حـطّت راسـها عـلى كـتف راجـل غـريب فـي الـمترو ج 2

حكـاية رومـانسية طـارق و نـادين

العربية المصفحة كانت بتترج بعنف تحت ضرب النار اللي كان بينزل على الإزاز زي المطر. نادين كانت كتمة صرختها بإيديها الاتنين، وغمضت عينيها وهي حاسة بتقل جسم طارق فوقيها، ودقات قلبه السريعة والقوية كانت مسموعة بوضوح وسط دوشة الرصاص. ريحة البرفيوم بتاعه اتخلطت بريحة البارود اللي بدأت تتسرب من برة، في ميكس غريب مرعب بس خلاها تحس إنها لسه صاحية.
* “سليم! اقلب العربية وارجع على المحور الخلفي! متوقفش مهما حصل!” طارق زعق بصوت جهوري زلزل العربية، وإيده التانية كانت بتسحب طبنجة سودا ضخمة من تحت كرسيه.
* “طريق المحور مقفول يا باشا! تلات عربيات جيب بيحاوطونا!” سليم رد وهو بيلف الدريكسيون بأقصى عزم عنده، والكاوتش كان بيصرخ على الأسفلت.
طارق ما ترددش ثانية. سند نادين على أرضية العربية وثبتها برجليه وقال لها بنبرة حاسمة ومفيهاش نقاش: “راسك في الأرض ومتحركيش صباع واحد، فاهمة؟”
قبل ما ترد، طارق فتح نص الشباك المصفح بحركة سريعة، وخرج منه وبدأ يضرب نار بثبات غريب. نادين فتحت عينيها حتة صغيرة من الرعب، وشافته وهو بيصوب بكل برود، وكأن ضرب النار ده حاجة بيعملها كل يوم الصبح مع كوباية الشاي. تلات طلقات ورا بعض من طبنجة طارق، وسمعت صوت انفجار كاواتش لركوبة من العربيات اللي بتطاردهم، وراها صوت خبطة حديد مرعبة لما العربية دي قلبت على الكوبري.
السواق استغل الفرصة، وداس بنزين على الآخر، وكسر الدريكسيون ودخل في دخلة جانبية ضلمة تحت الكوبري، بعيد عن ضرب النار الرئيسي.
الدنيا بدأت تهدى بالتدريج، وصوت الرصاص بدأ يبعد، لحد ما العربية استقرت في طريق مقطوع بين شجر ضخم. طارق قفل الشباك، ورجع قعد على الكرسي بانتظام، ونفخ بضيق وهو بيحط الطبنجة في جنبه. بص لتحت، لقى نادين لسه منكمشة في نفسها وبتترعش زي الورقة.
مد إيده الكبيرة وبأطراف صوابعه رفع وشها ببطء: “خلاص.. خلصت. اطلعي.”
نادين قعدت على الكرسي وهي مش قادرة تاخد نفسها، وشها كان أبيض زي المناديل، وعينيها مليانة دموع محبوسة. بصت لطارق ولقيت كتفه اليمين عليه بقعة دم صغيرة بدأت تتشرب في قميصه الأبيض.
* “أنت.. أنت بتنزف!” نادين قالت بصوت مبحوح وهي بتشاور على كتفه.
طارق بص لكتفه بلا مبالاة تامة، وكأن الدم ده مش بتاعه: “خربوش بسيط من إزاز الشباك لما اتكسر.. مش حكاية. المهم أنتِ؟ جرالك حاجة؟”
نادين هزت راسها بالنفي، بس دموعها نزلت غصب عنها: “أنا عايزة أروح.. أرجوك رجعني بيتنا. أنا مالي ومال الكلام ده؟ أنا مهندسة ديكور غلبانة، كل مشاكلي في الدنيا كانت إزاي أدبر تمن شكاير الأسمنت للموقع! إيه اللي رماني في وسط السلاح والدم ده؟”
طارق سكت وبص لها بنظرة فيها شوية هدوء وعطف مكنوش باينين فيه من ساعة ما دخلت مكتبه. تنهد وقال: “اللي رماكِ هو نصيبك يا نادين. والرجوع دلوقتي معناه موتك. الضبع مش بيسيب خيط يوصل للورق اللي معاكِ، وإنتِ بقيتِ الخيط ده. لو رجعتِ شقتك، مش هتكملي فيها ساعة واحدة صاحية. اقعدي واهدي، إحنا خمس دقائق وهنكون في أمان.”
