الكـنة المؤدبـة ج 2 حكايات مني السيد حصريا

خرجنا من البيت وأنا حاسة إن جسمي خفيف، زي ما يكون شلت حمل عشر سنين من على كتافي. أحمد كان ماسك إيدي، وقبضته كانت قوية ومطمنة، مش زي كل مرة كان بيسيب إيدي بمجرد ما نوصل لأول الشارع عشان ما يظهرش “مدلوق” قدام أهله.
تمشينا في الشارع، والهدوء كان غريب، الناس بتعدي من جنبنا، وأنا كنت ببص لوشوشهم وبفكر: “يا ترى كل واحدة فيهم شايلة وجع زي وجعي؟ يا ترى في كام واحدة في مصر النهاردة بتتحمل تقيل عشان كلمة ‘الأصول’ و’الواجب’؟”.
أحمد قطع صمتي وقال:
ـ مني، أنا عارف إن اللي حصل النهاردة مش مجرد خناقة يوم ميلاد. أنا عارف إنه تراكمات، وأنا كنت مغيب، أو يمكن كنت بختار أغمض عيني عشان ‘المركب تمشي’.
بصيت له وابتسمت بحزن:
ـ المركب كانت بتمشي يا أحمد، بس بتمشي على حسابي أنا. كل يوم كنت بخسر جزء مني عشان أكون ‘الكنة’ اللي هما عايزينها. كنت بخسر هدوئي، خصوصيتي، وحتى فرحتي البسيطة.
أحمد وقف وبص في عيني بجدية:
ـ أنا مش هقولك إني هقدر أغيرهم في يوم وليلة، دول أهلي، واتعودوا على طريقة معينة. بس اللي أقدر أضمنهولك، إن ‘الكنة المؤدبة’ اللي بتستقبل الدوشة بابتسامة، انتهت. من هنا ورايح، أي قرار يخص بيتنا، لازم نكون إحنا الاتنين متفقين عليه. مفيش حد يدخل البيت من غير إذن، ومفيش حد يتدخل في تفاصيل يومنا.
كلامه كان زي البلسم، بس جوايا كان لسه فيه صوت صغير خايف. خايف من رد فعل “أمينة”. حماتي دي مش من النوع اللي بتسكت، دي من النوع اللي بيحب يقلب الترابيزة، واللي بيحب يحس إنها “الضحية”.
قضينا وقتنا في المطعم، وكان أحلى وقت قضيناه سوا من سنين. قعدنا نتكلم عن كل حاجة، عن أحلامنا اللي نسيناها في زحمة الحياة، وعن اللي جاي. كنت حاسة إني مع شخص تاني، أحمد اللي حبيته قبل ما “تطلبات العيلة” تسرقه مني.
بس، وأحنا بنحاسب على الحساب، تليفون أحمد رن تاني.
بص للشاشة… “ماما”.
سكت لحظة، وبص لي.
ـ ردي… مش عايزة أكون السبب في قطيعة رحم. بس خليك حازم.
أحمد رد:
ـ أيوة يا ماما.
صوت حماتي جه عالي لدرجة إني سمعته وهو ماسك الموبايل بعيد عن ودنه:
ـ أنت فين يا أحمد؟ وإيه الرسالة اللي بعتها دي؟ يعني إيه “مفيش زيارات من غير استئذان”؟ أنت اتجننت يا واد؟ مرتك دي لحست مخك؟
أحمد اتنهد وقال بهدوء مرعب:
ـ يا ماما، أنا مش صغير. ومني مراتي وليها حق في بيتها وفي راحتها. وبعدين، إحنا اتكلمنا في الموضوع ده، والزيارات لازم تكون بتقدير وبمواعيد.
ـ تقدير؟ إحنا اللي مقدرينك! دي بدل ما تجيب لنا التورتة وتعتذر عن قلة أدب مرتك، بتنفذ كلامها؟ أنا جاية لك البيت دلوقتي يا أحمد، وعايزة أشوف الكلام ده مين اللي قالهولك!
أحمد قفل السكة قبل ما تكمل كلامها.
بص لي وقال:
ـ هي جاية على البيت.
حسيت ببرودة في أطرافي.
ـ هتعمل إيه؟
ـ هنروح، ونواجهها. مش هنهرب من بيتنا.
لما وصلنا البيت، لقيناهم واقفين قدام باب الشقة، زي “جيش” مستني اقتحام. أمينة، وعبير، وسيد، وحتى كريم. أول ما شافونا، أمينة هجمت عليا بنظراتها:
ـ أدي السنيورة اللي قالبة ابننا علينا!
أحمد وقف قدامي وقال بصوت عالي:
ـ ماما، لو سمحتي، ندخل الأول وبعدين نتكلم.
دخلنا، والبيت اللي لسه مروقاه، اتحول تاني لساحة معركة. أمينة قعدت على الصالون، وبدأت تفرك في إيديها:
ـ يعني إيه الكلام ده يا أحمد؟ يعني إيه تقفل بابك في وشنا؟ إحنا عيلتك، إحنا اللي شقينا عشان نكبرك!
أحمد قعد قدامها:
ـ يا ماما، إحنا ما قولناش ما تجوش، إحنا قلنا “بأصول”. يعني تليفون قبلها بيوم، سؤال: “يا ولاد، ينفع نيجي؟”. ده مش طلب تعجيزي، ده احترام لحرمة البيت.
عبير نطت من مكانها:
ـ احترام؟ هو إحنا بقينا غرباء؟ ده بيت أخويا!
أحمد بصلها وقال:
ـ البيت بيت أخوكي، بس هو كمان بيت مراتي. ومينفعش مراتي تكون مش طايقة نفسها في بيتها عشان دوشة وخبط.
أمينة بدأت تمثل دور “القلب المكسور”:
ـ يعني مرتك أهم مننا؟ يعني خلاص، راحت الأيام اللي كنت بتيجي فيها تبوس إيدي وتسمع كلامي؟
بصيت لأحمد… كان ده “الاختبار الحقيقي”. لو ضعف دلوقتي، كل اللي بنيناه في المطعم هيتهد. أحمد مسح وشه بإيده، وبص لأمه:
ـ يا ماما، أنا بحبك وبحترمك، وده مش معناه إني مش بحب مراتي. الحب مش “اختيارات”. أنا كبرت، وعملت بيت، والبيت ده له حقوق.
أمينة وقفت ووشها جايب ألوان:
ـ ماشي يا أحمد. ماشي. بس اعرف إن اللي بتعمله ده آخره وحش. مراتك دي عايزة توقع بينك وبين أهلك، وبكرة هتعرف هي مين.
بصت لي بنظرة كلها وعيد:
ـ وانتي يا ست مني… افتكري الكلمة اللي قولتيها النهاردة، لأنك هتدفعي تمنها غالي.
قاموا كلهم وخرجوا من غير حتى ما يبصوا لنا.
أول ما الباب اتقفل، حسيت إني هنهار. قعدت على الأرض من كتر التوتر. أحمد جه جنبي، وضموني.
ـ إحنا عملنا الصح يا مني.
ـ تفتكر؟ تفتكر هيسكتوا؟
ـ مش هيسكتوا، بس إحنا كمان مش هنسكت.
قضينا الليلة دي واحنا بنحاول نهدى، بس كان فيه حاجة غلط… إحساس بالخطر كان عايم في الهوا.
تاني يوم، رحت الشغل وأنا حاسة إن الدنيا هادية، بس جالي تليفون من أختي الكبيرة، نادية:
ـ مني؟ ألحقي! حماتك متصلة بأمي وبتقول كلام يقطع الخلف! بتقول إنك طردتيهم وكنتي بتزعقي لهم، وبتقول إن أحمد بقى “خاتم في صباعك” وما بيسمعش كلام حد!
حسيت إن دموعي نزلت غصب عني.
ـ يا نادية، دي الحقيقة مش كده خالص، دول اللي اقتحموا بيتي!
ـ أنا عارفة يا حبيبتي، بس هي قلبت الرواية، والناس صدقوها!
قفللت السكة، وكنت حاسة إن الحرب لسه بتبتدي. مش بس حرب “بيت”، دي حرب “سمعة”.
أحمد رجع من الشغل، ولقاني قاعدة بكلم نفسي.
ـ مالك يا مني؟
حكيت له اللي حصل، وشفت الغضب في عينيه.
ـ بيشوهوا سمعتنا؟
ـ مش بس كده، بيحاولوا يخلوا الناس كلها ضدنا.
أحمد مسك الموبايل وكتب بوست طويل على فيسبوك، بوست بيوضح فيه إن كل بيت له خصوصية، وإن التفاهم هو أساس العيلة، مش الاقتحام.
طبعاً، التعليقات بدأت تنهال… “إيه قلة الأدب دي؟”، “ده أنت مرتك سحرتلك!”، “فين الأصول؟”.
ساعتها، عرفت إن المجتمع أحياناً بيبقى “حماتك”، بيبقى هو اللي بيضغط عليك عشان تكون “النسخة اللي يرضوا عنها”.
وقفت قدام المرايا، مسحت دموعي، وربطت شعري لفوق.
بصيت لنفسي وقولت:
ـ لا، مش هيغلبوني. أنا ‘الكاتبة تاج’، أنا اللي بكتب حكاياتي، وأنا اللي بقرر نهايتها.
خرجت لأحمد وقلت:
ـ أحمد، إحنا محتاجين نغير حياتنا تماماً. مش بس الباب، إحنا محتاجين نبعد عن “السم” ده فترة.
ـ عايزة تسافري؟
ـ عايزة أبعد عن الجو ده، يمكن السفر يخلينا نلاقي نفسنا، ويخليهم يعرفوا إننا ‘كيان’ مش ‘تابع’.
أحمد سكت، كان بيفكر. السفر خطوة كبيرة، خطوة ممكن تقطع آخر حبل بيوصلنا بيهم.
ـ إنتي متأكدة؟
ـ أنا عمري ما كنت متأكدة من حاجة في حياتي زي ما أنا متأكدة دلوقتي.
في الوقت ده، كان الموبايل بيرن تاني… رسالة من “عبير”:
“اللي بتعملوه ده مش هيمر بالساهل يا أحمد. أمي تعبت ودخلت المستشفى بسببكم، وحقنا مش هنسيبه!”
وقفت مصدومة… مستشفى؟ هل دي حقيقة؟ ولا دي “خطة” تانية عشان يضغطوا علينا؟
أحمد بص للموبايل، وبص لي.
ـ نصدقهم؟
ـ لو صدقناهم، هنرجع لنقطة الصفر.
ـ يعني إيه؟
ـ يعني هنروح المستشفى، نتأكد، ولو طلعت بتمثل… هنمشي في طريقنا من غير ما نلتفت ورا.
ركبنا العربية، والطريق للمستشفى كان طريق طويل… طريق بيحدد مصير حياتنا كلها.
أنا كنت عارفة، إن لو دي كانت كذبة… فدي هتكون آخر مرة هشوفهم فيها.
وهو ده، اللي كان مخليني أرتبك… يا ترى أنا مستعدة للقطيعة الكاملة؟
وصلنا المستشفى، ولقينا عبير وسيد واقفين بره الأوضة، وشهم مكتوب عليه “الدراما”.
أول ما شافونا، عبير صرخت:
ـ جايين ليه؟ جايين تتفرجوا على اللي عملتوه؟
أحمد تجاهلها ودخل الأوضة…
أمينة كانت نايمة على السرير، وشكلها “تعبان” جداً.
أحمد قرب منها، ومسك إيديها:
ـ ماما، مالك؟ إيه اللي حصل؟
أمينة فتحت عينيها ببطء، وبصتلي نظرة كلها كره قبل ما تبص لأحمد:
ـ سيبني يا أحمد… مش عايزة أتقل على ‘الست هانم’ اللي مش عايزة تشوفنا في بيتها…
أحمد بص لي، وبعدين بص لأمه:
ـ ماما، أنا عايزة أعرف الحقيقة، إيه اللي حصل بالظبط؟
أمينة بدأت تعيط… دموع “محترفة”:
ـ الضغط عليّا يا ابني… ما استحملتش اللي عملتوه فيا…
كنت واقفة بعيد، مراقبة كل تفصيلة. نظراتها، حركاتها، حتى صوتها… كان فيه حاجة مش “طبيعية”.
بصيت لأحمد… كان باين عليه إنه بدأ يصدقها.
لا… مش هسمح له يصدقها.
قربت من السرير، وبصوت هادي ومحسوب قلت:
ـ طنط أمينة… حمد الله على سلامتك. بس قولي لي، هو الدكتور قال إيه؟ إيه التشخيص؟
أمينة ارتبكت للحظة:
ـ دكتور؟ دكتور إيه؟ ده أنا كنت ميتة يا بنتي!
ـ يعني مفيش تقرير طبي؟ مفيش دواء؟
عبير دخلت في الكلام:
ـ وانتي مالك؟ جاية تحققي معانا؟
بصيت لعبير وبكل ثبات:
ـ أيوة، من حقي. لأن دي “حياة” جوزي، وحياتي أنا كمان.
في اللحظة دي، دخل الدكتور…
كلنا اتجمدنا في مكاننا.
الدكتور بص للملف وقال:
ـ المريضة عندها “ارتفاع ضغط بسيط”، والتوتر هو السبب. ممكن تخرج النهاردة، بس محتاجة راحة بعيد عن أي “مجهود عصبي”.
بصيت لأحمد، وأحمد بص للدكتور، وبعدين بص لأمه…
النظرة اللي في عين أحمد اتغيرت.
نظرة الشفقة اتحولت لنظرة “فهم”.
أحمد قام وقف، وقال:
ـ طيب يا ماما، ارتاحي… إحنا لازم نمشي دلوقتي.
أمينة اتصدمت:
ـ هتمشي؟ هتسيبني هنا؟
ـ مفيش حاجة يا ماما، الدكتور قال إنك كويسة. إحنا هنروح، ولما تخرجي، ابقي طمنينا.
سحبني أحمد من إيدي، وخرجنا من المستشفى…
أول ما ركبنا العربية، أحمد ضرب بإيده على الدريكسيون:
ـ كذابة… كانوا بيمثلوا عليّا.
سكت… كنت عارفة إن اللحظة دي كانت أصعب لحظة في حياته.
ـ أنت كويس؟
بص لي وعيونه مليانة دموع:
ـ لا يا مني… أنا مش كويس. بس لأول مرة… أنا حاسس إني “شايف”.
طول الطريق، ساد صمت مطبق.
وصلنا البيت، وأول حاجة عملها أحمد إنه شال الموبايل، وعمل “بلوك” لكل أفراد العيلة.
بص لي وقال:
ـ السفر… إمتى نقدر نسافر؟
ـ في أقرب وقت.
دخلت المطبخ عشان أعمل شاي، المطبخ اللي كان من يومين ساحة معركة، بقى دلوقت “مكان للهدوء”.
بس، وأنا بصب الشاي، سمعت صوت “تكسير” في الشقة اللي فوقينا…
صوت حد بيخبط على الباب…
سارة ونور كانوا تحت، وكانوا بيتصلوا بي:
ـ مني؟ ألحقي! العيلة كلها تحت العمارة ومعاهم ناس غريبة!
طلعت للبلكونة، وبصيت تحت…
لقيت تجمع كبير، عبير بتشاور بأيديها وبتقول كلام مش واضح، وسيد بيشد في أحمد -أخويا- من هدومه…
كانت “حرب” حقيقية، حرب مش بس في الكلام، دي حرب “وجود”.
أحمد جه جنبي وبص للبلكونة:
ـ مش هيسيبونا… مش كده؟
ـ لا يا أحمد… دي البداية.
بصيت لبعيد، للشارع اللي كنت فاكرة إني هعيش فيه هادية، وشفت إني كنت غلطانة.
الحياة مش “رواية” بنكتبها وبس، الحياة “صراع” بنخوضه عشان نعيش اللي احنا عايزينه.
ـ أحمد… جهز الشنط.
ـ دلوقتي؟
ـ أيوه، دلوقتي. مش هنقعد نستنى لما يكسروا الباب.
بدأت ألم هدومي، وأنا بسمع صوت خبطهم على باب العمارة بيزيد…
كل خبطة كانت بتقولي: “الحرية تمنها غالي، بس العيشة في ذل… تمنها أغلى بكتير”.
أحمد كان بيلم حاجته، كان باين عليه التردد، بس لما شافني بلم هدومي بكل ثبات، مسح التردد ده من عينيه.
ـ معاكي حق. خلونا نمشي.
سمعنا صوت “كوالين” باب العمارة بتتفتح بعنف…
الخطوات على السلم بقت قريبة…
أنا كنت عارفة إننا قدامنا دقايق… دقايق بس عشان نهرب، عشان نبدأ حياتنا من جديد.
وقفت قدام باب الشقة، وبصيت لكل ركن فيها… ركن كان فيه “منى القديمة”… وودعتهم.
أحمد مسك إيدي، وفتحنا الباب الخلفي…
عشان نهرب؟ لا… عشان نبدأ “رحلة البحث عن الذات”.
في اللحظة اللي قفلت فيها الباب ورايا، كنت عارفة إن حياتي القديمة ماتت…
وإن “منى” اللي خرجت من البيت ده… ست تانية خالص…
ست مش هتسمح لحد، مهما كان، إنه يكسر هدوءها تاني.
بس، وأحنا نازلين السلم الخلفي… سمعت صوت عبير وهي بتنادي:
ـ أحمد! مني! أنا عارفة إنكم هنا! افتحوا!
هل هيشوفونا؟ هل هنقدر نخرج؟
قلبي كان بيدق، بس ما كانش خوف… كان “تحدي”.
#حكايات_مني_السيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *