كـنت فاكـرة إن حمـاتي بتحـاول تسيطـر عـلى حيـاتي ج 2 حكايات مني السيد

السطر الأخير في التقرير الطبي اللي خلاني أقف مشلولة مكاني، كان مكتوب فيه بخط الإيد تحت خانة “ملاحظات الطبيب المعالج”: **”تم تزوير التحاليل الأولية، المريضة لا تعاني من تليف، بل هي ضحية تسمم بطيء بجرعات متكررة من مادة كيميائية غير معلومة”.**
يعني إيه؟ يعني حماتي مش بتموت من المرض، حماتي بتتقتل!
الورقة سقطت من إيدي، وقعدت على ركبتي في نص الصالة، حاسة إن الدنيا بتلف بيا. جوزي كان لسه في الأوضة جنب أمه، ما أخدش باله من وقعة الورقة ولا من الرعب اللي مرسوم على وشي. استجمعت قواي، وقمت ببطء، دخلت الحمام وقفلت على نفسي وبدأت أقرأ باقي التقرير اللي كان متدبس فيه صور أشعة. لقيت اسم الدكتور اللي ماضي على التقرير ده “دكتور عادل المنصوري”. الاسم ده مش غريب عليا… ده دكتور صاحب أخويا، وهو اللي كان دايمًا بييجي عندنا في البيت، وهو اللي اقترح على حماتي تتابع معاه لما اشتكت من شوية تعب في معدتها من شهرين!
حسيت ببرودة في أطرافي. مين اللي ليه مصلحة يخلص على حماتي؟ وليه؟ الست دي أطيب من النسمة، حتى لما جرحتها بكلماتي، ما ردتش غير بالدعاء. طلعت من الحمام، لقيت جوزي طالع من أوضة أمه، وشه كان متهلل شوية: “مروة، أمي بدأت تتحسن، أكلت شوية شوربة، ادعي لها.”
بصيت له، بصيت في عينيه اللي بحبها، وسألته بصوت بيرتعش: “مين اللي جاب دكتور عادل عشان يتابع حالة ماما؟”
استغرب سؤالي وقال: “إيه اللي فكرك بيه دلوقتي؟ ده دكتور عادل كان موجود صدفة لما كنا بنشتكي من تعبها، وسناء قريبتك هي اللي جابت لنا رقم عيادته وقالت إنه أشطر واحد في التخصص ده.”
“سناء؟” الكلمة خرجت مني زي الطلقة. سناء… بنت خالة أمي، اللي كانت دايمًا بتيجي تزورنا، واللي كانت دايمًا بتسمعني وأنا بشتكي من حماتي، وبتقولي “عندك حق، دي ست مسيطرة، لازم توقفيها عند حدها”. يا لهوي! هي دي اللي كانت بتشجعني على الخصام؟ هي دي اللي كانت بتبعدني عن حماتي عشان تفضى لها الفرصة؟
خرجت جري من الشقة، ما استنيتش جوزي يسألني رايحة فين. ركبت عربيتي وسقت بجنون ناحية بيت سناء. طول الطريق، شريط حياتي مع حماتي بيعدي قدامي. كل مرة سناء كانت بتيجي فيها، كانت بتجيب معاها “عصاير” أو “أكل” مخصوص لحماتي، وبتقول “دي حاجة تقويها”. أنا كنت غبية، كنت غارقة في أنانيتي لدرجة إني ما كنتش باخد بالي مين بيدخل بيتي ومين بيأكل مين!
وصلت بيت سناء، خبطت على الباب بعنف. فتحت لي وهي بتتمطى ببرود، وشها اتغير لما شافت شكلي المنهار: “مروة؟ في إيه؟ مالك؟”
دفعتهال بقوة ودخلت، زقيتها في الصالة وصرخت: “إنتِ عملتي في حماتي إيه يا شيطانة؟ دكتور عادل ده مين؟ والسم اللي كنتِ بتديهولها ده كان إيه؟”
ضحكت سناء ضحكة باردة، وقعدت على الكرسي بكل برود: “بدأتي تفهمي يا قطة؟ كان بقالي سنين بحاول أوقع العيلة دي، خصوصًا بعد ما حماتك رفضت تجوزني ابنها، وفضلتك إنتِ عليه، البنت اللي لسه صغيرة وما بتفهمش في الأصول.”
حسيت بالدم بيغلي في عروقي. “إنتِ بتقتليها عشان رفضتك؟ إنتِ مريضة!”
قامت سناء وقربت مني، همست في ودني بصوت مرعب: “مش بس عشان رفضتني، عشان الورث، وعشان البيت الكبير ده، وعشان أشوفك إنتِ وهي بتدمروا بعض. كنت بستمتع وأنا بشوفك بتجيلي وتشتكي، وأنا بصب الزيت على النار، وأقولك ‘لازم توقفيها عند حدها’، وأنتي يا عيني بتمثلي دور ‘الزوجة المظلومة’ بامتياز.”
طلعت تليفوني من جيبي، كنت بسجل كل كلمة بتقولها. “إنتِ فاكرة إنك هتخرجي منها؟ أنا بلغت الشرطة، والقوة في الطريق.”
وشها اتغير، رعب حقيقي بان في عينيها. حاولت تاخد التليفون مني، دخلنا في خناقة، وقعت النجفة على الأرض، وبدأت تصرخ وتستغيث. في اللحظة دي، سمعت صوت تكسير باب الشقة، وبوليس دخل المكان.
قضيت الليلة في القسم، وشهدت بكل حاجة. ولما رجعت البيت، كان جوزي مستنيني في الصالة، وشه كان ميت. لما حكيت له كل اللي عرفته، بكى زي الطفل، حضنته بكل قوتي، ولأول مرة، كنت أنا اللي بمسح دموعه، أنا اللي كنت السند، مش العكس.
دخلنا سوا لأوضة حماتي. كانت نايمة، لكن لما حست بوجودنا، فتحت عينيها بصعوبة. مسكت إيدها وبستها: “ماما، حقك رجع، سناء انكشفت، وأنا جنبك ومش هسيبك.”
بصت لي، ولأول مرة شفت في عينيها لمعة حقيقية، مش شفقة، لكن فخر. قالت بصوت ضعيف: “كنت عارفة إنك طيبة يا مروة، كنت عارفة إن ‘السم’ اللي بيحاولوا يدخلوه بينا ما يقدرش على قلبك الأصيل.”
قعدنا جنبها، أنا وجوزي، في صمت، لكن صمت مليان حب وندم. مفيش “تضييع وقت” تاني، مفيش “أنا زهقت”. كل دقيقة كانت بنعيشها كانت تعويض عن كل لحظة جفاء.
لكن، في وسط الفرحة برجوع الحق، التليفون رن. كان رقم دكتور عادل. رديت، ولقيت صوت مش غريب، صوت خالي اللي كان مفقود من سنين، واللي كان ورا كل اللعبة دي، مش بس سناء… الموضوع طلع أكبر من مجرد انتقام… ده كان حقد عيلة كاملة على عيلة حماتي، وأنا كنت مجرد “المدخل” اللي استخدموه عشان يفتحوا أبواب البيت اللي ما كانش بيفتح لأي حد.
بصيت لجوزي، وقلت له: “الحكاية لسه ما انتهتش، الحرب الحقيقية بدأت دلوقتي…”
خالي! الكلمة رنت في ودني زي الجرس اللي بيعلن نهاية العالم. خالي، اللي كنت فاكراه مسافر في الخليج بقاله عشر سنين، اللي كان بيبعتلي هدايا في جوازي، اللي كنت دايما بقول لجوزي “خالي ده السند اللي ما خلفتهوش أمي”. طلع هو “العقل المدبر” ورا كل المأساة دي؟
رديت على التليفون، صوت خالي كان تقيل، خالي من أي إحساس: “شاطرة يا مروة، عملتي الدور بامتياز.. بس يا خسارة، كان ناقصك ذكاء بسيط عشان تعرفي إن سناء دي ما هي إلا خيط في إيدي، أنا اللي كنت بخطط، وأنا اللي كنت ببعت ‘المواد’ اللي بتتحط في أكل حماتك مع سناء عشان نضمن إن البيت ده يفضى، ونقدر نسيطر على أملاكه وأرضه قبل ما الست دي تموت وتكتبه لولادها.”
جوزي خد التليفون مني، وشه كان بيتحول للون الأبيض، اتكلم بصوت مرعوب ومجروح: “يا خالي؟ إنت بتعمل فينا كده؟ إنت اللي كنت بتبارك جوازنا؟”
ضحك خالي ضحكة خلت شعري يقف: “الجواز ده كان أول خطوة، كنت محتاج حد من جوه البيت يفتحلي الثغرة، ومروة كانت هي ‘المدخل’ السهل. كنت بلمح لها تشتكي، كنت ببعت لها رسايل توترها من حماتها، كنت عارف إن أنانيتها في البداية هتخليها هي اللي تطفش الست، وأنا في الآخر بضرب الضربة القاضية.”
رمى جوزي التليفون، وبصلي. في اللحظة دي، مكنتش خايفة من خالي، كنت خايفة من نظرة جوزي ليا. كنت خايفة يفتكر إني كنت شريكة، إني كنت “الأداة” اللي دمرت أمه. بس لقيت إيده بتمتد، بتمسح دموعي وبتقول بوجع: “مش ذنبك يا مروة، إحنا الاتنين اتلعب بينا، إحنا الاتنين كنا ضحايا طيبتنا.”
دخلنا لأوضة ماما -أيوة، بدأت أقولها ماما من غير تفكير-، لقيناها قاعدة على السرير، بتسمعنا؟ ماعرفش، بس ملامحها كانت أهدى من أي وقت فات. بصتلنا وقالت بصوت مش طالع منه غير الحنان: “كنت حاسة.. قلبي كان بيقولي إن فيه ‘خيط’ أسود بيتحرك في حياتنا، بس ما كنتش عارفة إنه خيط عيلة من دمي.”
عدت الأيام، وبدأنا رحلة جديدة تمامًا. القسم، التحقيقات، والمواجهة اللي هزت العيلة كلها. خالي هرب، بس فضل مطارد، وسناء اتحبست، والبيت الكبير اللي كان فاضي وموحش، اتحول لخلية نحل.
حماتي بدأت تتحسن، مش بس صحيا، لكن نفسيا. عرفت إن “التسمم” اللي كان بياكل جسمها، كان وراه مادة بتضعف المناعة، وبدأ الأطباء يعالجوها بتركيز. وبدأت أنا… أصلح كل اللي كسرته.
تعلمت في الفترة دي إن “الخصوصية” اللي كنت بتمناها، ما كانتش بتتحقق بالبعد، كانت بتتحقق بالحب. بقيت أقعد معاها، مش عشان أطلب منها تسيبني، لأ، بقيت أقعد عشان أسمع حكاياتها بجد. عرفت إنها ما كانتش “بتسيطر”، كانت بتحاول تعوض حياتها اللي ضاعت في الغربة، كانت بتحاول تلاقي فيا “البنت” اللي ما جابتهاش، عشان كده كانت بتجيب لي هدوم، عشان كده كانت عايزاني دايما قدام عينيها.
البيت بدأ يتملي ضحك، خصوصًا لما بدأت بنات جوزي (أخواته) ييجوا يزورونا، وبقيت أنا اللي بلمهم، وأنا اللي بجهز الأكل، وأنا اللي بقول “انزلوا اقعدوا سوا”. الست اللي كنت بتهرب منها، بقيت بمسك إيديها ونمشي في الجنينة، وبقيت بفتخر إني كنت جزء من حياتها.
بعد تلات شهور، كنت واقفة في المطبخ بجهز “عزومة” كبيرة للعيلة، وبغني في سري. دخلت حماتي، وقفت جنبي، سكتت شوية وبعدين قالت: “يا مروة، إنتِ كنتِ أحلى هدية ربنا بعتها لي في آخر عمري، حتى لو كانت البداية وجع، النهاية هي اللي بتبقى.”
بصيت لها، وبست إيدها: “إنتِ اللي علمتيني يعني إيه عيلة يا ماما. أنا اللي كنت غبية، أنا اللي كنت فاكرة إن البيت ‘سجن’، وطلعتي إنتِ اللي كنتِ بتبني ‘حصن’ عشان يحمينا.”
قعدنا كلنا على السفرة، وكان جوزي بيبص لي بابتسامة عرفت منها إنه سامحني، وإن جرح “سناء” و”خالي” بدأ يلم. وفي اللحظة دي، التفتت لي وقالت: “مروة، أنا كتبت البيت ده باسمك إنتِ وجوزك، مش عشان خايفة من حد، بس عشان أطمن إن البيت ده هيفضل فيه ‘روح’. الروح اللي إنتِ رجعتيها له.”
رفضت في الأول، بس هي أصرت. مسكت إيدي وقالت: “ده مش بس بيت، ده ‘أمانة’. احفظيها يا بنتي.”
بصيت للمراية اللي في الصالة، اللي كنت بكره أبص فيها. شفت واحدة تانية، شفت “مروة” اللي نضجت، اللي فهمت إن الحب بيحتاج “تنازلات”، وإن البيت الكبير اللي كنت بخاف منه، بقى هو “الجنة” اللي أنا بطلت أدور بره عنها.
في نهاية القصة، عرفت إن كل حاجة بتحصل في حياتنا، وراها حكمة. لو ما كنتش “انفجرت” في اليوم ده، لو ما كنتش “خبطت” في حماتي، ما كنتش هعرف إيه اللي بيحصل ورا ضهري، ما كنتش هكتشف “السم” اللي كان بيتدبر لنا، وما كنتش هفهم إن “الحموات” مش دايما “سجانين”، أحياناً بيبقوا هما “الملاك” اللي بيحمونا من غير ما نحس.
حكايتي ما انتهتش هنا، دي مجرد بداية. بداية لبيت مليان عيال، مليان حب، ومليان “حكايات” هحكيها أنا لبناتي في المستقبل، وهعلمهم إن “الخصوصية” بتيجي بالاحترام المتبادل، مش بالصد والخصام.
أنا مروة، اللي كنت فاكرة إن حماتي بتسيطر على حياتي، وطلعت حماتي هي اللي بتكمل حياتي… وبحمد ربنا كل يوم إن “السطر الأخير” في حياتي ما كانش مأساوي، كان بداية جديدة، بداية بطلتها “حماتي” وبطلها “صبري” اللي اتعلمته في بيت كان ممكن يضيع، لو ما كنتش أنا اللي قررت أصلحه.
#حكايات_مـني_السيـد
#روايات_واقتباسات
#النهاية_السعيدة_بالمحبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *