البنت الكبيرة مالهاش حق تتعب ج 2 حكايات مني السيد

## الفصل الثالث
الورقة الصفراء اللي كان مكتوب فيها مواعيد المدارس والتطعيمات اتقطعت حتت صغيرة واترمت في باسكيت الزبالة. البنت كانت واقفة في نص الصالة، بتبص على مكان الورقة الفاضي على الحيطة، وحاسة إن مكانها في قلبها برضه فِضي.. بس فضي من الخوف، واتملى بحاجة تانية مكنتش عارفاها.. يمكن هيبة؟ يمكن مسؤولية حقيقية لأول مرة؟
الشقة كانت هادية هدوء غريب ومقبض. البوليس كان جه من ساعتين وأخد حسن وأمينة من الشارع تحت العمارة وسط ذهول الجيران وصدمتهم. المنظر مكنش سهل.. أمينة وهي بتصرخ وتداري وشها بطرحتها، وحسن اللي كان ماشي ومنكس راسه في الأرض والكلبشات في إيديه. الجيران وفضولهم، ونظرات الشماتة والتساؤلات اللي ملقتش إجابة، كل ده كان بيدور برّه، لكن جوه الشقة كان فيه عالم تاني خالص محتاج يترتب.
— “ماما.. هي طنط أمينة وعمو حسن مش هيجوا تاني؟”
محمود اللي سأل، كان واقف ساند على باب المطبخ وباصص لها بعيون فيها لغبطة كبيرة. هو مكنش غبي، شاف البوليس وشاف جدته وهي بتزعق.
البنت لفت له، خدت نفس طويل وقعدت على الركبة عشان تبص في عينيه بنفس المستوى:
— “تعال يا حودة.. قعّد إخواتك كلهم في الصالة عشان عاوزة أتكلم معاكم.”
السبعة قعدوا على الكنبة الكبيرة. يوسف في حضنها كالعادة، وسلمى ماسكة إيد مريم اللي دقنها لسه بتوجعها، والتوأم منى ومريم باصين للأرض بوجوم، وكريم الصغير مش فاهم حاجة وبيقزقز في ضوافره.
الحاجة فاطمة كانت قاعدة على كرسي قصادهم، ساكتة وساندة إيدها على عصايتها، وعينيها بتلمع بالدموع وهي بتبص لولاد بنتها اللي ماتت.. الولاد اللي اتحرمت منهم سنين بسبب طمع حسن وأمينة والتلاد اللي عاشوا أيتام وهم فاكرين إنهم عايشين في حضن أبوهم وأمهم.
— “بصوا يا حبايبي..” البنت بدأت تتكلم بصوت هادي بس ثابت: “الكلام اللي هقولهولكم ده كبير شوية، بس انتوا أبطال ولازم تعرفوه. طنط أمينة وعمو حسن اللي كنتوا بتقولولهم بابا وماما.. هما مش بابا وماما الحقيقيين.”
منى رفعت راسها بسرعة، وعينيها وسعت: “يعني إيه يا أبله؟ أومال هما مين؟”
— “هما يقربولنا.. عمنا وخالتنا. لكن بابا وماما الحقيقيين سافروا عند ربنا من زمان.. من وأنا قد يوسف كده. هما دلوقتي في الجنة، وسايبينكم ليا.. أنا أختكم الكبيرة، مش بس أختكم.. أنا مامتكم بجد من النهارده.”
السكوت اللي حل في الأوضة كان يقطع القلب. الأطفال مكانوش مستوعبين الصدمة كاملة، بس الكلمة نفسها خضتهم. سلمى بدأت تعيط في الساكت: “يعني إإحنا معندناش بابا وماما؟”
الحاجة فاطمة قربت منهم وقعدت على الأرض وسطهم، وحضنت سلمى ومحمود: “عندكم يا قلب تيتة.. عندكم أنا، وعندكم أختكم الكبيرة اللي صانتكم وحمتكم وهي مش فاهمة حاجة. الفلوس والبيت وكل حاجة بتاعة أبوكم وأمكم الحقيقيين، والكلاب اللي برة دول أخدوا جزاءهم عشان سرقوا حقكم.”
محمود بص للبنت الكبيرة، وعينيه دمعت، بس مكنش عياط خوف.. كان عياط حد حس فجأة إن الحمل اللي كان على كتاف أخته كان أكبر من البشر: “عشان كده كنتي بتتعبي لوحدك؟ عشان كده مكنوش بيرضوا يشيلوا معانا حاجة؟”
البنت هزت راسها وابتسمت وسط دموعها: “المهم إننا مع بعض.. ومحدش هيقدر يفرقنا تاني أبدًا.”
العاصفة الحقيقية بدأت تاني يوم الصبح في النيابة.
المستشار أحمد الهواري أخد البنت والحاجة فاطمة عشان يدخلوا تحقيق النيابة كمجني عليهم ومستمع لأقوالهم.
المكان كان زحمة وخنقة، ريحة الأوراق القديمة والملفات تملى الممرات. وكيل النيابة كان راجل شاب، ملامحه جادة بس عينه فيها تعاطف واضح وهو بيبص للبنت اللي عندها 14 سنة وبتتكلم بوعي ست عندها أربعين سنة.
— “قوليلي يا بنتي.. من امتى وانتي بتقومي بمهام رعاية الأطفال دول لوحدك؟” وكيل النيابة سأل وهو بيسجل.
— “من يوم ما كملت تمان سنين يا فندم. من يوم ما محمود جه الشقة. أمينة.. أقصدي خالتو أمينة، حطته في حضني وقالتلي ده مسؤوليتك. ومن ساعتها وكل عيل ييجي بيبقى بتاعي أنا. لبسهم، أكلهم، تطعيماتهم، دكتورهم.. كله كان عليا.”
— “وهما مكانوش بيتدخلوا خالص؟”
— “حسن.. عمي، كان بينزل الصبح يرجع بالليل، ويقول ماليش دعوة بوش العيال. وأمينة كانت طول الوقت برة، ولما ييجوا ضيوف تقفل علينا بالأسبوع في الأوضة عشان منظر العيال ما يدايقش حد. ولما مريم اتمزعت دقنها من كام يوم، سابونا وسافروا الساحل بألف جنيه بس، واتصلت بيهم 17 مرة ومحدش رد، ولولا تيتة فاطمة والوحدة الصحية كان زمان البنت جرى لها حاجة.”
وكيل النيابة بص للمحامي وهز راسه، وبعدين طلب دخول المتهمين.
دخل حسن وأمينة الكلبشات في إيديهم. أمينة أول ما شافت بنتها.. أو بنت أختها، صرخت: “يا فاجرة! يا قليلة الأصل! بعد ما ربيناكي وعشناكي في خيرنا جاية ترمينا في السجن؟”
— “بس يا متهمة!” وكيل النيابة زعق بحدة وخبط على المكتب: “اتكلمي بأدب، انتي هنا في نيابة مش في بيتك. وادعاءاتك دي ماليهاش أي لازمة قصاد شهادات الميلاد المزورة وتقارير المستشفى اللي ثبتت إنك ما خلفتيش ولا مرة في حياتك!”
حسن كان واقف زي الفرخة المبلولة، وبص للمستشار أحمد وقال بصوت واطي: “يا سيادة المستشار.. إحنا غلطنا، بس إحنا صرّفنا على العيال وعيشناهم في شقة ملك وفي مستوى كويس.. الفلوس مكنتش بتروح في الأرض.”
المستشار أحمد رد بقسوة: “صرفتوا عليهم من فتافيت الفلوس! والأراضي والعمارات اللي بعتوها بتوكيلات مزورة وصرفتوا تمنها في الساحل وفي العربيات الجديدة دي إيه؟ انتوا سيبتوا سبع عيال مع بنت طفلة، وعرضتوا حياتهم للخطر عشان تسافروا تتفسحوا بفلوسهم! ده غير تهمة التزوير في أوراق رسمية وجناية الاستيلاء على أموال قصر.”