التفت لسليم وقال له: “الرجالة ورا مأمنين الطريق؟”
* “كله تمام يا باشا، عربيتين الدعم خلصوا على الباقيين، وطهروا المكان. والطريق للبيت الكبير فاضي.”
العربية مشيت تاني بس المرة دي في طريق صحراوي هادي، مفيش فيه غير إضاءة العواميد المتباعدة. نادين قعدت تبص من الشباك وهي حاسة إنها بتتفصل عن عالمها القديم. افتكرت مامتها الله يرحمها لما كانت بتقول لها “يا بنتي أنتِ طيبة وزيادة عن اللزوم، والدنيا دي عايزة الوش الخشب”.. يا ترى يا أمي لو شفتيني دلوقتي راكبة مع أخطر راجل في البلد وعربيتنا بتتضرب بالرصاص كنتِ هتقولي إيه؟
بعد حوالي نص ساعة، العربية هدت وسرعتها نزلت. نادين بصت قدامها ولقت بوابة حديد ضخمة جداً، أكنها بوابة حصن من العصور الوسطى. حراس مسلحين ببنادق آلية واقفين على البوابة، أول ما شافوا نمرة العربية ضربوا تعظيم سلام، والبوابة انفتحت إلكترونياً ببطء.
العربية دخلت جوة ممر طويل محاوط بشجر نخل عالي، وفي آخره ظهر “البيت الكبير”. هو مش مجرد بيت، ده قصر أثري مبني بطراز كلاسيكي فخم، الإضاءة الصفراء الخافتة حواليه كانت مدياله هيبة وغموض يخطفوا العين.
العربية وقفت، وسليم نزل بسرعة فتح الباب لطارق. طارق نزل وبص لنادين: “اتفضلي يا بشمهندسة.. منوراني في مملكتي.”
نادين نزلت ورجليها مش شايلاها. مشيت جنبه وهي بتبص على الفخامة اللي حواليها؛ رخام مستورد، تماثيل برونز، وكل حتة في المكان بتنطق بالفلوس والنفوذ. دخلوا الصالون الرئيسي، وكان واسع جداً والسقف بتاعه عالي، وفيه دفاية حطب كبيرة قايدة ومدفية المكان كله.
* “اقعدي يا نادين.” طارق قال لها وهو بيقلع الجاكيت بتاعه بحذر عشان الجرح.
قعدت على طرف الكنبة الجلد الفخمة، وضمت دراعاتها حوالين نفسها من الساقعة والخوف. في ثواني، ظهر راجل عجوز لابس بدلة شيك جداً، وشه مريح ووقور، بيبان عليه إنه شغال هنا من سنين طويلة.
* “حمد الله على السلامة يا طارق بيه.. خير؟ سليم كلمني وقال لي جهزوا الأوضة الكبيرة وفي إصابة؟” الراجل العجوز قال بقلق وهو بيبص لكتف طارق.
* “الله يسلمك يا عم حسين. خربوش بسيط متقلقش، هات لي بس علبة الإسعافات هنا، وجهز عشا خفيف للبشمهندسة نادين.. ضيفتنا وهتقعد معانا فترة.”
عم حسين بص لنادين بترحيب دافي وابتسامة خفيفة: “أهلاً وسهلاً يا بنتي، نورتِ البيت الكبير.. من سنين طويلة مدخلتش هنا بنت.” ونظر لطارق بنظرة ذات معنى، كأنه مستغرب بس فرحان، وبعدها استأذن ومشي.
