتي، الستات الهاي كلاس، المفرودين واللي ريحتهم برفانات غالية، اللي طول سنين الكلية كانوا بيبصوا لي من فوق لتحت على إني “البنت الغلبانة اللي واخدة منحة ومن منطقة شعبية”.
— بقولك إيه، مش دي أنا جابر؟ — سمعت واحدة من البنات اللي معايا في سكشن “خرسانة” بتوشوش اللي جنبها وهي لافسة فستان أحمر يجنن. — ياه، هي بالظبط… إيه اللي هي لابساه ده يا ربي؟ — ردت عليها التانية، وهي مخبية بقها بإيدها اللي عاملة فيها مانيكير — كأنها سارقة دولاب راجل غلبان في الشارع أو شيخ جامع. إيه الكسوف ده.
حسيت بوداني قايدة نار كأن حد قرب منها عود كبريت. الرغبة اللي بتيجي في الجسم علطول إني ألم كتافي، وأربع إيديا على صدري عشان أستخبى وأوطي راسي في السجاد، كانت قوية وخنقتني. ولثانية واحدة من الضعف، صوت ليلى المسموم رن في دماغي بكل وضوح: “مالكيش مكان هنا. إنتي شحاتة. وعمرك ما هتبقي حاجة. إنتي فرجة وضُحكة للناس”.
خطوتي اتهزت. ونفسي اتحشر. وكنت خلاص هقف وألف وأجري على الحمام عشان أعيط.
بس في اللحظة دي، حسيت بإيد أبويا الخشنة بتتحط بجمود في نص ضهري. لمسة تقيلة، ناشفة، وأمان مابتتهزش.
هو ما زقنيش لقدام، ولا قال الكلمة. هو بس سندني بقوة تخليك ثابت في الأرض.
بصيت له بطرف عيني. أبويا ماكنش بيبص للناس المنفوخة دي. ماكنش مدّي أي اهتمام للوش، ولا للتريقة، ولا لفساتين السواريه اللي حوالينا. عيونه الغامقة والواسعة كانت متسمرة ومتبتة قدام، على المسرح الكبير المتزين، اللي فيه أعلام الجامعة الكبيرة بتتحرك بهيبة ودكاترة الجامعة بيستعدوا عشان يبدأوا. وش أبويا كان منور باحترام وفخر وفرحة كبيرة أوي، لدرجة كانت بتخلي أي حد يتجرأ يتكلم علينا في المكان ده يبان صغير وملوش أي عازة.
النظرة دي بس رجعت لي الروح. خدت نفس طويل، ومليت صدري على آخره بالتكييف الساقع بتاع المدرج. فردت كتافي تحت الصوف الأسود التقيل، وسيبت إيديا مرتاحة جمبي، ورفعت دقني لفوق وأنا بتحدى المدرجات كلها، وكملت مشي لمكاني.
بدأت الحفلة الرسمية. كورال الجامعة غنى، والدكاترة قعدوا، وخطب ضيوف الشرف كانت بتعدي على ودني زي زنز ملوش معنى. طول الدقائق الطويلة دي، أنا كنت حاطة إيدي على بطني، وبلمس براحة بصوابعي الحزام اللي عملناه من الحرير الأزرق اللي لافف وسطي. كان التميمة بتاعتي. كان الدليل اللي بلمسه على كل اللي عدينا بيه سوا عشان يبقى ليا الحق أقعد على الكرسي القطيفة الأحمر ده.
وجت اللحظة الكبيرة. تسليم الشهادات والدروع. المذيع قرب من المايك وبدأ ينده على الطلاب، واحد ورا التاني، بالترتيب الأبجدي.
إيديا كانت بتعرق. زمايلي بيقوموا، يطلعوا، يسلموا، ويتصوروا الصورة الرسمية وينزلوا وسط تسقيف يطّرش وهيصة من أهاليهم.
لحد ما وصلوا لحرف الجيم.
— جابر، أنا ماريا. ناجحة بامتياز مع مرتبة الشرف.
صوت اسمي الكامل رن بقوة في السماعات الكبيرة الموزعة في المكان كله، لدرجة هزت الأرض تحتيا.
وقفت بكل ثقة وعزم. الوش والسكوت في المدرج كأنهم طولوا لثانية زيادة، سكوت مليان مفاجأة وانتظار. مشيت بخطوات واسعة وواثقة لسلالم المسرح الخشب. مع كل خطوة باخدها بالكعب السيلفر، الجاكيت الأسود الكبير بتاع جدي كان بيتحرك بوزن ووقار، وفيونكة الحرير الأزرق الطويلة اللي ورا ضهري كانت بتنور وتخطف العين تحت الإضاءة القوية بتاعة الكشافات الكبيرة.
مابقاش يهمني نظرات حد خالص. مابقاش يفرق معايا البدلات السواريه اللي من براندات فرنسية لزميلاتي اللي طلعوا قبلي. دنيتي كلها اتقفلت على الـ 30 متر دول بس.
طلعت السلم الصغير ووقفت على المسرح الكبير. رئيس الجامعة، راجل بشعر أبيض، وشكله جاد جداً ونظرته بتفحص كل حاجة، كان مستنيني في النص. كان ماسك في إيده الفولدر الجلد التقيل المحفور بالدهب وعليه شعار الجامعة.
لما وقفت قدامه، مد إيده بالشهادة.
— ألف مبروك يا بشمهندسة أنا. شرف ليا إني أسلمك الشهادة دي. مجهودك كان ممتاز وفوق العادة — قالها بصوت رزين وفيه هيبة، ومد إيده عشان يسلم عليا.
— شكراً يا فندم، شكراً سيادة رئيس الجامعة — رديت وأنا بضغط على إيده بثقة.
أخدت الفولدر. الجلد التخين كان ساقع، ناشف، تقيل وحقيقي جداً بين إيديا. ضميته لصدري. قشعريرة مشيت في جسمي كله من قفايا لحد صوابع رجلي. كل التعب والشقى اللي فات، الدموع اللي نزلت قهر فوق الكشاكيل في نصايل الليل، الكلام المسموم والغل المريض بتاع ليلى، ريحة الشحم المحروق في إيدين أبويا التعبانة، قماش حلمي المتقطع ومرمي في أرض الأوضة… كله. كله كان تمنه قليل قصاد اللحظة دي بالذات.
لفيت للجمهور الكبير. كان فيه آلاف الوشوش اللي مش واضحة في الكراسي، منورة بنور خفيف من عاكس إضاءة المسرح.
بس أنا كنت بدور على وش واحد بس.
وهناك كان واقف. بالظبط في الصف الأربعة عشر، جمب الممر. عم أحمد. الميكانيكي الغلبان بتاع المنطقة. أبويا.
كان واقف، وهو الوحيد في الصف بتاعه كله اللي قام من على كرسيه. كان حاطط إيديه الاتنين على بوقه، بيحاول يكتم شهقة عياطه، والدموع كانت نازلة سيل على وشه الشقيان، من غير ما يفرق معاه ولا يهمه لو الناس اللي جمبه بصوا عليه، من غير أي كسوف ولا خجل. بدأ يسقف. كان بيسقف بقوة مش طبيعية، بيخبط كفوفه الخشنة والتخينة بجهد طلع صوت ناشف وقوي، كان مسموع بوضوح حتى فوق تسقيف المجاملة بتاع بقية الناس والدكاترة في الجامعة. وجمبه، خالتي كريمة كانت بتهز منديل في الهواء، وبتصرخ باسمي.
جزيت على شفايفي عشان ما أعيطش في مكاني، رفعت شهادتي الجلد لفوق، عالية أوي في الهواء، وشاورت بيها علطول لأبويا.
دي مكنتش شهادتي لوحدي. دي كانت شهادتنا إحنا الاتنين.
في اللحظة دي بتاعة النصر والسكوت اللي بينا أنا وهو، بصيت لتحت لثانية على جسمي. بصيت لحزام الحرير الأزرق اللي لافف وسطي فوق الصوف القديم بتاع بدلة جدي. ووقتها فهمت كل حاجة بوضوح شديد.
ليلى فشلت فشل ذريع وخسرت كل حاجة.
هي افتكرت في دماغها المريضة إنها لما تقطع القماش الغالي ده، هتدمر ثقتي في نفسي، وجمالي، وقدرتي على النجاح وحقي إني أكون فرحانة. افتكرت إنها لما تكسر الحاجة المادية من برا، بالتبعية هتكسر اللي جوة.
ياااه… كانت غلطانة أوي.
كرامة البني آدم مابتتقطعش بمقص خياطة، مهما كان حامي. التعليم، والذكاء وعرق الليالي مابيبقوش حتت ويترموا في الزبالة. والحب اللي ملوش شروط من أب بسيط بيضحي بعمره، وصحته وأحلامه عشان يشوفك طاير في السما، مابيموتش ولا بيتدمر، ولا حتى بكل السم، والغل والكره اللي في الدنيا دي كلها.
ولما نزلت من على المسرح والحفلة اللي قعدت ساعتين خلصت، الصالة الكبيرة اللي بالواجهة الإزاز للمدرج اتملت بسرعة بالأحضان، والورد الملون، ودموع الفرحة والمباركات اللي صوتها عالي. أنا بدأت أعدي وسط زحمة الناس وبزق براحة.
أبويا كان بيجري ناحيتي من آخر الصالة. كان بيزق كام راجل لابس بدلة من غير ما يفرق معاه الأصول ولا الدبلوماسية…