أمينة بصت للحاجة فاطمة بغل: “انتي السبب يا أمي.. طول عمرك بتكرهيني وبتفضلي منى عليا.. حتى بعد ما ماتت جاية تخربي بيتي عشانها؟”
الحاجة فاطمة وقفت، وساندة على عصايتها، وبصت لأمينة بنظرة كسرة قلب أم: “أنا مابكرهكيش يا أمينة.. أنا بكره الشياطين اللي بقيتوا فيها. انتي وأبوكي زمان حذرتكم من الطمع. منى ماتت وسابت عيال لحم ودم، وانتي روحتي سرقتي الورق وسرقتي طفولة البنت الغلبانة دي وعيشتيها في جحيم عشان الفلوس؟ أنا مش هسيبكم.. والقانون مش هيرحمكم.”
النيابة أمرت بحبس حسن وأمينة 4 أيام على ذمة التحقيق، وتجديد الحبس في الميعاد. وصدر قرار بنقل الوصاية الشرعية والمالية على الأطفال الستة والبنت الكبيرة للجدة، الحاجة فاطمة، مع تعيين المستشار أحمد كوصي مالي لمتابعة استرداد الأملاك المنهوبة.
الخروج من النيابة كان بداية لمعركة من نوع تاني. معركة الحياة اليومية.
الحاجة فاطمة أخدت الولاد كلهم ونقلوا لبيتها القديم في حي مصر القديمة. البيت كان واسع، فيه روح دافية، وريحة خشب قديم وبخور. الشقة بتاعت حسن وأمينة اتقفلت بالشمع الأحمر بأمر النيابة لحد ما تنتهي القض..ية.
البنت كانت قاعدة في الأوضة الجديدة مع إخواتها. المكان غريب عليهم، ويوسف مكنش راضي ينام غير وهو ماسك في رقبتها.
— “أبله..” محمود دخل وقعد جنبها على السرير.
— “نعم يا حودة؟”
— “أنا مش عارف أقولك يا أبله واللا يا ماما.. بس أنا حاسس إننا تاهين.. الشارع هنا مش زي شارعنا، والناس بتبص لنا في الرايحة والجاية عشان قصة بابا وماما اللي في الجرايد.”
البنت حطت إيدها على شعره: “يا حبيبي الناس يومين وهتنسى.. المهم إحنا. إحنا مش تايهين، إحنا أخيرًا رجعنا لبعض بجد. وموضوع الاسم ده.. قولي اللي يريحك، أنا في الآخر أختك اللي هتشيلك لحد ما تبقى راجل ملء هدومك.”
بعد أسبوعين من الاستقرار في بيت الجدة، بدأت المشاكل تظهر على السطح.
الأطفال مكانوش متعودين على غياب حسن وأمينة برضه، رغم كل حاجة، الصدمة النفسية بدأت تظهر. يوسف بدأ يجيله تشنجات بليل وهو نايم ويصحى يصرخ. وسلمى بطلت تتكلم خالص، بقت تقعد في ركن الأوضة وتلعب بـ عروستها من غير ما تنطق بكلمة واحدة.
التوأم مريم ومنى، بدأت خناقاتهم تزيد على أفه الأسباب، وكريم بقى عدواني وبيكسر اللعب.
البنت كانت شايفة كل ده وحاسة إنها بتغرق تاني. المسؤولية المرة دي مكنتش أكل وشرب وشرابات ضايعة.. المسؤولية كانت ترميم نفوس اتكسرت وعيال اكتشفوا فجأة إن حياتهم كلها كانت كذبة.
في يوم، الباب خبط.
فتحت البنت، ولقت الست بتاعة الشؤون الاجتماعية.. الأستاذة نجوى، اللي كانت في بيتهم أول مرة.
البنت اتخضت ورجعت خطوة لورا، والذعر القديم صحي في قلبها: “أهلاً يا فندم.. اتفضلي.”
الأستاذة نجوى دخلت، وبصت للبيت المنظم وللحاجة فاطمة اللي رحبت بيها. قعدت وبصت للبنت الكبيرة بابتسامة هادية:
— “متخافيش يا بنتي.. أنا مش جاية أخد حد. أنا جاية بصفتي المتابعة للحالة بعد قرار النيابة. جيت أشوفكم محتاجين إيه.”
الحاجة فاطمة تنهدت: “والله يا بنتي كتر خيرك.. إحنا الحمد لله الفلوس المحامي بيطلع لنا منها جزء تحت حساب النيابة ومستورين.. بس العيال تعبانين.. العيال نفسيتهم في الأرض والصدمة مأثرة عليهم.”
الأستاذة نجوى بصت للبنت الكبيرة: “وانتي يا شاطرة؟ عاملة إيه؟ انتي سيبتي مدرستك بقالك أسبوعين.”
البنت نزلت عينيها في الأرض: “مش مهم مدرستي دلوقتي يا طنط.. المهم العيال يقفوا على رجليهم.. أنا مش هقدر أسيب يوسف وسلمى بالمنظر ده وأروح المدرسة.”
نجوى قامت وقعدت جنبها، واخدت إيدها الصغيرة الخشنة من كتر الغسيل والترويق:
— “لا يا حبيبتي.. مهم. انتي لو وقعتي، السقف ده كله هيقع على إخواتك. انتي مش لوحدك دلوقتي، تيتة معاكي، وإحنا كوزارة هنوفر للأطفال أخصائي نفسي يجيلهم البيت مرتين في الأسبوع عشان يساعدهم يتخطوا الصدمة.. بس انتي لازم ترجعي لدراستك. أبوكي وأمك الحقيقيين سابولكم ورث كبير، بس أهم ورث سابوهولك هو إنك تبقي متعلمة وقوية عشان تعرفي تحمي إخواتك لما تكبري.”
البنت بصت لعين نجوى، ولأول مرة حست إن فيه حد كبير بيفكر فيها هي.. مش في الأطفال بس.
الشهور مرت، والتحقيقات في القض..ية كانت بتكبر. المحامي اكتشف إن حسن مكانش شغال لوحده.. كان فيه موظف في مكتب الصحة وموظف في السجل المدني مرتشين هما اللي سهلوا له تزوير شهادات الميلاد وإخفاء هويات الأطفال لسنين طويلة. القض..ية اتحولت لقض..ية رأي عام، والكل بيتكلم عن “أطفال السيوفي” والبنت البطلة اللي حمت إخواتها.
وفي يوم من الأيام، قبل جلسة المحاكمة الكبيرة بأسبوع، الحاجة فاطمة تعبت فجأة.
وقع التعب كان شديد، أزمة قلبية مفاجئة من كتر الضغط والزعل على اللي حصل لبناتها وولادهم. اتنقلت المستشفى، والدكاترة قالوا إن حالتها حرجة ولازم تفضل في العناية المركزة.
البنت كانت واقفة في ممر المستشفى، الشارع ضلم برة، وإخواتها الستة قاعدين في البيت مع الأخصائية النفسية المستنيين خبر.
المستشار أحمد جه بسرعة، وبص للبنت اللي كانت واقفة سانة راسها على الحيطة وبتعيط بضعف:
— “جمدي قلبك يا بنتي.. تيتة ست قوية وإن شاء الله هتقوم منها.”
البنت بصت له بدموع مغرقة وشها: “يا سيادة المستشار.. لو تيتة جرى لها حاجة.. إحنا هنروح فين؟ المحكمة هتعمل إيه في الوصاية؟ هيرجعوا يقولوا شؤون اجتماعية وملاجئ تاني؟”
قبل ما المستشار أحمد يرد، تليفون البنت اللي في جيبها رن.
بصت في الشاشة.. النمرة كانت من سجن القناطر.. سجن النساء.
فتحت الخط وهي بتترعش: “ألو؟”
صوت أمينة جه من الناحية التانية، بس مكنش صوت عياط ولا انكسار.. كان صوت مليان سم وغل، وقالتلها بنبرة واطية:
— “سمعت إن أمي في الإنعاش وبتفرفر.. هتموت وتسيبكم يا بنت منى. المحكمة الأسبوع الجاي، ولو أمي ماتت، مفيش وصي شرعي ليكم غيري أنا وحسن.. القض..ية هتبوظ، وإحنا هنطلع، وساعتها.. رجوعي البيت هيبقى سواد عليكي وعلى إخواتك.. أنا هخليكي تتمني الموت وماتلاقيهوش يا…”
الخط قطع فجأة، والبنت واقفة السماعة في إيدها، وجسمها كله تلمج من كتر الرعب..
الحقيقة ظهرت والفلوس موجودة، بس الكابوس لسه مخلصش.. والشر كان لسه بيجهز لضربته الأخيرة..
يتبع في الفصل الرابع…
## الفصل الثالث
الورقة الصفراء اللي كان مكتوب فيها مواعيد المدارس والتطعيمات اتقطعت حتت صغيرة واترمت في باسكيت الزبالة. البنت كانت واقفة في نص الصالة، بتبص على مكان الورقة الفاضي على الحيطة، وحاسة إن مكانها في قلبها برضه فِضي.. بس فضي من الخوف، واتملى بحاجة تانية مكنتش عارفاها.. يمكن هيبة؟ يمكن مسؤولية حقيقية لأول مرة؟
الشقة كانت هادية هدوء غريب ومقبض. البوليس كان جه من ساعتين وأخد حسن وأمينة من الشارع تحت العمارة وسط ذهول الجيران وصدمتهم. المنظر مكنش سهل.. أمينة وهي بتصرخ وتداري وشها بطرحتها، وحسن اللي كان ماشي ومنكس راسه في الأرض والكلبشات في إيديه. الجيران وفضولهم، ونظرات الشماتة والتساؤلات اللي ملقتش إجابة، كل ده كان بيدور برّه، لكن جوه الشقة كان فيه عالم تاني خالص محتاج يترتب.
— “ماما.. هي طنط أمينة وعمو حسن مش هيجوا تاني؟”
محمود اللي سأل، كان واقف ساند على باب المطبخ وباصص لها بعيون فيها لغبطة كبيرة. هو مكنش غبي، شاف البوليس وشاف جدته وهي بتزعق.
البنت لفت له، خدت نفس طويل وقعدت على الركبة عشان تبص في عينيه بنفس المستوى:
— “تعال يا حودة.. قعّد إخواتك كلهم في الصالة عشان عاوزة أتكلم معاكم.”
السبعة قعدوا على الكنبة الكبيرة. يوسف في حضنها كالعادة، وسلمى ماسكة إيد مريم اللي دقنها لسه بتوجعها، والتوأم منى ومريم باصين للأرض بوجوم، وكريم الصغير مش فاهم حاجة وبيقزقز في ضوافره.
الحاجة فاطمة كانت قاعدة على كرسي قصادهم، ساكتة وساندة إيدها على عصايتها، وعينيها بتلمع بالدموع وهي بتبص لولاد بنتها اللي ماتت.. الولاد اللي اتحرمت منهم سنين بسبب طمع حسن وأمينة والتلاد اللي عاشوا أيتام وهم فاكرين إنهم عايشين في حضن أبوهم وأمهم.
— “بصوا يا حبايبي..” البنت بدأت تتكلم بصوت هادي بس ثابت: “الكلام اللي هقولهولكم ده كبير شوية، بس انتوا أبطال ولازم تعرفوه. طنط أمينة وعمو حسن اللي كنتوا بتقولولهم بابا وماما.. هما مش بابا وماما الحقيقيين.”
منى رفعت راسها بسرعة، وعينيها وسعت: “يعني إيه يا أبله؟ أومال هما مين؟”
— “هما يقربولنا.. عمنا وخالتنا. لكن بابا وماما الحقيقيين سافروا عند ربنا من زمان.. من وأنا قد يوسف كده. هما دلوقتي في الجنة، وسايبينكم ليا.. أنا أختكم الكبيرة، مش بس أختكم.. أنا مامتكم بجد من النهارده.”
السكوت اللي حل في الأوضة كان يقطع القلب. الأطفال مكانوش مستوعبين الصدمة كاملة، بس الكلمة نفسها خضتهم. سلمى بدأت تعيط في الساكت: “يعني إإحنا معندناش بابا وماما؟”
الحاجة فاطمة قربت منهم وقعدت على الأرض وسطهم، وحضنت سلمى ومحمود: “عندكم يا قلب تيتة.. عندكم أنا، وعندكم أختكم الكبيرة اللي صانتكم وحمتكم وهي مش فاهمة حاجة. الفلوس والبيت وكل حاجة بتاعة أبوكم وأمكم الحقيقيين، والكلاب اللي برة دول أخدوا جزاءهم عشان سرقوا حقكم.”
محمود بص للبنت الكبيرة، وعينيه دمعت، بس مكنش عياط خوف.. كان عياط حد حس فجأة إن الحمل اللي كان على كتاف أخته كان أكبر من البشر: “عشان كده كنتي بتتعبي لوحدك؟ عشان كده مكنوش بيرضوا يشيلوا معانا حاجة؟”
البنت هزت راسها وابتسمت وسط دموعها: “المهم إننا مع بعض.. ومحدش هيقدر يفرقنا تاني أبدًا.”
العاصفة الحقيقية بدأت تاني يوم الصبح في النيابة.
المستشار أحمد الهواري أخد البنت والحاجة فاطمة عشان يدخلوا تحقيق النيابة كمجني عليهم ومستمع لأقوالهم.
المكان كان زحمة وخنقة، ريحة الأوراق القديمة والملفات تملى الممرات. وكيل النيابة كان راجل شاب، ملامحه جادة بس عينه فيها تعاطف واضح وهو بيبص للبنت اللي عندها 14 سنة وبتتكلم بوعي ست عندها أربعين سنة.
— “قوليلي يا بنتي.. من امتى وانتي بتقومي بمهام رعاية الأطفال دول لوحدك؟” وكيل النيابة سأل وهو بيسجل.
— “من يوم ما كملت تمان سنين يا فندم. من يوم ما محمود جه الشقة. أمينة.. أقصدي خالتو أمينة، حطته في حضني وقالتلي ده مسؤوليتك. ومن ساعتها وكل عيل ييجي بيبقى بتاعي أنا. لبسهم، أكلهم، تطعيماتهم، دكتورهم.. كله كان عليا.”
— “وهما مكانوش بيتدخلوا خالص؟”
— “حسن.. عمي، كان بينزل الصبح يرجع بالليل، ويقول ماليش دعوة بوش العيال. وأمينة كانت طول الوقت برة، ولما ييجوا ضيوف تقفل علينا بالأسبوع في الأوضة عشان منظر العيال ما يدايقش حد. ولما مريم اتمزعت دقنها من كام يوم، سابونا وسافروا الساحل بألف جنيه بس، واتصلت بيهم 17 مرة ومحدش رد، ولولا تيتة فاطمة والوحدة الصحية كان زمان البنت جرى لها حاجة.”
وكيل النيابة بص للمحامي وهز راسه، وبعدين طلب دخول المتهمين.
دخل حسن وأمينة الكلبشات في إيديهم. أمينة أول ما شافت بنتها.. أو بنت أختها، صرخت: “يا فاجرة! يا قليلة الأصل! بعد ما ربيناكي وعشناكي في خيرنا جاية ترمينا في السجن؟”
— “بس يا متهمة!” وكيل النيابة زعق بحدة وخبط على المكتب: “اتكلمي بأدب، انتي هنا في نيابة مش في بيتك. وادعاءاتك دي ماليهاش أي لازمة قصاد شهادات الميلاد المزورة وتقارير المستشفى اللي ثبتت إنك ما خلفتيش ولا مرة في حياتك!”
حسن كان واقف زي الفرخة المبلولة، وبص للمستشار أحمد وقال بصوت واطي: “يا سيادة المستشار.. إحنا غلطنا، بس إحنا صرّفنا على العيال وعيشناهم في شقة ملك وفي مستوى كويس.. الفلوس مكنتش بتروح في الأرض.”
المستشار أحمد رد بقسوة: “صرفتوا عليهم من فتافيت الفلوس! والأراضي والعمارات اللي بعتوها بتوكيلات مزورة وصرفتوا تمنها في الساحل وفي العربيات الجديدة دي إيه؟ انتوا سيبتوا سبع عيال مع بنت طفلة، وعرضتوا حياتهم للخطر عشان تسافروا تتفسحوا بفلوسهم! ده غير تهمة التزوير في أوراق رسمية وجناية الاستيلاء على أموال قصر.”
أمينة بصت للحاجة فاطمة بغل: “انتي السبب يا أمي.. طول عمرك بتكرهيني وبتفضلي منى عليا.. حتى بعد ما ماتت جاية تخربي بيتي عشانها؟”
الحاجة فاطمة وقفت، وساندة على عصايتها، وبصت لأمينة بنظرة كسرة قلب أم: “أنا مابكرهكيش يا أمينة.. أنا بكره الشياطين اللي بقيتوا فيها. انتي وأبوكي زمان حذرتكم من الطمع. منى ماتت وسابت عيال لحم ودم، وانتي روحتي سرقتي الورق وسرقتي طفولة البنت الغلبانة دي وعيشتيها في جحيم عشان الفلوس؟ أنا مش هسيبكم.. والقانون مش هيرحمكم.”
النيابة أمرت بحبس حسن وأمينة 4 أيام على ذمة التحقيق، وتجديد الحبس في الميعاد. وصدر قرار بنقل الوصاية الشرعية والمالية على الأطفال الستة والبنت الكبيرة للجدة، الحاجة فاطمة، مع تعيين المستشار أحمد كوصي مالي لمتابعة استرداد الأملاك المنهوبة.
الخروج من النيابة كان بداية لمعركة من نوع تاني. معركة الحياة اليومية.
الحاجة فاطمة أخدت الولاد كلهم ونقلوا لبيتها القديم في حي مصر القديمة. البيت كان واسع، فيه روح دافية، وريحة خشب قديم وبخور. الشقة بتاعت حسن وأمينة اتقفلت بالشمع الأحمر بأمر النيابة لحد ما تنتهي القض..ية.
البنت كانت قاعدة في الأوضة الجديدة مع إخواتها. المكان غريب عليهم، ويوسف مكنش راضي ينام غير وهو ماسك في رقبتها.
— “أبله..” محمود دخل وقعد جنبها على السرير.
— “نعم يا حودة؟”
— “أنا مش عارف أقولك يا أبله واللا يا ماما.. بس أنا حاسس إننا تاهين.. الشارع هنا مش زي شارعنا، والناس بتبص لنا في الرايحة والجاية عشان قصة بابا وماما اللي في الجرايد.”
البنت حطت إيدها على شعره: “يا حبيبي الناس يومين وهتنسى.. المهم إحنا. إحنا مش تايهين، إحنا أخيرًا رجعنا لبعض بجد. وموضوع الاسم ده.. قولي اللي يريحك، أنا في الآخر أختك اللي هتشيلك لحد ما تبقى راجل ملء هدومك.”
بعد أسبوعين من الاستقرار في بيت الجدة، بدأت المشاكل تظهر على السطح.
الأطفال مكانوش متعودين على غياب حسن وأمينة برضه، رغم كل حاجة، الصدمة النفسية بدأت تظهر. يوسف بدأ يجيله تشنجات بليل وهو نايم ويصحى يصرخ. وسلمى بطلت تتكلم خالص، بقت تقعد في ركن الأوضة وتلعب بـ عروستها من غير ما تنطق بكلمة واحدة.
التوأم مريم ومنى، بدأت خناقاتهم تزيد على أفه الأسباب، وكريم بقى عدواني وبيكسر اللعب.
البنت كانت شايفة كل ده وحاسة إنها بتغرق تاني. المسؤولية المرة دي مكنتش أكل وشرب وشرابات ضايعة.. المسؤولية كانت ترميم نفوس اتكسرت وعيال اكتشفوا فجأة إن حياتهم كلها كانت كذبة.
في يوم، الباب خبط.
فتحت البنت، ولقت الست بتاعة الشؤون الاجتماعية.. الأستاذة نجوى، اللي كانت في بيتهم أول مرة.
البنت اتخضت ورجعت خطوة لورا، والذعر القديم صحي في قلبها: “أهلاً يا فندم.. اتفضلي.”
الأستاذة نجوى دخلت، وبصت للبيت المنظم وللحاجة فاطمة اللي رحبت بيها. قعدت وبصت للبنت الكبيرة بابتسامة هادية:
— “متخافيش يا بنتي.. أنا مش جاية أخد حد. أنا جاية بصفتي المتابعة للحالة بعد قرار النيابة. جيت أشوفكم محتاجين إيه.”
الحاجة فاطمة تنهدت: “والله يا بنتي كتر خيرك.. إحنا الحمد لله الفلوس المحامي بيطلع لنا منها جزء تحت حساب النيابة ومستورين.. بس العيال تعبانين.. العيال نفسيتهم في الأرض والصدمة مأثرة عليهم.”
