حماتي أخدت علبة الأكل اللي كنت تعبانة فيها ومحضراها لجوزي ج 1

حماتي أخدت علبة الأكل اللي كنت تعبانة فيها ومحضراها لجوزي—اللي فيها حتتين اللحمة وشوية الرز والخضار عشان يسند طوله في الورشة—وإديتها لابنها المتدلع بحجة إنه ما فطرش! وجوزي طفح الكوت ووقف على رجله 8 ساعات على لحم بطنه.
ولما جت إمبارح بكل بجاحة تاخد ورق عربيتنا عشان تديه لنفس العاطل، سحبت الورق من إيدها في آخر ثانية قبل ما تمضي على الكدبة دي.. سحبته في آخر لحظة!
أكلي فين يا هبة؟
دي كانت أول جملة قالها أحمد لما اتصل بيا من الشغل. صوته ما كانش زعلان ولا متعصب.. صوته كان هلكان ومكسور، وده اللي وجع قلبي أكتر.
كنت قاعدة في مكتبي وسط كومة فواتير، وفنجان القهوة بتاعي برد من بدري، بس أول ما سمعت نبرة صوته.. عرفت إن في حاجة حصلت.
قلتله: يعني إيه أكلك فين؟
قال لي: علبة الأكل يا هبة.. اللي فيها الستيك والرز والخضار. سيبتها على المكتب ودخلت أصلح عربية، ملقتهاش!
قلبي اتنغز.. أنا كل يوم بالليل بقف في المطبخ أحضر له علبة الأكل دي، مش فرض عليا، بس عشان بحبه. أحمد شغال ميكانيكي، شغلانة صعبة والحر فيها يخنق، والزيت بيبهدل الإيدين، والرجالة بتاكل واقفة على رجلها وسط الشغل. عشان كده كنت بستخسر فيه حاجة، ولازم أعمله لقمة محترمة؛ لحمة ورز وخضار وعيش، وساعات حتة كيكة لو الميزانية مريحة.
قلتله: دورت في الثلاجة طيب؟
سكت شوية وقال: دورت.. بس أمي عدت عليا في الورشة النهارده.
غمضت عيني وجمعت.. مع حماتي الحاجة فوزية مش محتاج ذكاء ولا أدلة، اسمها لوحده كفاية!
قلتله: وبعدين؟
اتنهد وقال: قالت لي إنها شافت علبة الأكل، وإن أخويا كريم نزّل من البيت من غير فطار.
جسمي اتجمد: يعني أخدت أكلك؟!
قال لي: قالت لي إنت راجل كبير وتقدر تشتري أي لقمة من الكافتيريا.
بصيت في الساعة لقيتها 3 العصر، قلتله بلهفة: أحمد.. إنت أكلت أي حاجة من الصبح؟
ضحك ضحكة مكسورة وقال: شربت قهوة من المكنة.
### عيشة الملوك على قفا الشقيان
الغضب طار في نفوخي.. الموضوع ما بقاش علبة أكل ولا حتتين لحمة، الموضوع 5 سنين من الاستغلال! 5 سنين وجوزي بيدفع فواتير مش بتاعته، ويصلح حاجات في بيت أمه، ويسلف أخوه ومبيشوفش الفلوس دي تاني، ويشيلهم في كل مصيبة، وفي الآخر يسمع جملة: إنت تستحمل يا أحمد.. أخوك حساس!
أما الأخ الحساس ده كريم.. عنده 30 سنة، ومظبط دقنه على السنّـة، وكل شهر يشتري كوتشي جديد برقم، وعنده معجزة نادرة إنه مستحيل يلاقي شغل! دايماً مستني الفرصة أو الصفقة الكبيرة. بس تعال بقى في الخروجات والفسح؟ تلاقيه أول واحد جاهز!
قلت لأحمد: أنا جاية لك الورشة حالا.
رد بسرعة: لأ يا هبة مش عاوزين مشاكل.
قلتله: مش هعمل مشاكل.. وكنت بكدب طبعاً!
لما وصلت، لقيت أحمد واقف جنب عربية قديمة، هدومه غرقانة عرق، وشه دبلان وشفايفه ناشفة من الجوع والعطش. أول ما شافني حاول يبتسم ويطبطب عليا وقال: مش مستاهلة يا حبيبتي كل ده.
ناولته سندوتشات وعصير كنت شارياهم في الطريق، وقلتله: كُل وأنت ساكت.
وهو بياكل، فتحت الإنستجرام، ولقيت البيه كريم منزل ستوري.. صورة سفرة ومكتب عليها: تسلم إيدك يا أمي.. دي عيشة الملوك!
وفي الصورة.. كان واضح زي الشمس؛ اللحمة والرز والخضار.. أكل جوزي وشقاه! وفي الخلفية علبة بيرة، والساعة كام؟ 3 ونص العصر!
وريت الصورة لأحمد، وشفت في عينه حاجة بتتكسر.. مش غضب، دي كرامته اللي اتهانت. قال لي بهدوء: اقفلي على الموضوع يا هبة.
قلتله: لأ.. مش هقفل.
قال لي: دي أمي.
رديت: وإنت جوزي.
### المواجهة وجروب العيلة
على بالليل، الحاجة فوزية اتصلت، وأحمد فتح المايك. أول ما رد قالت له: لسه زعلان عشان شوية الأكل يا أحمد؟ ما تبقاش قفوش كده، أخوك كان هيموت من الجوع!
سحبت الموبايل من إيده وقلت: الأكل ده كان بتاع أحمد يا حاجة!
سكتت ثانية وبعدين ضحكت ضحكتها البايخة اللي بتستفزني وقالت: يا هبة ما تكبريش الموضوع، الأكل موجود كل يوم ولا هيموتوا من الجوع?
قلت لها: آه موجود.. عشان أنا اللي بنزل أشتريه بفلوسنا، وأنا اللي بطبخه وأتعب فيه!
ردت ببرود مقرف: طبيعي.. ما هو ده دور الزوجة!
بصيت لأحمد وحسيت إن الحبل اتقطع خلاص، قلت لها: أنا مرات أحمد.. مش خدامة كريم!
صوتها اتقلب 180 درجة وقالت بعصبية: اتلمي وإنتِ بتتكلمي عن ابني!
قلت لها: أنهي ابن؟ اللي سيبتيه يشتغل طول النهار من غير لقمة؟ ورحت قافلة السكة في وشها.
تاني يوم الصبح، لقيتها بعتة على جروب العيلة الكبير: مؤسف جداً لما الزوجة تفرق بين الأخوات وتخرب البيوت عشان علبة أكل!
شفتوا البجاحة؟ علبة أكل بس! نسيت كل حاجة أحمد عملها، كل فاتورة دفعها، كل قرض سدده من جيبه، كل مرة طلع كريم من مصيبة.
### المعركة الكبيرة ورق العربية
ولما ربنا كرمنا واشترينا عربيتنا أخيرًا.. عينيها بدأت تلمع عليها. عربية نص نقل رمادي، أحمد دفع جزء من تمنها وأنا كملت الباقي من تحويشة عمري، ولأن سجلي الائتماني أحسن، العقد اتكتب باسمي.
من يومها وحماتي مش بتبطّل تلميحات: سلفوا العربية لكريم.. سيبوها معاه يومين.. إنتوا أنانيين ومش وش نعمة.. لحد ما قالتها عياناً بياناً في عزومة عيلة: العربية دي هتفيد كريم في كذا سبوبة، هو أولى بيها منكم!
أنا ضحكت وقتها فاكراها بتهزر، بس لقيت الوشوش قالبة ومحدش بيضحك، وكريم قاعد حاطط رجل على رجل ومستني! أحمد رد وقال: لأ يا أمي، العربية دي بتاعتنا وشقيانين فيها.
فوزية بصت له وقالت بملء فيها: كل اللي عندك ملك للعيلة!
رديت أنا فوراً: لأ.. اللي عندنا ملكنا إحنا وبس. ومن ساعتها وهي شايلالي ومعبيّة مني.. لحد إمبارح!
### الليلة المقلوبة
كانت الساعة 7 بالليل، الدنيا بتخصف مطر برة، وأحمد لسه مخلصش شغل. وفجأة جرس الباب رن. بصيت في الكاميرا لقيت الحاجة فوزية ووراها كريم!
فتحت الباب على السلسلة وقلت: خير؟
ما كلفتش نفسها حتى تقول السلام عليكم، وقالت بنبرة أمر: جايين ناخد ورق العربية.
اتصدمت: ورق إيه؟
كريم حط إيده في جيبه وبكل ثقة قال: أحمد موافق.. ومفيش فاضل غير توقيعك إنتِ وبس.
وحماتي رفعت في وشي ملف أزرق وقالت: هننقل الملكية الليلة.
ضحكت ضحكة ناشفة وقلت: أحمد موافق؟ طب ثانية واحدة.
طلعت الموبايل واتصلت بأحمد وفتحت الاسبيكر قدامهم.. أول ما أحمد فهم هما جايين ليه، صوته زلزل المكان وصرخ: ما تديهمشي أي حاجة يا هبة! أوعي تديهم الورق!
وش حماتي اتقلب ألوان وعرفت إن كدبتها اتكشفت، وقالت بزعيق: إنتِ هتمضي ورجلك فوق رقبتك!
قلت لها: لأ.. على جثتي.
صرخت: العربية دي لابني!
قلت: العربية دي ليا ولجوزي.
قالت لي بغل: أحمد هيختار عيلته وأمه في الآخر.
قربت منها وبصيت في عينيها بثبات وقلت لها: أنا عيلته!
كريم ضحك وقال بـ لؤم: لحد ما يطلقك ويترمي في حضننا تاني.
الحاجة فوزية ما سكتتوش ولا نهرته، وده كان الإشارة بالنسبالي إن الناس دي جاية تخرب وتنهب. دخلت الأوضة وجبت الملف الأسود بتاعي اللي فيه كل الأوراق الأصلية. أول ما شافوه، كريم ابتسم وافتكر إنه كسب المعركة.
طلعت الرخصة، وعقد الملكية، وإيصالات السداد.. حماتي مدت إيدها بكل طمع عشان تخطفهم، بس في ثانية كنت سحبت الورق بعيد قبل ما صوابعها تلمسه! وقلت لها: على جثتي تاخدي ورقة واحدة.
وشها احمر وعروقها برزت وقالت: هاتي الورق بقولك!
زعقت فيها: اطلعوا برة بيتي!
كريم قال ببلطجة: مش هنمشي من هنا غير بالعربية.
رديت عليه: يبقى هتطلعوا من هنا من غير العربية.. ومن غير كرامة كمان!
كريم بدأ يتحرك ناحيتي وبان في عينه الغدر، رحت رافعة الموبايل في وشه وقلت: أنا بطلب الشرطة حالا بتهمة التهجم وسرقة بالإكراه!.. كانت كدبة سريعة بس وقفته مكانه وخوفته.
فجأة.. الحاجة فوزية هديت وابتسمت ابتسامة صفرا، ابتسامة رعبتني أكتر من زعيقها وصوتها العالي.. وبصت لي وقالت ببرود قاتل:
إنتِ فاكرة إن الموضوع موضوع عربية يا هبة؟
الدم هرب من عروقي، وحسيت برعشة، وسألتها: أمال موضوع إيه؟!
🔥 يتبع…
الحاجة فوزية فضلت باصة لي والابتسامة الصفرا دي مرسومة على وشها، عينيا كانت بتتحرك بينها وبين كريم اللي رجع حط إيده في جيبه ورجع خطوة لورا وكأنه بقى واثق إن أمه معاها المفتاح السحري اللي هيخليني أنزل على ركبي. المطر برة كان صوته بيعلى، بيخبط في شيش البلكونة زي ما يكون طبول بتعلن بداية حرب تانية، حرب أنا مش عارفاها ولا فاهمة أولها من آخرها.
قلت والنفس بالعافية بيطلع من سدري:
أمال موضوع إيه يا حاجة فوزية؟ انطقي.. إيه اللي في دماغك بالظبط؟
الحاجة فوزية عدلت الطرحة بتاعتها بكل برود، وبصت في الصالة وكأنها بتعاين شقتي، وبعدين بصت لي وقالت بضحكة مكتومة:
الموضوع يا هبة يا بنت ناس إنك فاكرة نفسك ملكتي أحمد خلاص. فاكرة لما كتبتي العربية باسمك عشان قرشكين حوشتيهم إنك بقيتي الآمرة الناهية؟ لأ يا حبيبتي.. أحمد ده ابني أنا، بطني اللي شالته، والدم اللي في عروقه ده دمي. تفتكري لما تقولي له يمين هيقول لك يمين؟ أحمد طول عمره بيسمع كلامي، وعارف إن رضايا عليه هو اللي ممشي حاله في الورشة وفي الدنيا كلها.
وقفت بكل ثبات، ورغم إن ركبي كانت بتترعش من الخوف والتوتر، بس ما بينتش. قلت لها:
ورضاكي ده يا حاجة هو اللي يخليكي تاكلي شقاه وتعرقيه وتديه للعاطل اللي واقف وراكي؟ هو رضاكي معناه إن أحمد يشتغل 8 ساعات على لحم بطنه عشان البيه يتغدا لحمة ورز ويشرب بيرة؟
كريم اتعصب ووشه اتقلب وقال وهو بيشاور بصباعه:
احترمي نفسك يا هبة ولِمّي لسانك! إنتِ مالك ومال اللي بَشربه ولا بَاكله؟ دي أمي وده بيت أخويا، يعني ماليش فيه يعني؟ العربية دي لو ما أخدناهاش بالذوق، هناخدها بطرق تانية إنتِ ما تتخيليهاش، واسألي جوزك كده كريم لما بيعوز حاجة بيعمل إيه.
رديت عليه وأنا برفع صباعي في وشه:
وريني هتعمل إيه يا كريم! أعلى ما في خيلك اركبه.. الباب قدامكم والورق في حضني، والشرطة على أول الشارع لو ما غورتوش من هنا حالا، أنا مش هتردد ثانية واحدة إني أعمل لكم محضر عدم تعرض وتهجم في نص الليل.
الحاجة فوزية سحبت كريم من دراعه وقالت له:
سيبك منها يا كريم.. سيبها تفرح بالورق الكام يوم دول.
وبعدين لفت وشها ليا وقالت بنبرة كلها غل:
أنا ماشية يا هبة.. بس حطي في بالك، من بكرة الصبح، الورشة دي مش هتدخل لها قرش واحد. الزباين اللي بيجوا لأحمد؟ كلهم معارف الحاج الله يرحمه وأصحابي وأصحاب خلان كريم. كلمة واحدة مني، وأحمد مش هيلاقي عربية واحدة يصلحها في السيدة عائشة كلها! هقعدهولك في البيت يشم صوابعه، وريني بقى هتدفعي قسط العربية منين ولا هتاكلي منين يا ست الدكتورة يا بتاعة المكاتب والفواتير!
الكلام نزل عليا زي المية الساقعة. الورشة! الورشة دي هي حلم أحمد، هي المكان اللي بيموت نفسه فيه من النجمة لحد نص الليل عشان يعمل قرش حلال. الورشة دي اللي فتحناها بدموع وعرق وصبر، والحاجة فوزية بكل بساطة عارفة مفاتيحها وعارفة إن أغلب الزباين الكبار بتوع النقل والشركات بيجوا عن طريق معارف العيلة القدام.
قبل ما أنطق بحرف، الحاجة فوزية لفت ضهرها وأخدت كريم في إيدها ونزلوا على السلم، ورزعوا باب المدخل وراهم رزعة هزت البيت كله.
قعدت على أول كرسي قابلني في الصالة، والملف الأسود في حضني. كنت حاسة إن دقات قلبي واصلة لحد وداني. مسكت الموبايل وإيديا بترتعش، واتصلت بأحمد تاني.
أول ما رد، كان صوته عالي وفيه نبرة قلق عمري ما سمعتها فيه قبل كده:
هبة! إنتِ كويسة؟ عملوا لك حاجة؟ مشيوا ولا لسه عندك؟
قلتله وأنا بحاول أحبس دموعي عشان ما يحسش بضعفي:
مشيوا يا أحمد.. مشيوا خلاص والورق معايا ما تقلقش. بس أمك.. أمك قالت كلام يخوف يا أحمد.
أحمد سكت شوية، وسمعت صوت تنهيدة طويلة ومحملة بوجع الدنيا كله، وبعدين قال بصوت واطي:
قالت لك إيه يا هبة؟
حكيت له كل اللي حصل، كلمة كلمة، عن تهديدها بقفل الورشة وقطع عيشه ومنع الزباين عن طريق المعارف. أحمد فضّل ساكت فترة طويلة لدرجة إني افتكرت الخط قطع.
قلتله: أحمد؟ إنت معايا؟
رد وقال: معاف يا هبة.. معايا. بس أمي متعملش كده.. أمي ممكن تزعل، تضايق، تاخد الأكل، تطلب العربية.. بس تقطع عيشي؟ لأ يا هبة، أمي عارفة إن الورشة دي هي اللقمة اللي بصلب بيها طولي وإني ماليش قرش برة الشغلانة دي.
قلتله بمرارة: أمك متعمية بكريم يا أحمد! أمك شايفة إنك شق صخر عشان كريم يعيش ملك. هي مستعدة تهد المعبد على اللي فيه لمجرد إن كريم يفضل متمتع ومبسوط. إنت لازم تيجي البيت حالا يا أحمد، أنا خايفة.
قال لي: مسافة السكة يا حبيبتي، هقفل الورشة وأركب الميكروباص وأجيلك فوراً.
ساعتها قمت قفلت الباب بالترباس والمفتاح، ودخلت المطبخ عملت لنفسي كوباية شاي دافية عشان أهدي جسمي اللي كان بيتنفض. بصيت لعلبة الأكل الفاضية اللي كنت غسلتها لما رجعت من الورشة العصر.. العلبة دي كانت هي الشرارة اللي ولعت القش كله. الحكاية ما كانتش أكل، الحكاية كانت تراكمات سنين، سنين وأنا ساكتة ومستحملة عشان بحب أحمد وعشان مش عاوزة أبقى الزوجة اللي بتفرق بين الراجل وأمه.
افتكرت أول سنة جواز.. لما كريم قرر يفتح مشروع سايبر، وأحمد راح سحب سلفة من الشغل وباع حتة دهب كانت فاضلة معاه عشان يقف جنب أخوه. السايبر قعد 6 شهور، وكريم كان بيقعد فيه يلعب مع أصحابه ويوزع حاجة ساقعة ببلاش، لحد ما المشروع خسر والمحاضر اتكومت، ومين اللي سدد الفواتير والديون؟ أحمد!
وافتكرت لما كريم خطب من سنتين، وأمه جت قعدت في صالتنا دي وبكت وقالت: “أخوك مكسور الجناح يا أحمد، ساعده في الشبكة والناس هتاكل وشنا.” وأحمد دفع شقى 3 شهور من غير ما ينطق، وفي الآخر الخطوبة باظت عشان كريم ما رضيش ينزل يشتغل ويجهز الشقة، والشبكة راحت ومفيش مليم رجع لأحمد.
كل ده كان بيعدي قدام عينيا زي الشريط، وأنا بسأل نفسي: لحد إمتى؟ لحد إمتى هيفضل أحمد هو الكبش الفدا اللي بيتدبح عشان كريم يفضل لابس نضيف ومظبط دقنه وقاعد في الكافيهات؟
بعد حوالي ساعة، سمعت صوت المفتاح في الباب. قمت بسرعة فتحت، لقيت أحمد داخل. وشة كان عليه علامات تعب السنين كلها. هدومه لسه بتراب الورشة، وعينيه حمرا من قلة النوم والضغط.
أول ما دخل، رحت في حضنه ودموعي اللي كنت حابساها نزلت كلها. طبطب عليا بـ إيديه الخشنة اللي مليانة شقى، وقال بصوت حنين:
خلاص يا هبة.. أنا هنا. مفيش حد هيقدر يؤذيكي ولا ياخد حاجة منك طول ما أنا عايش.
قعدنا في الصالة، وأحمد طلب مني أحكي له تاني بالظبط أمي قالت إيه وكريم قال إيه. لما وصلت لجملة كريم “لحد ما يطلقك وترجع لنا”، شفت إيد أحمد وهي بتتضم وعروقه برزت، والدموع لمعت في عينيه.. كانت دموع قهر.
قال لي: كريم يقول كده؟ كريم اللي أنا مكبره على إيدّي؟ اللي لما كان بيعيا كنت بشيله على كتفي وأجري بيه في نص الليل للمستشفيات؟ يجي الليلة عاوز يرب هدم بيتي وياخد عربيتي عشان يتبغدد بيها؟
قلتله: يا أحمد، أمك زرعت جواه إن كل حاجة بتاعتك هي ملكه هو. أمك هي اللي بوظت كريم، ودلوقتي هما الاتنين شايفين إني أنا العقبة اللي واقفة في طريق استغلالهم ليك. العربية دي لو راحت، هيروح وراها الشقة، وهيروح وراها كل مليم بتعمله.
أحمد حط رأسه بين إيديه وفضل ساكت. السكوت ده كان بيقتلني، كنت مستنية منه قرار، مستنية منه موقف ينهي المأساة دي.
تاني يوم الصبح.. صحينا على صوت تليفون أحمد بيرن. الساعة كانت لسه 8 الصبح. بص في الشاشة ولقيته الأسطى عبده، ده ميكانيكي قديم من أصحاب والده الله يرحمه، وهو اللي كان مأجر لأحمد المكان بتاع الورشة وممشي معاه زباين كتير من بتوع زمان.
أحمد فتح الخط وقال: صباح الخير يا أسطى عبده.. لعله خير؟
سمعت صوت الأسطى عبده من السماعة وهو بيتكلم بنبرة كلها إحراج وأسف:
صباح النور يا أحمد يا ابني.. أنا مش عارف أقولك إيه والله، بس الحاجة فوزية كلمتني الليلة وكلمت الحج كمال والحج مصطفى.. والدنيا مقلوبة يا ابني.
أحمد وشه اتقلب ولقيته وقف على رجليه وقال: في إيه يا أسطى عبده؟ أمي قالت لكم إيه؟
الأسطى عبده اتنهد وقال: قالت إنك عاق، وإنك طردتها من بيتك إنت ومراتك ورفعتوا عليها الموبيل وكنتوا هتعملوا لها محضر في القسم.. وقالت إن اللي هيتعامل مع أحمد في الورشة أو هيبعت له عربية يتصلح عنده، يبقى بيعادي العيلة كلها وبيعادي روح أبوك الله يرحمه. وإنت عارف يا أحمد، الناس الكبار دول بيعزوا أمك وبيحترموا كلمة الحاج القديمة.. الحج كمال اتصل بيا وقالي اسحب العربيتين النقل بتوع الشركة من عند أحمد بكرة، مش عاوزين مشاكل مع الحاجة فوزية.
أحمد قعد تاني على الكرسي وكأنه اتضرب قلم على وشه. صوته طلع مخنوق بال بالعافية:
يعني إيه يا أسطى عبده؟ يعني الحج كمال هيسحب الشغل؟ ده شغل الشركة ده هو اللي ممشي حال الورشة وبندفع منه الإيجار واليوميات بتوع الصبيان!
الأسطى عبده قال له: أنا دافعت عنك والله يا ابني وقلت لهم أحمد طيب وميعملش كده، بس أمك بكت وخلت كريم يحلف ليهم إن مراتك سحبت في وشهم السكينة وكانوا هيتبلوا عليهم. يا أحمد يا ابني.. روح صالح أمك، وبوس رأسها، ومراتها تروح تعتذر لها.. البيوت مش بتمشي بالعناد يا ابني، وأمك برضه ليها حق عليك.
أحمد قفل السكة من غير ما يرد. الموبايل وقع من إيده على السجادة.
بصيت له وأنا حاسة بنار بتاكل في صدري. اعتذر؟ اعتذر لمين؟ للست اللي سرقت أكله وسابت ابنه يشرب قهوة من المكنة؟ للست اللي جاية ببلطجة تاخد عربيتنا اللي دافعين تمنها من دم قرشنا؟ للست اللي رايحة تتبلى عليا وتقول سحبت سكينة عشان تقطع عيش جوزي وتلوي دراعه؟
قلت لأحمد وصوتي كله عزم:
أحمد.. إنت مش هتروح تعتذر لحد. وإسف الأسطى عبده ده خليه لنفسه. إحنا ما عملناش حاجة غلط! هما اللي جم لحد باب بيتنا وعاوزين يسرقونا، ودلوقتي بيتبلوا علينا عشان يكسروا مناخيرنا ونروح نحب على إيديهم ونديهم العربية ورقبتنا معاها!
أحمد بص لي وعينيه مليانة تشتت وضياع. قال لي:
والشغل يا هبة؟ الورشة لو شغل الشركات ده اتسحب منها، مش هعرف أصفي إيجارها. الصبيان اللي شغالين معايا بيوتهم مفتوحة من المكان ده، هقول لهم إيه بكرة؟ هقول لهم أمي قفلت لي الورشة عشان ما رضيتش أدّي العربية لكريم؟ الناس في السوق هتقول عليا إيه لما يسمعوا إني رفعت الموبايل على أمي وكنت هطلب لها البوليس؟ السمعة في السوق دي هي رأس مالي يا هبة!
قربت منه وقعدت على ركبي قدامه، ومسكت إيديه الاتنين وقلتله:
سمعتك إحنا هنرجعها يا أحمد، والناس اللي صدقوا كدب أمك وكريم من غير ما يسمعوا منك، دول ما يستاهلوش تشتغل معاهم. السوق مليان، وإنت أسطى وإيدك تتلف في حرير، وكل الناس عارفة إن أحمد ميكانيكي أمانة وشاطر. لو الورشة دي قفلت، نفتح غيرها في مكان تاني.. بس لو كرامتنا اتكسرت الليلة دي، مش هنعرف نرفع رأسنا تاني أبداً.
أحمد سكت، وفضل يبص في الفراغ.. كان باين إنه بيمر بأصعب لحظة في حياته. الصراع بين أمه اللي ربته وبين مراته وحياته وكرامته.
وفجأة.. تليفونه رن تاني. بس المرة دي ما كانش الأسطى عبده، ولا كان حد من الزباين.
الرقم كان غريب.
أحمد رد وفتح الاسبيكر وكأنه بقى عاوزني أسمع معاه كل حاجة بتحصل عشان ما يبقاش في أسرار بيننا.
صوت راجل غريب، خشن وطريقته في الكلام تدل إنه من بتوع الشارع والبلطجة، قال:
مساء الخير يا أسطى أحمد.. معاك المعلم دكش.
أحمد عقد حواجبه وقال: أهلاً يا معلم دكش.. خير؟ مين حضرتك وعاوز إيه؟
الراجل ضحك ضحكة مقززة وقاله:
أنا جير برضه من طرف الحاجة فوزية وكريم أخوك.. الحاجة فوزية وكلتني إن أنا اللي أستلم نصيب العيلة في العربية الرمادي النص نقل اللي واقفة تحت بيت مرتك. كريم قالي إن العربية دي بتاعة العيلة، وإنتو مستهبلين وكاتبينها باسم المدام. فإحنا جايين بكرة الصبح ناكل لقمة في الورشة عندك، وناخد المفتاح والورق بالود.. عشان مش حابب إن المعاملة تتقلب لزعل، وإنت راجل صنايعي وعارف إن الزعل في السوق وحش ومبيجبش همّه.
جسمي كله سقع. الموضوع ما بقاش مجرد كلام وتهديد بقطع عيش.. الحاجة فوزية راحت جابت بلطجي من بتوع السوق عشان ييجي يثبت أحمد في ورشته وياخد العربية عافية!
أحمد وشه احمر وعروق رقبتة ظهرت بشكل يخوف، وقف بكل طوله وزعق في الموبايل بأعلى صوته:
اسمع يلا! إنت مين ولا تطلع مين عشان تهددني في ورشتي ولا تجيب سيرة عربيتي؟ العربية دي بتاعتي وبتاعت مراتي، ولو راجل إنت ولا عشرة من عيناتك تقربوا من الورشة أو تلمسوا العربية! أنا هفرج عليك حتة السيدة عائشة كلها، وأقسم بالله اللي هيقرب من شرفي وعيشتي لأكون دافنه مكانه! ائفل يلا!
وراح رامي الموبايل في الحيطة، الموبايل اتكسر ميت حتة.
أحمد كان بيتنفس بسرعة، صدره بيعلو ويهبط من كتر الغضب. شفت في عينيه اللحظة دي حاجة اتقفلت تماماً.. الحتة اللي كانت باقية من صلة الرحم والخوف من زعل أمه، اتمست وتحولت لكتلة من الغل والقهر والرفض.
بص لي وقال بنبرة حاسمة زي السيف:
جهزي نفسك يا هبة.. بكرة الصبح من النجمة هنكون في الورشة.
قلتله وعينيا واسعة من المفاجأة: هنعمل إيه يا أحمد؟
قال لي وهو بيتحرك ناحية الدولاب عشان يغير هدومه:
هنقلب التربيزة على الكل.. اللي فاكر إن أحمد لقمة طرية وممكن يتاكل عشان خاطر “أخوه الحساس” يبقى غلطان. بكرة السوق كله هيعرف الحقيقة، والمعلم دكش ده لو جه.. هيرجع لأمي وكريم وهو شايل خيبته على قفاه.
في اللحظة دي، عرفت إن أحمد الميكانيكي الشقيان الصابر مات، وإن في راجل تاني خالص تولد من وسط القهر.. راجل مش هيسمح لحد ياكل لقمته تاني.
بس السؤال اللي كان بيدور في دماغي وأنا باصة لكسر الموبايل على الأرض.. الحاجة فوزية هتعمل إيه لما تلاقي إن خطة البلطجة وفشلت؟ وإيه السر اللي كانت مخبياه ورا جملتها المرعبة: “إنتِ فاكرة إن الموضوع موضوع عربية يا هبة؟”
الدم برد في عروقي وأنا بفتكر نبرة صوتها.. كان في مصيبة تانية بتتحضر في الكواليس، مصيبة أكبر بكتير من العربية ومن الورشة.
🔥 يتبع…
