بعـد شهـر من جـوازي ج 2 حكايات مني السيد

الصبح طلع، بس كان طالع بمرارة في حلقي. ليلة كاملة قض..يتها صاحية، مابين الرعب من اللي سمعته في التليفون، والشك اللي بينهش في قلبي تجاه أحمد. جهزت نفسي بدري، لبست عباية سودة واسعة وطرحة غامقة، وحطيت في شنطتي “ورقة الإيصال” اللي كانت الدليل الوحيد اللي بيمسك طرف الخيط.
نزلت من البيت بخطوات سريعة، قلبي بيدق في صدري زي طبلة بلدي في ليلة فرح. الشارع في الوقت ده كان لسه بيصحصح، وعربيات النقل الكبيرة بتبدأ تدخل المنطقة. ركبت ميكروباص رايح “كفر الزيات”، وطول الطريق وعيني مش بتفارق الشباك، براجع كل كلمة، وكل نظرة من أحمد، ومن أمه، ومن أبوه. ليه؟ ليه يعملوا فيا كده؟ كنت فاكرة الجواز أمان، طلع مجرد “فخ” نصبتوه ليا عشان يبيعوا حياتي!
وصلت للسوق القديم، المكان كان كئيب، روايح بضايع قديمة ممزوجة بريحة تراب وسخام. المخزن اللي الست قالت عليه كان في آخر حتة في السوق، مكان مهجور ومقفول بقفل صدّي، بس شباكه مكسور. وقفت بعيد، براقب.. لقيت ست واقفة في الركن الضلمة، وشها متغطي بشال تقيل. قربت منها وأنا ببلع ريقي بصعوبة.
ـ أنتي اللي كلمتيني؟
الست بصت حواليها بخوف، وبعدين شديتني لجوه الممر الضيق اللي ورا المخزن:
ـ وطّي صوتك يا بنتي.. أحمد لو عرف إني كلمتك، مش هيحصل طيب.
قلبي وقع بين رجلي:
ـ أنتي تعرفي أحمد؟ إنتي مين أصلاً؟
اتنهدت بوجع، وبانت في عينيها نظرة قهر عرفتها كويس.. نظرة واحدة مجروحة زيي:
ـ أنا مرات أبوه.. اللي طردها ورمى دهبها، وخد كل حاجة تملكها عشان يكمل “سهراته” وصفقاته المشبوهة مع “الناس الكبار”.
جسمي كله اترعش:
ـ صفقة إيه؟ دهبي اتباع ليه؟ وفين الباقي؟
الست بدأت تحكي، وصوتها بيتقطع:
ـ أحمد مش بس باع دهبك يا سلمى.. ده أحمد شغال في “تزوير عقود”. شقة جوازكم، والمحل اللي كان بيقول إنه فاتحه، وحتى الورقة اللي لقيتيها.. دي مش إيصال بيع دهب، دي “بيعة” لورق أرض أو ملكية لحاجة مش بتاعته. هو بيستخدم اسمك، ووشك البريء ده، عشان يغطي على بلاويه. هو بيحط في حسابك مبالغ كبيرة عشان يغسل الفلوس دي، وبعدين يسحبها تاني.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا. يعني أنا مجرد “واجهة”؟ يعني جوازي منه كان عشان أكون “ستارة” لجرائمه؟
ـ لا.. أكيد بتهزري. أحمد بيحبني.. أحمد كان بيبص لي بحب..
ضحكت الست بسخرية ممزوجة بدموع:
ـ الحب عند أحمد هو “مصلحة”. هو ما يعرفش غير الفلوس، والسيطرة. بصي في موبايلك يا سلمى.. بصي على حساب البنك اللي فتحلك إياه باسمك من غير ما تحسي.. هتلاقي مبالغ بتدخل وتخرج، إنتي فاكراها فلوسه، وهي في الحقيقة “دم” و”نصب”.
طلعت الموبايل إيدي بترجف، فتحت التطبيق بتاع البنك. الصدمة كانت أقوى من أي كلام.. أرقام فلكية! مبالغ بتدخل بأسماء شركات غريبة، وبتخرج في نفس اليوم. أنا كنت “غسالة” أموال من غير ما أعرف!
ـ أنا لازم أروح القسم.. لازم أبلغ!
مسكت إيدي بقوة:
ـ لو روحتي القسم، هيقت..لوكي قبل ما توصلي. أحمد وراه ناس تقيلة، ناس بتشتري ذمم ورجالة. الحل إننا نوقعهم في شر أعمالهم. لازم نثبت إنهم بيزوروا، لازم نلاقي “الدفتر الأسود” اللي بيسجلوا فيه كل الأسماء والصفقات. الدفتر ده موجود في البيت، في الخزنة اللي ورا اللوحة اللي في الصالون.
سرحت بفكري للحظة.. اللوحة الكبيرة اللي في الصالون، اللي كنت دايماً بقوله نشيلها، وكان بيزعقلي وبيرفض بكل شراسة. كان خايف عليها، خايف على الدفتر.
ـ طب إزاي هعرف أفتحه؟
ـ الخزنة دي ليها كود.. جربي تاريخ ميلاد أمه، أو تاريخ جوازكم. هو بيحب الأرقام اللي بيحفظها بسهولة.
فجأة، سمعنا صوت عربية بتقرب.. عربية أحمد! الست وشها اتخطف:
ـ لازم أمشي.. أوعي يعرف إننا اتقابلنا. خليكي قوية يا سلمى، إنتي مش لوحدك.
اختفت الست في الزحمة، وأنا وقفت مكاني مش عارفة أعمل إيه. أرجع البيت؟ أواجهه؟ ولا أهرب؟ بس الهرب مش حل.. لازم أخد حقي، لازم أنتقم لنفسي ولعمري اللي ضاع في شهر.
قررت أرجع البيت، لازم أمثل الدور.. لازم أكون “الزوجة المطيعة” اللي مش فاهمة حاجة، لحد ما أوصل للدفتر. ركبت الميكروباص وأنا بحس إني داخلة عرين الأسد.
وصلت البيت، لقيت أحمد قاعد في الصالون، بيشرب قهوته وبيلعب في الموبايل. لما شافني، اتعدل وبص لي بنظرة فاحصة:
ـ كنتي فين يا سلمى؟
قلبي دق جامد، بس حاولت أتماسك:
ـ كنت.. كنت بتمشى شوية، محتاجة أفك عن نفسي بعد اللي حصل امبارح.
قرب مني، مسك وشي بإيده، صوابعه كانت باردة بشكل مرعب:
ـ وفوقتي؟ ولا لسه عايزة “تطالبي بحقك”؟
ابتسمت بضعف وأنا بداري خوفي:
ـ أنا اتعلمت الدرس يا أحمد. الفلوس بتروح وتيجي، المهم إنت تكون بخير.
ضحك بصوت عالي، ضحكة خالية من أي دفا:
ـ برافو.. شاطرة. هي دي الزوجة اللي أنا اخترتها. ادخلي غيري هدومك، عندي ضيوف مهمين بالليل، وعايزك تكوني بأحسن صورة.
دخلت الأوضة، قفلت الباب وانهارت على الأرض. أنا بتمثل؟ أنا بمسرحية؟ في لحظة لمحت اللوحة في الصالون من خلال فتحة الباب.. الخزنة وراها.. الدفتر الأسود.. الحقيقة.
بدأت أجهز نفسي، مش عشان الضيوف، لكن عشان “المعركة”. دخلت الحمام، بصيت في المراية، مسحت دموعي، وحطيت “الروج” الأحمر اللي كان بيخلي ملامحي تبان قوية. هخرج وأضحك، وهعمل القهوة، وهسمع كلامه، بس في جوة عقلي خطة، خطة هتخلي أحمد وأهله يدفعوا التمن غالي قوي.
الليل بدأ يدخل، وصوت العربية وقفت قدام البيت تاني. أصوات رجالة كتير، ضحكات عالية، وأحمد بيتكلم بصوت واثق. خرجت من الأوضة، كنت لابسة فستان شيك، وابتسامة مصطنعة مرسومة على وشي.
ـ يا أهلاً بيكوا.. نورتوا البيت.
الرجالة بصوا لي بإعجاب، بس في نظراتهم كانت نظرات “شراء وبيع”. أحمد كان بيراقبني، عينه مش بتفارقني، كأنه بيراقب “بضاعة” بيعرضها.
طول السهرة، كنت بصب القهوة، وبسمع حكاياتهم عن “السمسرة” و”الأراضي” و”التسهيلات”. كنت بحفظ الأسماء، وبحاول ألمح أي حاجة عن “الصفقة الكبيرة” اللي بيتكلموا عنها.
في وسط القعدة، أحمد قام دخل الحمام، وترك الموبايل على الترابيزة. قلبي كان هيخرج من مكانه. ده فرصتي! قربت من الترابيزة، وبحجة إني بغير فناجين القهوة، فتحت الموبايل.. كان مقفول بـ “بصمة الوش”.. قفلت الموبايل بسرعة قبل ما حد يلاحظ.
لازم أفتح الخزنة.. لازم النهاردة.
السهرة خلصت، والضيوف مشيوا، وأحمد كان سكران، دخل أوضته ونام علطول. البيت ساد فيه الهدوء، الهدوء اللي بيسبق العاصفة. طلعت بالراحة، مشيت على طراطيف صوابعي، وقفت قدام اللوحة. شلتها ببطء.. الخزنة ظهرت قدامي.
حطيت إيدي على الزراير.. جربت تاريخ ميلاد أمه.. غلط. جربت تاريخ جوازنا.. غلط. وقفت ببدأ أفتكر.. أحمد دايماً كان بيقول “الرقم اللي مش هنساه هو رقم حظي”.. افتكرت! رقم قميص كان بيحبه، ورقم موبايله القديم.. دخلت الرقم..
ـ تك!
الخزنة اتفتحت!
قلبي كان هيقف من الفرحة والرعب. فتحتها.. لقيت الدفتر الأسود، وشوية ورق ومبالغ نقدية ضخمة. مسكت الدفتر، وفتحت أول صفحة.. أسماء، وتواريخ، ومبالغ.. وبجانب كل اسم كلمة “مُباع”.
أنا مش بس كنت “واجهة”، أنا كنت “ضحية” لنظام كامل. وفي نص الدفتر، لقيت صورة.. صورة ليا وأنا في فرحي، بس متقطعة، وعليها علامة “X” باللون الأحمر..
صدمة تانية نزلت عليا زي الصاعقة. دي مش مجرد تجارة.. دي كانت خطة عشان يخلصوا مني؟ كانوا عايزين يبيعوني؟
صوت باب الأوضة بيتفتح.. صوت رجل أحمد على الأرض..
ـ بتعملي إيه يا سلمى؟
التفتّ بسرعة.. أحمد كان واقف، عينيه حمرا، وبصته بقت وحش كاسر. وفي إيده.. كانت سكي..نة صغيرة!
ـ بتفتشي في حاجتي يا حبيبتي؟ ده إنتي طلعتي “فضولية” زيادة عن اللزوم!
وقفت قدامه، والدفتر في إيدي، وعيني مش بتترعش.. لأول مرة، حسيت بقوة غريبة، قوة مابتعرفش الخوف.. الوجع اتحول لغضب، والغضب اتحول لقرار.
ـ مش بس فضولية يا أحمد.. أنا طلعت “الشاهدة” اللي هتدخلك السجن، وتنهي الكابوس ده للأبد.
أحمد ضحك ضحكة مجنونة، وقرب مني خطوة:
ـ السجن؟ إنتي فاكرة إن حد هيصدقك؟ إنتي مجرد مرات “التاجر” اللي الكل بيعمله حساب.
رفعت الموبايل في إيدي، كنت مشغلة “التسجيل” من أول ما دخلت الصالة، وبدأ يظهر صوت “اعترافاته” مع ضيوفه اللي سجلته طول السهرة..
ـ التسجيل ده عند المحامي بتاعي، وعند ناس تانية.. لو حصلي حاجة، الحقيقة هتظهر، وكل اللي اتعاملت معاهم هيتحاسبوا.
أحمد وقف، ووشه اتغير تماماً.. الخوف بدأ يظهر في عينيه.. الصراع بدأ، ومين فينا هيطلع كسبان؟ الخوف ولا الحقيقة؟
السكي..نة اللي في إيده لمعت تحت نور الأباجورة، كانت باردة زي قلبه، بس أنا ما تراجعتش. وقفت صلبة، ماسكة الدفتر الأسود بإيد، والموبايل بالتسجيل بإيد تانية. أحمد كان بيبص لي وكأنه بيشوفني لأول مرة، مش “سلمى” الضعيفة اللي كانت بتعيط على دهبها، لأ.. كان بيشوف “خطر” بتهدد وجوده كله.
ـ سيبي اللي في إيدك ده يا سلمى.. اسمعي الكلام عشان ما تندميش.
صوته كان واطي، بس تقيل، فيه نبرة التهديد المعتادة اللي كان بيستخدمها عشان يكسرني. بس المرة دي، نبرته كان فيها “ارتعاشة” خوف. هو عارف إن الورق ده لو خرج بره البيت، حياته بلقب “رجل الأعمال” هتنتهي في ثانية، وهتبدأ حياته الحقيقية ورا القضبان.
ـ أندم على إيه يا أحمد؟ أنا مابقاش ورايا حاجة أخسرها. إنت سرقت عمري، سرقت ذكرياتي، وحاولت تبيعني “بضاعة” في سوق مشبوه. إنت فاكر إنك ممكن تخوفني بعد ما شفت الحقيقة؟
خطوة ناحية، وخطوة ناحية، لدرجة إني حطيت ضهري في الحيطة. حسيت ببرودة الحيطة في ضهري، بس حرارة الغضب كانت أقوى.
ـ أنتي مش فاهمة حاجة.. اللي بتلعبي فيه ده نار، والناس اللي معايا ما بتهزرش. لو عرفوا إنك سجلتي، مش بس أنا اللي هروح فيها، إنتي كمان هتدفعي التمن!
ضحكت بسخرية، ضحكة طالعة من أعماق وجعي:
ـ وأهو “أنا” اللي بتدفع التمن من يوم ما اتجوزتك! إنت مش خايف عليا، إنت خايف على “جلدك”.
فجأة، وبحركة سريعة زي البرق، هجم عليا عشان يخطف الموبايل. اتفاديت حركته بذكاء، وزقيت الترابيزة اللي في النص بينا، فوقعت باللي عليها وخلقت فاصل. أحمد اتعصب، وبدأ يكسر في العفش، البيت اللي كان بيلم “دفا” بقى ساحة حرب.
ـ هاتِ الموبايل ده يا سلمى! وإلا قسماً بالله ما هيحصل طيب!
ـ مش هتاخده يا أحمد.. مش هتاخده إلا لو جث..تي على الأرض!
في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط على باب الشقة.. خبط عنيف، مش خبط ضيوف. أحمد اتجمد في مكانه، وبص للباب برعب. الخبط زاد، وصوت عالي بره:
ـ افتح.. شرطة!
أحمد وشه بقى أبيض زي الورقة. بص لي بصدمة، كأني أنا اللي جبتهم. بصيت له بانتصار ممزوج بوجع:
ـ دي العدالة يا أحمد.. اللي كنت فاكر إنك اشتريتها، جت لحد عندك.
أحمد ساب السك…ينة، وبدأ يدور حوالين نفسه زي الفار المذعور، بيحاول يدور على مخرج، على ورقة يهرب بيها، بس خلاص، اللعبة خلصت.
فتحت الباب ببطء، لقيت ظباط ومعاهم… ست! الست اللي قابلتها في السوق!
الست دخلت وبصت لأحمد بقرف:
ـ كنت فاكر إنك هتعيش بفلوس الحرام للأبد؟ دي “خيانة” اللي أنت عملته فيا وفي سلمى، ودي كانت نهايتك.
أحمد حاول يتكلم، يبرر، بس مفيش كلام ينفع. الكلبشات اتقفلت على إيديه، وهو بيبص لي نظرة حقد ووعيد، بس أنا كنت باصة بعيد عنه خالص.. كنت باصة على الباب، وبحلم بلحظة الخروج من البيت ده للأبد.
الشرطة خدوه، وأخدوا الدفتر، وأخدوا الأوراق اللي في الخزنة. وقفت في الصالة الفاضية، البيت اللي كان بيجمعنا بقى عبارة عن خشب مكسور وذكريات محروقة.
قعدت على الأرض، والست مرات أبوه قربت مني، حطت إيدها على كتفي:
ـ خلصنا منه.. بس الحكاية لسه ما انتهتش يا سلمى. أحمد مجرد “واجهة” لناس أكبر منه بكتير.. الناس اللي كانوا بيحضروا السهرة، والناس اللي بيمولوا الصفقات. هما هيحاولوا يلموا الخيوط، وأنتي الشاهدة الوحيدة. لازم تختفي، لازم تبعدي.
هزيت راسي، وأنا حاسة بوجع في قلبي. الحقيقة كانت أصعب مما أتخيل.. إن المعركة لسه بتبدأ.
ـ هروح فين؟
ـ هتروحي مكان ما حدش يعرفه.. عندي شقة قديمة في إسكندرية، بعيد عن العيون. هناك هتقدري تجمعي نفسك، وتفكري في الخطوة الجاية.
جمعت هدومي في شنطة واحدة، شنطة فيها “نفسي” اللي حاولت ألملمها. قبل ما أخرج، بصيت على الحيطة.. مكان صورة الفرح اللي شيلتها. حسيت بدمعة أخيرة نزلت على خدي، مش عليه، ولا على الدهب.. دمعة على البنت اللي كانت تحلم ببيت، ولقيت نفسها في غابة.
ركبت عربية الست، واتحركنا بعيد عن المنطقة. الشوارع كانت بتمر قدامي زي شريط سينما. كنت بفتكر يوم فرحي، يوم ما لبست السلسلة، يوم ما كنت فاكرة إن الدنيا ضحكت لي.
وصلنا إسكندرية، شقة صغيرة بتبص على البحر. البحر.. الوحيد اللي بيسمع أوجاع الناس من غير ما يسأل “ليه”. قعدت في البلكونة، وشي في وش الريح، وبدأت أفتح “الدفتر” اللي الست ادتني نسخة منه قبل ما تمشي.
بدأت أقرأ الأسماء.. أسماء مشهورة، أسماء بنسمعها في الأخبار، أسماء ناس “بيحكموا” في الخفاء. أحمد كان مجرد حلقة في سلسلة، وأنا بقيت “الطرف” اللي كسر السلسلة دي.
في نص الليل، الموبايل رن.. رقم مجهول. رديت بتردد:
ـ ألو..
صوت راجل غليظ:
ـ الدفتر ده مش لعبتك يا سلمى.. لو عايزة تعيشي، وتنسي إنك شفتي اللي شفتيه، سلمي الدفتر ده لينا، وهنخليكي تعيشي ملكة.
ضحكت بقوة:
ـ ملكة؟ أنا كنت ملكة في بيتي، وإنتوا اللي سرقتوا التاج. مش هسكت.. كل اسم في الدفتر ده هيعرف إن سلمى، البنت اللي افتكرتوها ضعيفة، هي اللي هتحرق عروشكم.
قفل الخط، وأنا قفلت الموبايل، ورميته في البحر. خلاص، ما بقاش في مجال للرجوع. بدأت أكتب.. أكتب كل حاجة، كل تفصيلة، كل اسم، كل تاريخ. مش بس في الدفتر، لأ.. بدأت أكتب “مذكراتي”، مذكرات سلمى اللي قررت تواجه وحوش، مش عشان تنتقم، لكن عشان تمنع أي بنت تانية تقع في “الفخ” اللي وقعت فيه.
الصبح طلع، والبحـر كان هادي، بس في جوايا بركان بيغلي. مابقتش سلمى بتاعة قبل كدة، بقيت سلمى “الصوت”، الصوت اللي مش هيسكت لحد ما العدالة تاخد مجراها.
خرجت للشارع، اشتريت “كشكول” جديد، وقلم، وقعدت على القهوة. بدأت أكتب الفصل الأول من الحقيقة.. بس وأنا بكتب، حسيت بحد بيراقبني. حد بيراقب كل حركة، كل كلمة.
هل الحرب لسه بتبدأ؟ ولا أنا اللي بجر لنفسي النهاية؟
قمت من على القهوة، مشيت في الشوارع الضيقة، وعيني بتلمع بتصميم. أنا مش ههرب تاني. أنا هقف، وهواجه، وهكشف كل مستور، حتى لو كانت النهاية هي الموت.. على الأقل هموت وأنا “أنا”، مش “بضاعة” في إيد حد.
وقفت قدام محل دهب قديم، شفت سلسلة في الفاترينة.. سلسلة شبه اللي بابا جابهالي. ابتسمت بمرارة، ودخلت المحل.. مش عشان أشتري، لكن عشان أبيع “خاتم الخطوبة” اللي كان لسه في إيدي.. أبيع الذكريات، وأشتري بيها “رصاص” للحقيقة.
باعته، وأخدت الفلوس، واتجهت لمحطة القطر.. راجعة القاهرة، بس مش راجعة لبيتي، راجعة “للميدان”.. الميدان اللي هيسمع صوتي، واللي هيشهد على نهاية الوحوش اللي فاكرين إنهم فوق القانون.
القطر بيتحرك، وأنا باصة لشباك القطر.. بكرة هيكون يوم جديد، يوم مختلف، يوم الحقيقة. سلمى.. سلمى اللي مش هتسكت تاني أبداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *