مرات اخويا ج 1 حكايات روماني مكرم
في تلك اللحظة، ظهر السرير المتحرك وهو يخرج من غرفة العمليات. كانت سحر ممددة عليه، وجهها شاحب كالأموات، تحيط بها الأجهزة وخراطيم التنفس، وضمادة بيضاء ضخمة تلف صدرها.. ذلك الصدر الذي كان محور النزاع والخلاف، بات الآن دليلاً على معركة شرسة بين الحياة والموت.
تحرك السرير سريعاً نحو العناية المركزة. تسمر محمود في مكانه، وبدت على وجهه لأول مرة علامات الذهول والارتباك. الرغبة في الانتقام والغل التي كانت تملأه تلاشت تدريجياً لتترك مكاناً لصدمة حقيقية. تقدمتُ منه وأمسكت بذراعه وقلت له بصوت مرتجف: “شايف يا محمود؟ شايف وصلنا لإيه بعنادك؟ مرتك بتموت.. ضيعت الست عشان كلام فارغ!”
نفض محمود يدي عنه بعصبية، لكن صوته هذه المرة لم يكن بنفس القوة، بل كان يحمل رعشة خفية: “أنا مالي؟ هما اللي ودوها للموت بجهلهم وعملوا العملية من ورايا.. أنا ماشي من هنا.”
تحرك محمود نحو مخارج المستشفى بخطوات سريعة، يحاول الهروب من نظرات الاحتقار التي حاصرته من كل مكان، ومن صوت ضميره الذي بدأ يصرخ في داخله. ركبتُ معه السيارة مرة أخرى، وكان الصمت داخلها خناقاً. لم يتحدث بكلمة طوال طريق العودة، لكن يديه على عجلة القيادة كانت ترتجفان بشدة.
عندما وصلنا إلى المنزل، كانت أمي وأبي بانتظارنا على أحر من الجمر. وبمجرد أن دخلنا، ارتمت أمي على محمود تسأله بلهفة: “طمني يا ابني.. سحر عاملة إيه؟ والعملية حصل فيها إيه؟”
جلس محمود على الكرسي ووضع رأسه بين يديه وقال بجفاء مفتعل: “عملوا العملية.. والست في العناية المركزة بين الحيا والموت. وأنا رميت عليها اليمين قدام أبوها.. ملهاش قعاد في البيت ده تاني.”
صرخت أمي ولطمت على صدرها: “يا مصيبتي! تطلقها وهي في العمليات يا محمود؟ تبيع لحمها وهي بين إيدين ربنا؟ ربنا مش هيسامحنا واصل لو البنت جرى لها حاجة!”
أما والدي، فقد وقف وضرب بعصاه على الأرض بقوة وقال بغضب شديد: “أنا مأصلتش راجل يرمي مراته في محنتها عشان حتة لحم نقصت منها! سحر ست صاينة عرضك، والمرض ده بتاع ربنا مش بإيدها. لو البنت دي ماتت يا محمود، ذنبها هيبقى في رقبتك ليوم الدين، ومش هسامحك لا أنت ولا اللي يطاوعك.”
مرت الليلة كأنها دهر. لم ينم أحد في بيتنا. وفي الصباح الباكر، لم أستطع تحمل هذا الضغط، فقررت الذهاب إلى المستشفى بمفردي لأطمئن على سحر وأرى ما آلت إليه الأمور.
وصلت إلى المستشفى، وكانت الأجواء في ممر العناية المركزة أكثر كآبة. وجدتها خالية إلا من والد سحر الذي كان يجلس واضعاً رأسه بين يديه، وشقيقها الأكبر “أحمد” الذي وصل لتوه من السفر بعد علمه بالخبر. عندما رآني أحمد، نهض مسرعاً وعلامات الغضب والشر تملأ وجهه، واقترب مني وعيناه تجدحان شرراً..
#الكاتب_رومانى_مكرم
