عمري ما وثقت فيها ج 1 حكايات روماني مكرم
وعشان كده بالذات.. مكنتش عايز مخلوق يعرف طريق الفلوس دي.. ولا حتى أسماء.
أسماء مكنتش تعرف حجم الفلوس اللي أنا مخبيها، كل اللي كانت تعرفه إني راجل “ناشف” وحريص زيادة عن اللزوم. بس مع مرور الأيام، بدأت تحس بحاجة أنا كنت برفض أعترف بيها.. المسافة.. الشك.. السد الخفي اللي كان بيعلى بيننا يوم ورا يوم.
#حكايات_رومانى_مكرم
وفي ليلة، بعد خناقة تافهة أوي بيننا، أسماء بصت لي وقالت لي جملة.. لسه فاكرها لحد النهاردة بكل تفاصيلها.. بنبرة صوتها، بنظرة عينها.. جملة واحدة بس.
في اللحظة دي أنا مديتش لكلامها أي اهتمام ولا ركزت فيه.. بس بعد فترة مش كبيرة، لما حياتي اتقلبت شقلباظ، عرفت إنها كانت شايفه اللي أنا عميت عنه طول السنين دي كلها.
ولما عرفت الحقيقة في الآخر.. اتمنيت لو كنت سمعت كلامها قبل فوات الأوان.
أسماء مكنتش من الستات اللي بتزعق أو تكسر الدنيا لما تزعل. كانت بتنسحب في هدوء، تروح تقعد في البلكونة وسط الزرع بتاعها، وتمسك الدفتر الصغير وتقعد تكتب.. كأنها بتهرب من واقعها للسطور المنظمة دي.
في الليلة دي، بعد ما الخناقة التافهة خلصت، وقفت في الصالة وبصت لي بنظرة فيها كمية حزن وخذلان عمري ما شفتها في عينيها قبل كده. وقالت لي بالراحة، وبصوت واطي بس هزني من جوايا:
> “أنا مش زعلانة عشان الفلوس يا أحمد، ولا عشان الشقة الإيجار اللي هنعجز فيها.. أنا زعلانة عشان أنا عايشة مع راجل باصص لي طول الوقت على إني حرامية مستنية الفرصة عشان تسرقه.. الشك اللي في عينك بيموتني كل يوم، وبكرة هتعرف إنك ضيعت عمرك بتتحامى في سور من رمل.”
>
سابتني ودخلت الأوضة، وأنا وقفت مكاني ثواني، كلامها ضايقني ونرفزني، بس كالعادة، الشيطان شاطر.. الصوت القديم اللي جوايا صحي وقال لي: *”سيبك منها، ده كلام ستات عشان تكسر مقاديفك وتخليك تحن وتدلها على مكان القرشين”*.. نفضت راسي من كلامها، ونمت وأنا مقتنع إن بكرة تصالحني والدنيا تمشي.
مرت الأيام، وفجأة جالي عقد عمل برة مصر.. سفرية سريعة لمدة سنة ونص في بلد عربي، بمرتب خيالي مكنتش أحلم بيه. أسماء وافقت وشجعتني رغم إنها كانت هتقعد لوحدها، وقالت لي: “سافر يا أحمد، يمكن السفر يغير حالنا.. ويغير اللي جواك.”
سافرت، وهناك الطحن كان أكتر.. المرتب بقى ينزل، أبعت لأسماء مصاريفها ومصاريف البيت في القاهرة بالمليم، والباقي كله—الكتلة الكبيرة—كنت بحولها دولار، وأبعتها عل طول على طنطا.. لأمي.
تليفوناتي مع أمي كانت هي الحاجة الوحيدة اللي بتطمني:
* “وصلوا يا أمي؟”
* “وصلوا يا قلب أمك ودخلوا الحفظ والصون.. متقلقش، شقا عمرك في أيد أمينة، محدش يعرف عنهم الهوا، وأنا شايلاهم لك في مكان ملوش عيون.. انشف كده واجمع عشان ترجع وتعمل اللي نفسك فيه.”
كلام أمي كان بيدي لقلبي الأمان اللي مفتقده في الغربة. وفي نفس الوقت، تليفوناتي مع أسماء كانت بتجف يوم عن يوم. الكلام بقى رسمي.. “عامل إيه؟” “الحمد لله”، “عايزة حاجة؟” “سلامتك”.. لحد ما السنة ونص خلصوا.