الأستاذة نجوى بصت للبنت الكبيرة: “وانتي يا شاطرة؟ عاملة إيه؟ انتي سيبتي مدرستك بقالك أسبوعين.”
البنت نزلت عينيها في الأرض: “مش مهم مدرستي دلوقتي يا طنط.. المهم العيال يقفوا على رجليهم.. أنا مش هقدر أسيب يوسف وسلمى بالمنظر ده وأروح المدرسة.”
نجوى قامت وقعدت جنبها، واخدت إيدها الصغيرة الخشنة من كتر الغسيل والترويق:
— “لا يا حبيبتي.. مهم. انتي لو وقعتي، السقف ده كله هيقع على إخواتك. انتي مش لوحدك دلوقتي، تيتة معاكي، وإحنا كوزارة هنوفر للأطفال أخصائي نفسي يجيلهم البيت مرتين في الأسبوع عشان يساعدهم يتخطوا الصدمة.. بس انتي لازم ترجعي لدراستك. أبوكي وأمك الحقيقيين سابولكم ورث كبير، بس أهم ورث سابوهولك هو إنك تبقي متعلمة وقوية عشان تعرفي تحمي إخواتك لما تكبري.”
البنت بصت لعين نجوى، ولأول مرة حست إن فيه حد كبير بيفكر فيها هي.. مش في الأطفال بس.
الشهور مرت، والتحقيقات في القض..ية كانت بتكبر. المحامي اكتشف إن حسن مكانش شغال لوحده.. كان فيه موظف في مكتب الصحة وموظف في السجل المدني مرتشين هما اللي سهلوا له تزوير شهادات الميلاد وإخفاء هويات الأطفال لسنين طويلة. القض..ية اتحولت لقض..ية رأي عام، والكل بيتكلم عن “أطفال السيوفي” والبنت البطلة اللي حمت إخواتها.
وفي يوم من الأيام، قبل جلسة المحاكمة الكبيرة بأسبوع، الحاجة فاطمة تعبت فجأة.
وقع التعب كان شديد، أزمة قلبية مفاجئة من كتر الضغط والزعل على اللي حصل لبناتها وولادهم. اتنقلت المستشفى، والدكاترة قالوا إن حالتها حرجة ولازم تفضل في العناية المركزة.
البنت كانت واقفة في ممر المستشفى، الشارع ضلم برة، وإخواتها الستة قاعدين في البيت مع الأخصائية النفسية المستنيين خبر.
المستشار أحمد جه بسرعة، وبص للبنت اللي كانت واقفة سانة راسها على الحيطة وبتعيط بضعف:
— “جمدي قلبك يا بنتي.. تيتة ست قوية وإن شاء الله هتقوم منها.”
البنت بصت له بدموع مغرقة وشها: “يا سيادة المستشار.. لو تيتة جرى لها حاجة.. إحنا هنروح فين؟ المحكمة هتعمل إيه في الوصاية؟ هيرجعوا يقولوا شؤون اجتماعية وملاجئ تاني؟”
قبل ما المستشار أحمد يرد، تليفون البنت اللي في جيبها رن.
بصت في الشاشة.. النمرة كانت من سجن القناطر.. سجن النساء.
فتحت الخط وهي بتترعش: “ألو؟”
صوت أمينة جه من الناحية التانية، بس مكنش صوت عياط ولا انكسار.. كان صوت مليان سم وغل، وقالتلها بنبرة واطية:
— “سمعت إن أمي في الإنعاش وبتفرفر.. هتموت وتسيبكم يا بنت منى. المحكمة الأسبوع الجاي، ولو أمي ماتت، مفيش وصي شرعي ليكم غيري أنا وحسن.. القض..ية هتبوظ، وإحنا هنطلع، وساعتها.. رجوعي البيت هيبقى سواد عليكي وعلى إخواتك.. أنا هخليكي تتمني الموت وماتلاقيهوش يا…”
الخط قطع فجأة، والبنت واقفة السماعة في إيدها، وجسمها كله تلمج من كتر الرعب..
الحقيقة ظهرت والفلوس موجودة، بس الكابوس لسه مخلصش.. والشر كان لسه بيجهز لضربته الأخيرة..
يتبع في الفصل الرابع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *