مساج للعضم ج 2 حكايات زهرة الربيع

أحمد فتح الباب براحة، وشه البشوش وحنيته المصطنعة اللي عشت عليها سبع سنين كانت ظاهرة في ابتسامته: “أنتي هنا يا نورا؟ قلقتيني عليكي يا حبيبتي، نزلتي بدري من غير ما تقوليلي…”
الكلام وقف في زوره أول ما شاف منظري.. كنت واقفة وسط الأوضة، ضهري مسنود على الدولاب المفتوح، الدفتر الصغير والورق مرميين تحت رجلي، وإيديا بتترعش بس عيني كانت بتطلع شرار. نظرة عينه اتقلبت في ثانية من الحنان المفرط للرعب المفاجئ.. بص للورق اللي في الأرض، وبعدين بص لوشي، وبلع ريقه وصوته اتهز:
“نورا.. أنتي.. أنتي بتعملي إيه هنا؟ وإيه اللي مبهدل الأوضة كده؟”
“بتسألني بعمل إيه؟” صوتي طلع مخنوق، صرخة مكتومة طالعة من قهر سبع سنين: “أنا اللي بسألك يا دكتور العظام العبقري! يا جوزي الحنين! يا اللي كنت فاكراك ملاك نازل من السما! كنت بتعمل فيا إيه كل يوم جمعة؟ ها؟ قولي.. كنت بتعمل إيه في جسمي؟!”
أحمد حاول يرجع لقناع البرود والحنان، قرب مني خطوة وفرد إيديه كأنه بيهديني: “نورا يا حبيبتي، اهدي بس، أنتي شكل أعصابك تعبانة.. تعالي نطلع برة الأوضة دي وأنا هفهمك…”
“ماتلمسنيش!” صرخت فيه بأعلى صوت عندي لدرجة إن حبالي الصوتية وجعتني: “إياك إيدك القذرة دي تلمسني تاني! أنا عرفت كل حاجة.. عرفت “جلسة العضم” اللي كنت بتعملهالي كل أسبوع بانتظام.. عرفت صوت التكة اللي كنت بفرح بيه وأنا غبية وفاكراه راحة.. عرفت الخلع والارتخاء وتشويه الرحم اللي عملتهولي بإيديك.. أنا لسه جاية من عند مروة صاحبتي وعملت أشعة، وعرفت إنك كنت بتبوظلي حوضي عشان ماخلفش!”
وش أحمد اتقلب تماماً.. القناع الحنين وقع وظهر وشه الحقيقي.. وش بارد، عينه ضيقت، ومبقاش فيه أثر للخوف، حل مكانه نظرة لؤم وخبث عمري ما شفتها فيه: “مروة؟ وأنتي إيه اللي وداكي لمروة؟ ومن امتى وأنتي بتشككي فيا يا نورا؟ أنا جوزك اللي صنتك وسيد الرجالة معاكي.. هعمل فيكي كده ليه يعني؟”
“عشان دي!” وطيت أخدت الدفتر من الأرض ورميته في وشه بكل قوتي: “عشان أمك الحرباية خططت وأنت نفذت! عشان خايفين أحمل وأموت زي أخوك! عشان حوضي ضيق ومش عاجب الحاجة أم أحمد! قريت كلام أمك بخط إيدها.. قريت المؤامرة الوسخة اللي عيشتوني فيها سبع سنين.. كنت بتاخدني في حضنك وتواسيني وأنا بعيط على العيال، وأنت الصبح بتدعي الحنية وبالليل بتموت فيا حتة حتة!”
أحمد بص للدفتر اللي وقع في الأرض، ومسح على وشه بنفاد صبر.. وفجأة، ضحك.. ضحكة باردة مستفزة، خلت شعر جسمي يقف: “ماشي يا نورا.. مادام قريتي وعرفتي، يبقى ملوش لزمة اللف والدوران.. بس متظلمنيش.. أنا عملت كده عشان بحبك!”
“تحبني؟!” قولت الكلمة وأنا حاسة بمرار في بوقي: “تدمر صحتي وتحرمني من الأمومة وتقلب رحمي وتقرب تشلني وتقولي بتحبني؟!”
“آه بحبك!” زعق فيا وهو بيقرب ويشاور بصباعه في وشي: “أمي لما قالتلي إنك ممكن تموتي لو حملتي، أنا اتهزيت.. أنا شوفت أبويا وهو بيموت من الكسرة لما أخويا مات في بطن أمي وكان هيموتها معاها.. أمي قالتلي إن ده الحل الوحيد عشان نضمن إنك متحميش وفي نفس الوقت متسيبنيش.. أنا مكنتش عايز أطلقك.. وقولت لنفسي إيه يعني عيال؟ ما إحنا عايشين ومبسوطين! الجلسة دي مكنتش بتوجعك، وأنا كنت بعملها بالملي عشان متتأذيش جامد.. يعني أنا كنت بحميكي من نفسك!”
“أنت مريض.. أنت وأمك مرضى ونرجسيين!” دموعي نزلت بغزارة من الصدمة: “بتحميني؟ أنت دمرتني! الدكتور بيقولي حوضك مشوه وممكن بعد كام سنة متقدريش تمشي على رجليكي! أنت سرقت عمري وصحتي وحلمي.. أنت مش بني آدم، أنت شيطان!”
في اللحظة دي، الباب الخارجي للشقة اتفتح، وسمعنا صوت خطوات سريعة داخلة علينا.. كانت حماتي، “الحاجة أم أحمد”.. دخلت الأوضة ووشها باين عليه إنها كانت سامعة الزعيق من شقتها.. بصت عليا وبصت للدفتر المرمي، وفهمت كل حاجة في ثانية..
بدل ما تتكسف أو تخاف، حطت إيدها في وسطها وبصتلي بنظرة كلها جبروت وقوة: “جرى إيه يا بت يا نورا؟ صوتك جايب لآخر الشارع ليه وسامعاكي بتغلطي في ابني وفيَّا؟”
“تعالي يا حاجة.. تعالي شوفي خطتك العبقرية!” صرخت فيها وأنا بجري عليها: “يا مؤمنة! يا بتاعة ربنا وشوربة الكوارع اللي بترُم العضم! كنتي بتبعتي ابنك يكسر فيا كل جمعة عشان حوضي مش عاجب جنابك؟ دمرتوني.. حسبي الله ونعم الوكيل فيكوا.. ربنا ينتقم منكوا!”
حماتي قربت مني بكل برود وزقتني في كتفي: “أنا عملت كده عشان أحمي ابني وسلالته! ابني من حقه يشوف حتة عيل يشيل اسمه.. وأنتي من يوم ما دخلتي بيتي وأنا عارفة إن عضمك ناشف وفيكي عيب ومش هتعمري.. أحمد كان متمسك بيكي وبيبكي بدل الدموع دم لما قولتله نطلقها ونشوف غيرها.. قولتله خلاص، الخلفة من البت دي خطر، نعمل الحركة دي لحد ما السنين تعدي وتبرد نار حبها في قلبه، وهو بنفسه يطلب يتجوز.. وإحنا منقصناش منك حاجة! واكلين شاربين قايمين بيكي، وابني مدلعك.. جاية دلوقتي تعمليلنا فيها ضحية؟”
الكلام كان بيطعن في قلبي زي السكاكين.. السبع سنين كلهم كانوا مسرحية.. الدلع، الحب، السفر، الهدايا، الخوف عليا.. كله كان تمن السكوت وتمن الجريمة اللي بتحصل في جسمي.. بصيت لأحمد لقيت واقف ورا أمه، وشه مفيش فيه أي ندم، كأنه مقتنع تماماً إن اللي عملوه ده صح وشرعي.
“أنا مش هقعد في البيت ده ثانية واحدة” قولت الكلمة وأنا بتحرك ناحية الباب: “أنا هوديكوا في داهية.. هرفع قضية بالتقرير الطبي والأشعة اللي معايا وهحبسكم.. هخرب بيتكم زي ما خربتوا حياتي.”
أحمد جري عليا ومسك إيدي بعنف ولواها ورا ضهري: “تروحي فين يا روح أمك؟ تشتكينا؟ أنتي اتجننتي بجد؟ الأشعة دي بليها واشربي ميتها.. مين هيصدق إن مساج بيتعمل من سبع سنين هو السبب؟ هتقولي للقاضي إيه؟ جوزي كان بيطقطقلي ضهري فبوظلي رحمي؟ هيقولوا عليكي مجنونة وبتتبلي علينا عشان مب تخلفيش!”
حاولت أفك إيدي منه وأنا بصوت: “سيبني يا أحمد.. سيبني بقولك!”
حماتي ضحكت بشر وشماتة: “سيبها يا أحمد.. سيبها تخرج بالهدوم اللي عليها دي.. بس افتكري يا نورا.. لو رجلك خطت برة الباب ده، لا ليكي حق ولا باطل عندنا.. والتقرير بتاعك ده ميسواش بصلة.. ومحدش هيصدقك.. ده أنتي أهلك نفسهم هيقولوا عليكي اتهبلتي من كتر ما نفسك في عيل!”
كلامها كان حقيقي ومرعب.. مين هيصدق؟ السبع سنين مكنش فيهم أي أثر لضرب أو إهانة.. الكل عارف إن أحمد هو الزوج المثالي اللي مفيش منه اتنين.. أهلي نفسهم دايماً بيقولولي “بوسي إيدك وش وضهر إن ربنا رزقك بأحمد”.. لو روحت وقولتلهم أحمد كان بيعملي مساج يبوظ الرحم، هيفتكروني اتجننت من تأخر الحمل وضغط الدكاترة..
أحمد ساب إيدي بالراحة لما لقاني هديت واستسلمت.. بصلي بنظرة انتصار وثقة: “نورا.. فكري بعقل.. أنتي مالكيش غيري.. أنا بحبك وعمري ما هسيبك.. اقبلي بالواقع.. العيال مش كل حاجة.. إحنا نعيش مع بعض زي ما إحنا، وأنا هعوضك عن أي حاجة.. بلاش تخربي بيتك بإيديكي عشان أوهام في دماغ صاحبتك مروة.”
بصيت لوشوشهم.. الوشوش اللي عشت معاها سبع سنين وكنت بأمنلهم أكتر من نفسي.. حسيت بقرف واشمئزاز ملوش أول من آخر.. الخوف اللي كان جوايا اتمحى، وحل مكانه رغبة عارمة في الانتقام.. رغبة إني أهد المعبد ده على دماغهم، بس بالذكاء.. مش بالصوت الحياني والفضايح اللي هتضيع حقي.
أخدت نفس طويل.. وحاولت أجمع شتات نفسي.. مسحت دموعي بكم الجاكيت.. وبصيت في الأرض كأني بفكّر وكأن كلامهم كسرني وهدني..
حماتي بصت لأحمد وهزت راسها برضا، كأنها بتقوله “البنت اتكسرت وخافت”..
“أنا عايزة أقعد لوحدي..” قولت الكلمة بصوت واطي ومكسور، باين فيه قلة الحيلة: “سيبوني دلوقتي.. أنا مش قادرة أستوعب كل ده.. عايزة أنام.”
أحمد قرب مني وحاول يحط إيده على كتفي: “حقك يا حبيبتي.. استهدي بالله كده وكل حاجة هتتصلح.. أنا هسيبك ترتاحي.”
حماتي أخدت الدفتر والورق من الأرض، وبصتلي ب تحذير: “الورق ده هيفضل معايا.. وعيادة صاحبتك دي مت عتبيهاش تاني.. يلا يا أحمد سيبها تفوق لنفسها.”
خرجوا هما الاتنين وقفلوا باب الأوضة وراهم.. أول ما الباب اتقفل، ملامح وشي المكسورة اختفت تماماً.. قمت وقفت وجسمي كله مشدود زي الوتر.. روحت ناحية التسريحة، مسكت موبايلي، وفتحت الواتساب.. وبعت رسالة لمروة:
“مروة.. كلامك صح.. الموضوع أكبر من مجرد مرض.. دي مؤامرة.. أنا محتاجة مساعدتك.. قوليلي للتقرير الطبي والأشعة يقدروا يثبتوا الجناية دي لو فيه دكتور شرعي؟ وبسرعة يا مروة عشان هما فاكرين إني اتكسرت.”
قعدت على السرير وعيني على الباب.. عقلي كان شغال زي خطة حرب.. مش هسيب حقي.. السبع سنين دول هيدفعوا تمنهم غالي أوي.. بس الخطوة الجاية لازم تكون مدروسة بالملي.. وفجأة سمعت صوت أحمد برة وهو بيتكلم في التليفون بصوت واطي ومريب.. قمت براحة وقربت من الباب عشان أسمع بيقول إيه..