طارق قعد على الكرسي اللي قصاد نادين، وفتح زراير قميصه من فوق عشان يكشف الجرح. الجرح كان عبارة عن قشط طويل في الجلد بسبب شظية إزاز، وبيجيب دم بس مش غريق. نادين لما شافت الدم لسه بيسيل، غريزة الإنسانية اللي جواها تحركت، ونسيت خوفها منه للحظة.
وقفت وقربت منه وقالت بتردد: “لو سمحت.. ممكن أساعدك؟ أنت مش هتعرف تطهر الجرح ده بإيدك الشمال.”
طارق رفع عينه وبص لها باستغراب، وبعدين ابتسم ابتسامته الصافية اللي نادراً ما بتظهر: “مش هتقرفي؟”
* “أنا بشتغل في مواقع تشطيب، وبشوف عمال بيتجرحوا قدامي كل يوم.. متعودة.” نادين ردت بثقة حاولت تصطنعها.
عم حسين دخل وجاب علبة الإسعافات وحطها على الترابيزة ومشي. نادين قعدت على الركبة جمب كرسي طارق، وفتحت العلبة. سحبت قطنة وبتادين، وبدأت تطهر الجرح براحة جداً.
طارق كان مثبت عينيه في وشها وهي مركزة. وشها كان قريب منه، لدرجة إنه كان شايف رموشها الطويلة وهي بتتحرك، وحس بنفَسها الدافئ القريب من كتفه. افتكر شكلها امبارح في المترو وهي نايمة على كتفه بكل براءة، والنهاردة بتطهر له جرحه.. البنت دي من عالم تاني خالص غير العالم الوسخ اللي هو عايش فيه. عالم كله نضافة وبراءة ملقهاش من يوم ما اتولد.
* “آسفة لو وجعتك..” نادين قالت وهي بتمسح الدم بالقطنة براحة.
* “وجع إيه يا نادين.. أنا اتضربت بالنار قبل كده وتلات رصاصات دخلوا جسمي وما اتهزتش. الخربوش ده ولا حاجة.” صوته كان واطي وناعم، غير صوته المرعب بتاع من شوية.
نادين حطت الشاش واللازق وقفلت الجرح، ورجعت قعدت مكانها وهي حاسة بكسوف من نظرته اللي مفا رقتش وشها.
* “ممكن تسيبني أتصل بأختي؟ زمانها قلقت عليا.. أنا متعودة أرجع بدري عن كده.” نادين سألت برجاء.
طارق ملامحه رجعت للجدية تاني: “تليفونك وتليفون أختك مراقبين من رجالة الضبع يا نادين. أي مكالمة منك ليها دلوقتي، معناها إنك بتقدمي رقبتها ليهم على طبق من دهب عشان يضغطوا عليا وعليكِ.”
* “يعني إيه؟ هسيبها تموت من القلق؟” نادين زعقت بقلة حيلة.
* “سليم باعت رجالة من عنده يراقبوا بيتك ويحموا أختك من بعيد من غير ما تحس. وهيتبعت لها رسالة من تليفون تاني مجهول، يطمنها إنك عندك شغل طوارئ في موقع برة القاهرة وتليفونك هيفصل. ده الحل الوحيد عشان الكل يفضل عايش.” طارق رد بصوت حاسم ينهي النقاش.
نادين سكتت، وحست بحمل تقيل فوق كتافها. شافت عم حسين داخل وبيدخل وراه خدم شايلين صواني عشا فخمة. طارق أشار لها تاكل، بس هي مكنش ليها نفس لأي حاجة. أخدت كباية عصير ليمون دافية وشربت منها شوية عشان تهدي أعصابها.
بعد العشا، طارق وقف وقال لها: “عم حسين هيوصلك لأوضتك. ارتاحي النهاردة، وبكرة الصبح هيكون عندنا كلام كتير مهم.. عشان نفهم إيه السر اللي في الورق الكروكي اللي معاكِ، والضبع قالب الدنيا عليه ليه.”
نادين هزت راسها وقامت مع عم حسين، اللي طلع بيها للدور الثاني، وفتح لها أوضة واسعة جداً، فرشها من الحرير والدانتيل الأبيض، وفيها شباك ضخم بيطل على الجنينة المظلمة.
* “تصبحي على خير يا بنتي.. لو احتجتِ أي حاجة، الزرار ده بيضرب عندي في المطبخ.” عم حسين قال لها بابتسامة دافية وقفل الباب.
نادين رمت نفسها على السرير الكبير، وحست بإن جسمها كله مهدود. قعدت تبص للسقف وهي مش مصدقة إنها نايمة في بيت طارق السيوفي. الراجل اللي البلد كلها بتخاف منه، نايمة تحت سقفه وحمايته.
في نفس الوقت، تحت في المكتب الأرضي.. طارق كان قاعد وراه مكتبه الخشب الضخم، وسليم واقف قدامه، والجو كان مشحون بالتوتر.
* “يا باشا، مكتب المهندسة نادين اتفتش كله بالكامل قبل ما رجالتنا توصل.” سليم قال بصوت واطي.
طارق وقف فجأة وعينيه شررت نار: “يعني إيه اتفتش؟ والورق؟”
* “الورق مش هناك.. الضبع قلب المكتب حتة حتة وملقاش الرسوم الكروكية الأصلية. ورجالتنا سألوا البواب، قال إن فيه حد غريب دخل المكتب بـ مفتاح قبل الهجوم بنص ساعة وأخد ملفات ومشي.”
طارق خبط بإيده على المكتب بقوة خلت الأقلام تطير: “حد دخل بمفتاح؟ يعني فيه خاين! الخاين من مكتب نادين ولا من رجالتنا؟”
* “بنحقق في الموضوع ده يا باشا.. بس الأكيد إن الورق مش مع الضبع، ومش في المكتب.”
طارق سكت لثواني، وعقله شغال زي الكمبيوتر. لف وبص لسليم وقال وعينيه فيها نظرة مرعبة: “الورق مش في المكتب.. نادين قالت لي إنه في الشنطة اللي في المكتب.. بس يمكن تكون غلطانة، أو يمكن الورق لسه معاها في الشنطة القماش اللي كانت شايلاها في المترو!”
التفت وخرج من المكتب بسرعة، وطلع السلم بخطوات واسعة وسريعة، وهو ناوي يدخل أوضة نادين ويفتش شنطتها بنفسه عشان يوصل للسر اللي قالب البلد.. السر اللي بسببه ممكن الدم يغطى شوارع القاهرة كلها في الأيام اللي جاية.
طارق كان طالع السلم وخطواته تقيلة وليها رنة في هدوء القصر المرعب. دماغه كانت بتودي وتجيب، والشك، اللي هو أساس حياته واللي خلاه يعيش لحد النهاردة وسط الحيتان، بدأ يشتغل. “هل البنت دي بريئة فعلاً؟ ولا الشنطة القماش ونومتها على كتفي في المترو كانت تلعيبة ملعوبة صح عشان تدخل جوة حياتي؟” الفكرة دي لوت بوز كل مشاعره الطيبة ناحيتها، ورجعت طارق السيوفي الغول اللي ميرحمش.
وصل قدام باب أوضتها، ومترددش ثانية. فتح الباب ببطء ومن غير صوت.
الأوضة كانت ضلمة، مفيش فيها غير النور الأصفر الخافت اللي جاي من عواميد الجنينة برة ومغطي نص السرير. نادين كانت نايمة على جنبها، ضامة نفسها ومبتسمة ابتسامة خفيفة وكأنها أخيراً حست بالأمان بعد يوم طويل من الرعب. الشنطة القماش بتاعتها كانت محطوطة على الكرسي الفوتيه اللي جمب السرير بالظبط.
طارق مشي على طراطيف صوابعه، وهيبته الطاغية كانت مغطية المكان. قرب من الكرسي، وعينيه منزلتش من على وشها وهو بيمد إيده ببطء شديد وسحب يد الشنطة القماش. فتح السوستة براحة، وبدأ يفتش في حاجتها.
لقى علبة الميكب البسيطة بتاعتها، محفظة جلد قديمة ومقشرة من الجناب، قلم حبر، ومفتاح شقتها اللي عليه ميدالية على شكل هندسي. وفي قاع الشنطة، لقى لفة ورق كنسون تقيل، مربوطة بأستك عريض.
قلبه دق دقة سريعة. سحب اللفة براحة، وفك الأستك، وفتح الورق الكروكي القديم تحت خيط النور اللي جاي من الشباك.
عينيه برقت، وأنفاسه تقلت وهو بيقرأ المكتوب في حواشي الرسمة بخط إيد قديم وممسوح. الرسوم دي مكنتش مجرد خطوط هندسية لأرض الفندق.. دي كانت الخريطة الأصلية لشبكة الأنفاق والمخازن السرية اللي ممتدة تحت الأرض من وقت الحرب، واللي بتوصل لحد مجرى العيون ومناطق حيوية تانية في قلب القاهرة الدسمة. مخازن اتقفلت واتمست من السجلات الرسمية من خمسين سنة، وبيتقال إن فيها دهب وآثار وشغل تقيل ملوش أول من آخر، والضبع كان هيموت ويحط إيده على الخريطة دي عشان يعرف نقطة الدخول الشغلانة كلها.
وهو مبهور باللي شايفه، سمع صوت حركة وراه.
* “أنت بتعمل إيه هنا؟”
طارق لف بسرعة البرق، ولقى نادين قاعدة على السرير، عينيها واسعة من الصدمة، وبتبص له وهو ماسك ورقها وحاجة الشنطة متبعترة على الكرسي.
الملامح الهادية اللي كانت عليها اختفت، وحل مكانها نظرة خذلان وخوف: “أنت بتفتش حاجتي؟ أنت كنت طالع تعمل إيه؟ بتسرقني في بيتك؟”
طارق ما اتهزش، ولم الورق في إيده وبص لها بجمود وقسوة رجعوا لوشه تاني: “أنا مابسرقش حد يا بشمهندسة، أنا باخد اللي يخصني.. والورق ده يخص حمايتك وحمايتي. مكتبك اتفتش من نص ساعة، والضبع قلب الدنيا عليه.. ودلوقتي أنا عرفت ليه.”
نادين وقفت على السرير ودموعها نزلت من القهر: “أنا وثقت فيك! لما حميتني من ضرب النار، ولما طهرت لك جرحك، قولت إنك راجل بجد وهتحميني.. تطلع في الآخر داخل أوضتي بالليل زي الحرامية تفتش شنطتي؟!”
طارق قرب من السرير، ونبرة صوته نزلت لدرجة مرعبة خلت الهوا يجمد في الأوضة: “صوتك ميعلاش في البيت الكبير يا نادين. وإحمدي ربنا إن الورق ده طلع معاكِ بالصدفة فعلاً ومش ملعوبة عليا، لإنك لو كنتِ جاية تبع الضبع، جثتك مكنش حد هيلاقيها لحد يوم القيامة. الورق ده معايا، والتحقيق في مين اللي سرق مكتبك شغال. ارجعي نامي.”
لف ضهره وخرج وقفل الباب وراه بكل عنف، وساب نادين عياطها مالي الأوضة، حاسة بمهانة وخوف ممرتش بيهم في حياتها قبل كده. حست إنها مجرد عروسة خشب في لعبة كبار ماليانين قسوة وسلاح.
تاني يوم الصبح، الساعة كانت 8. الشمس كانت طالعة بس الجو لسه مغيم وساقع. نادين منمتش طول الليل، كانت قاعدة على الكرسي وبتبص من الشباك وجسمها مهدود. الباب خبط، ودخل عم حسين وهو شايل صينية فطار ووشه باين عليه الحزن.
* “صباح الخير يا بنتي.. جبت لك الفطار، لازم تأكلي عشان تقدري تقفي على رجلك.”
نادين بصت له وصوتها رايح: “شكراً يا عم حسين، ماليش نفس.. أنا عايزة أمشي من هنا، أرجوك ساعدني أهرب.”
عم حسين حط الصينية واتنهد تنهيدة طويلة وقعد على كرسي قريب منها: “تهربي تروحي فين يا بنتي؟ برا البيت ده إنتِ صيد سهل للضبع ورجالته. طارق بيه برغم اللي عمله امبارح، بس هو الحيطة السند الوحيدة ليكي دلوقتي. متظلميهوش.. الراجل ده عاش حياته كلها وسط خيانات وضغوط تخلي أي حد يشك في خياله. هو لما فتش شنطتك كان بيحمي نفسه وبيحميكي.”
* “بيحميني بإنه يدخل عليا بالليل ويخوفني؟” نادين ردت بمرارة.
* “طارق بيه من صغره وهو بيشوف الغدر..” عم حسين قال بصوت واطي وكأنه بيحكي سر: “أبوه الله يرحمه اتقتل قدام عينيه من أقرب الناس ليه بسبب أرض وشغل.. من يومها وطارق مبيثقش في حد، وعينه في وسط راسه. بس أنا بقالي عشر سنين معاه، وعمري ما شفته جاب ضيف هنا البيت الكبير، ولا شفته هدي ونام في عربية زي ما سليم حكى لي عن ليلة امبارح في المترو. إنتِ حركتِ فيه حاجة هو نفسه خايف منها.. خايف يضعف.”
كلام عم حسين نزل على قلب نادين زي البلسم، بس كبريائها كان لسه وجعها. قبل ما ترد، الباب خبط ودخل سليم ووشه مش مبشر بالخير خالص.
* “البشمهندسة نادين.. طارق بيه عايزك تحت فوراً في غرفة العمليات.”
نادين استغربت الكلمة: “غرفة العمليات؟ ليه؟”
* “تعالي معايا وهتفهمي.”
نزلت نادين ورا سليم، ونزلوا لسرداب تحت الأرض في القصر، مكنتش تعرف إنه موجود. السرداب كان مجهز بأحدث أجهزة كمبيوتر وشاشات مراقبة بتعرض شوارع ومناطق كاملة في القاهرة، وفي النص كانت فيه ترابيزة اجتماعات ضخمة، وقاعد عليها طارق والسيجار في بقه، وقدامه الخريطة الكروكية القديمة مفرودة، وجمبه لابتوب شغال.
أول ما نادين دخلت، طارق بصلها ونفخ دخان السيجار، وملامحه كانت خالية من أي تعبير عن خناقة امبارح: “اقعدي يا نادين.. الشغل بدأ.”
قعدت نادين من غير ما تتكلم وعينيها في الأرض. طارق شاور على الشاشة الكبيرة وقال: “الخريطة اللي كانت في شنطتك دي.. كنز. بس كنز ملعون. الضبع عرف إنها معاكِ من خلال خاين في مكتبك.. وجبناه.”
نادين برقت عينيها وبصت للشاشة، لقت فيديو لايف لـ أوضة ضلمة، وفيها واحد مربوط في كرسي ووشه كله دم وبيتمرجح من الخوف. نادين صرخت وحطت إيدها على بؤها: “دا.. دا إبراهيم! المساعد بتاعي في المكتب!”
* “إبراهيم المساعد بتاعك، باعك للضبع عشان مية ألف جنيه.. أخد مفتاح المكتب واداله نسخة، وقاله إنك لقيتِ ورق قديم للأرض في الأرشيف وشايلاد في شنطتك.” طارق قال ببرود وهو بيبص للسيجار.
* “أنت عملت فيه إيه؟ أرجوك متقتلوش!” نادين زعقت وهي بترتعش من منظر إبراهيم.
طارق قفل الشاشة بحركة سريعة وبص لها بحدة: “أنا مابقتلش لمجرد القتل يا نادين.. إبراهيم دلوقتي مع رجالتنا وهيترمي قدام قسم الشرطة بملف تسليم كامل عن شغل مشبوه هو والضبع بيعملوه. بس المهم دلوقتي مش إبراهيم.. المهم هو الضبع.”
وقف طارق ومشي حوالين الترابيزة: “الضبع عرف إن الخريطة مش في المكتب، وعرف إنك معايا في البيت الكبير.. والنهاردة الصبح بعت لي رسالة واضحة. خطف ‘شريف’.. المهندس الاستشاري الكبير بتاع المشروع وصاحب عمري، ومهدد بذبحه لو المسألة مخلصتش والورق متسلمش النهاردة الساعة 12 بالليل في المدافن القديمة.”
نادين حست إن الأرض بتلف بيها: “شريف؟ المهندس شريف مالهوش ذنب! كل ده بسببي أنا والورق الملعون ده؟ خده.. خد الورق وادهوله وسيبوني أمشي!”
طارق خبط على الترابيزة بصوته الجهوري: “الورق ده لو راح للضبع، القاهرة دي هتقعد على قنبلة موقوتة! الأنفاق دي بتعدي تحت خطوط المترو ومخازن حيوية، لو حط إيده عليها هيتحكم في رقبة البلد بالتهريب والسلاح. طارق السيوفي مبيسلمش ورقة، ومبيسبش رجالته لقمة سايغة لحد.”
بص لنادين ونظرته كانت مليانة غموض وتحدي: “الضبع طلب إنك إنتِ اللي تيجي مع سليم وتسلمي الورق بنفسك.. هو فاكر إنك نقطة ضعفي عشان حميتك امبارح.”
نادين رجعت لورا خطوتين والرعب تملكها تماماً: “أنا؟ أروح المدافن بالليل؟ أنت عايز تضحّي بيا؟”
طارق قرب منها ووقف قصادها بالظبط، وعينيه كانت ثابتة في عينيها بقوة غريبة: “أنا عمري ما بضحي بحاجة تخصني يا نادين. إنتِ هتروحي.. بس الشنطة القماش بتاعتك دي، مش هيكون فيها الورق الكروكي.. هيكون فيها حاجة ثانية خالص. والبيت الكبير كله بروبابه ورجالته وسلاحه هيكونوا محاوطين المكان.. أنا هكون في ضهرك.”
سكت ثانية، ومد إيده ولمس كتفها براحة، وبنبرة دافية مفيهاش أي قسوة قال: “امبارح إنتِ نمتِ على كتفي وكنتِ مطمنة.. والنهاردة أنا هثبتلك إن الكتف ده مبيتهزش ومبيخونش. هتساعديني نخلص على الضبع وننقذ شريف؟”
نادين حست بصراع رهيب جواها.. بين خوفها من الموت ومن المقابر والضبع، وبين نظرة الأمان والسيطرة اللي في عين طارق السيوفي.. نظرة خلتها تهز راسها بالموافقة من غير ما تنطق ولا كلمة، وهي مش عارفة هل دي هتكون آخر ليلة في حياتها، ولا بداية حكاية تانية خالص.
طارق ابتسم والتفت لسليم: “وزّع الرجالة.. وجهّز الشنطة الملعونة.. الليلة دي، الضبع هيدفن في المدافن اللي اختارها بنفسه.”
وفي وسط التجهيز والسرعة، نادين كانت واقفة بتبص على طارق وهو بيلبس سلاحه وبيراجع الخطط، وحست إن حياتها البسيطة والأسمنت والتشطيبات خلاص بح.. وبقت جزء من عالم الحيتان.
ولما جيت الساعة 11 بالليل.. كانت العربيات واقفة في الجراج، ونادين لابسة الأسود وشايلة الشنطة القماش، وطارق بص لها وقال: “يلا بينا”.. وطلعت العربيات في طريقها للمقابر، من غير ما حد يعرف إن الضبع كان مجهز مفاجأة تانية خالص مكنتش على بال طارق ولا في حسابات غرفة العمليات.. مفاجأة هتقلب الترب فوق دماغ الكل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *