عمري ما وثقت فيها ج 1 حكايات روماني مكرم
كنا بنطحن في الشغل إحنا الاتنين.. وفي كل شهر، كانت تطلع دفتر صغير كدة، وتقعد تسجل فيه مصاريفنا بالقرش: الإيجار، النور، الميه، الغاز، الأكل، المواصلات، وأي فواتير تانية مستنيانا. كانت منظمة جداً.. لدرجة كانت بتخنقني ساعات بصراحة.
في ليلة من الليالي، وإحنا بنتعشى، قالت لي أسماء بهدوء:
“بقولك إيه يا أحمد.. ما تيجي نفتح حساب توفير مشترك في البنك؟”
رفعت عيني وبصيت لها وقلت: “وليه يعني؟”
قالت ببساطة: “عشان مصلحتنا ومستقبلنا.”
كانت بتتكلم بهدوءها المعتاد، وكأنها بتطلب طلب طبيعي جداً، وكملت: “لو فضلنا نحوش بانتظام، يمكن بعد كام سنة نعرف نشتري شقة تمليك.. مش لازم تكون في مكان واو، بس شقة ملكنا ونرتاح من الإيجار وجع الدماغ.”
الفكرة كانت حلوة.. بل حلوة جداً ومنطقية. بس فيه حتة جوايا اتنفضت فجأة وخافت، فقلت لها ببرود: “نشوف الموضوع ده بعدين.. يسهلها ربنا.”
أسماء مألّحتش في الكلام، دي كانت طبيعتها، مبتحبش تضغط على حد. بس بعد كام أسبوع، فتحت السيرة تاني وقالت لي: “إنت قدرت تحوش كام الفترة اللي فاتت؟”
أخدت بؤ شاي وقبل ما أرد قلت لها: “قرشين على قد الحال.”
ابتسمت وقالت: “طيب ما نضم تحويشتنا على بعض، أنا معايا قرشين شايلاهم، وإنت معاك مبلغ، وساعتها هنبقى عارفين بالظبط فاضل لنا قد إيه عشان نشتري الشقة ونبقى على نور.. التخطيط بيبقى أسهل لما نكون عارفين راسنا من رجلينا في الفلوس.”
كلامها كان عين العقل، ومنطقي لدرجة إنها نرفزتني! لإن أنا كنت عارف حقيقة هي مكنتش تعرفها.. إن معظم تحويشة عمري مكنتش معايا أصلاً ولا في البنك هنا.
قلت لها بزهق: “قلنا بعدين يا أسماء، مش وقته.”
هزت راسها بسكوت، ومفتحتش بؤها بقية الليلة.
لكن من اليوم ده، فيه حاجة بدأت تتغير ما بيننا. مش بسبب اللي هي قالته، بس بسبب اللي أنا كنت مخبيه عنها.
كان فيه سر واحد هي متعرفوش.. أنا كل شهر أول ما المرتب ينزل في حسابي، كنت بقص منه حتة محترمة، وأقوم بعتها عل طول لأمي في طنطا.
في الأول كانت مبالغ صغيرة، وبعدين بدأت تكبر مع الوقت.. لحد ما الموضوع بقى عادة وثابت من ثوابت حياتي. طقس ميفوتش شهر من غير ما أعمله.. أقبض، أدفع الفواتير الأساسية، وأبعت الباقي لأمي.
وفي كل مرة، كانت تبعتلي رسالة قصيرة على الموبايل تقول فيها: “اطمن يا قلب أمك.. فلوسك في حرز وأمان.”
ساعتها بس كنت بحس براحة غريبة، وأحط راسي على المخدة وأنام مالي عيني.
مرت السنين.. والمبالغ بدأت تكبر وتزيد. اللي بدأ كتحويشة على قد الحال، بقى مبلغ ضخم عمري ما تخيلت في يوم إني همسكه في إيدي. بعد أكتر من عشر سنين طحن وشغل متواصل، مدخراتي وصلت لحوالي 300 ألف دولار (كنت بحولهم أول بأول لعملة صعبة وشايلهم مع أمي).
مبلغ يشتري أحسن شقة، أو يفتح مشروع كبير، أو يخليني أبدأ من جديد لو الدنيا اتهدت في أي وقت وخسرت كل حاجة.
