الـقرش الأبيـض ج 1 حكـايات منـي الـسـيد
المثل الشعبي " القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود"

«طلاق؟ ماشي، سهلة.» رديت بكل برود، وجوزي اتصدم من هدوئي اللي نزل عليه زي المية الساقعة.
الخناقة كانت بتغلي بقالها فترة، بس الليلة دي طارق خلاص جاب آخره وفقد أعصابه تماماً. فضل يلف في المطبخ رايح جاي زي المجنون، خبط فازة الورد المجفف وقعها على الأرض، ورزع كفه على رخامة المطبخ بكل عزم ما فيه لدرجة إن الكبايات اتهزت ورنت.
«أنتِ مبتفكريش غير في نفسك وبس!» صرخ وهو بيطير الشرر من عينه والغل ماليه. «بقدملك فرصة عمر، مشروع هيجيب تلات أضعاف فلوسه في سنة واحدة، وأنتِ متبتة في حتة شقة لا راحت ولا جت!»
كان قصده على الشقة الاستوديو الصغيرة اللي في الدقي، اللي ورثتها عن جدتي الله يرحمها. كنت مأجراها، وإيجارها كان بيغطي نص مصاريف وفواتير شقتنا الإيجار اللي عايشين فيها. طارق كان عاوزني أبيعها عشان يرمي فلوسها في بيزنس تافه مع صاحبه، وأنا طبعاً رفضت.
«دي مش خرابة.. دي سندي وأماني وقرشي الأبيض لو الزمن غدر بيا،» رديت عليه بصوت هادي ورزين رغم إن الدم كان بيغلي في عروقي.
«سندك وأمانك!» تريق عليا بصوت مسرسع وهو بيلوي بوزه بسخرية. «أنتِ أصلاً مش بتثقي فيا! طول عمرك شيفاني فاشل ومش وش نجاح! خلاص، طالما كدة اتطلقي وروحي عيشي في أمانك اللي فرحانة بيه ده!»
«طلاق؟ ماشي، موافقة،» كلمتي طلعت باردة ومن غير أي انفعال، كأننا بنتكلم عن الجو برة عامل إيه.
براحة وبكل ثبات انفعالي، مديت إيدي وأخدت الموبايل، فتحت أبلكيشن تسجيل الصوت ودوست على الزرار الأحمر. طارق ما أخدش باله من الحركة دي. كان مستني مني صوات، عياط، ودموع.. الانهيار الستاتي المعتاد اللي بيعرف يضغط عليا بيه كل مرة. بس أنا فضلت واقفة مكاني، ملامحي جامدة زي الصخر، وببص في عينه بكل قوة.
«أ.. أنتِ ساكتة كدة ليه؟» اتهته وهو مبرق وعينيه مليانة حيرة. «بقولك طلااااق!»
«سمعتك كويس على فكرة. يا ريت بقى توضحلي حابب نقسم حاجتنا والفرش إزاي؟ تحب نتفق ودي دلوقتي، ولا نسيب الكلام ده للمحامين والمحاكم؟»
وشه جاب مية لون وبقى لونه زي الليمونة المخطوفة. الرد ده صدمه وشل تفكيره، مش ده اللي كان مستنيه أبداً. في العادي كنت بتهد وبحاول ألم الموضوع وأطبطب عشان خايفة على بيتي وعيشتي. بس المرة دي فوقت وعرفت اللعبة كويس: لو اتنازلت دلوقتي، هخسر كل حاجة.. حتى احترامي لنفسي.
«أنتِ.. أنتِ أكيد اتجننتي!» برطم بكلام مش مفهوم وهو بيبصلي بذهول، وبعدها لف وضهره ورزع وراه الباب ونزل.
رزعة الباب ورا طارق لسه بتسمع في ودني، صوت هز البيت كله لدرجة إن نجفة الصالة قعدت تتهز يمين وشمال كأنها بتبكي معايا.. أو يمكن عليا.
وقفت مكاني في المطبخ لدقائق مش قادرة أتحرك. بصيت على الأرض.. التراب الطمي بتاع فازة الورد المجفف اللي طارق دلقها كان مالي الأرض، ومخلوط بالماسة المكسورة اللي جدتي كانت مدياهالي. المنظر كان شبه حياتي بالظبط.. طين وخراب متوزع على البلاط، وحتت مكسورة من ذكريات حلوة كنت فاكرة إنها هتعيش معايا العمر كله. متوفرة على روايات و اقتباسات
وطيت ببطء، ودموعي اللي حبستها طول الخناقة بدأت تنزل سخنة على خدي. قعدت على ركبي ولميت كسر الفخار بإيدي من غير ما أحس بوجع. الغريبة إني ما كنتش بعيط من الوجع ولا من الكسرة.. أنا كنت بعيط من الراحة! لأول مرة من خمس سنين جواز، أحس إني مش خايفة. الخوف ده كان زي الغول اللي نايم تحت السرير، كل يوم بيصحى ينهش في حتة من روحي، والنهاردة.. الغول ده مات بكلمة واحدة: «موافقة».
مسكت الموبايل بإيد بتترعش، وقفت التسجيل. كان طوله تسع دقايق وعشرين ثانية. تسع دقايق لخصت خمس سنين من الابتزاز العاطفي، والتهديد بالخراب، ومحاولات السيطرة على قرشي وصحتي ونفسيتي. رفعت الفايل فوراً على الـ “جوجل درايف” وعملتله شير على إيميل أختي الكبيرة “نهى” وإيميل المحامي بتاعي، وكتبت لنهى رسالة قصيرة: «الفايل ده أمانة معاكي.. لو حصل لي أي حاجة، أو لو حاول يلفق لي أي حكاية، ده دليلي». حكايات مني السيد
دخلت الحمام، غسلت وشي بمية ساقعة. بصيت في المراية.. لأول مرة أشوف “فريدة” الحقيقية. مش الست المطاطية اللي بتستحمل عشان المركب تمشي، مش البنت اللي بتوافق على أي حاجة بس عشان “كلام الناس” وعشان “لقب مطلقة” اللي مجتمعنا بيخاف منه كأنه لَعنة. شفت ست تانية خالص.. ست قوية، ملامحها حادة، وعيونها فيها نظرة تحدي عمري ما شفتها قبل كدة.
أنا وطارق اتجوزنا صالونات، بس أنا حَبّيته. طارق كان بيبان في الأول راجل حنين ومكافح، بس مع الوقت وبسبب طمعه والناس اللي بيمشي وراهم، بدأ يتغير. شقته الإيجار دي أنا جهزت نصها بفلوس جهازي وشقايا في شغلي كمهندسة ديكور، وشقتي الدقي اللي ورثتها عن سِتّي كانت دايماً في عينه. كل ما يتزنق في قرشين، أو يبدأ حلم من أحلامه الوردية في “البيزنس الطاير”، عينه تروح على الشقة. «بيعيها يا فريدة ونشتري حتة أرض في أكتوبر»، «بيعيها وندخل شراكة مع شريف صاحبي في معرض العربيات»، والنهاردة كانت القشة اللي قسمت ضهر البعير.. عاوزني أبيعها عشان يرمي الفلوس في مشروع “استيراد كتشابات وميونيز” مع واحد صاحبه نصاب ومحبوس قبل كدة في قضايا شيكات! متوفرة على روايات و اقتباسات …
نمت الليلة دي في أوضة الأطفال. ما جاليش نوم خالص، كنت سامعة تكتكة الساعة وصوت العربيات في شارع فيصل تحتنا وهي بتهدى تدريجياً لحد ما الفجر أذن.
على الساعة عشرة الصبح، صحيت على صوت رنة موبايلي. شفت الاسم.. “حماتي.. الحجة سعاد”.
أخدت نفس طويل ورديت بصوت هادي: «أهلاً يا طنط، صباح الخير».
جاءني صوتها المسرسع المحمل باللوم المبطن بالطيبابة المصطنعة: «صباح النور يا قلب طنط.. إيه يا فريدة؟ طارق جالي بارح وش الصبح وشه أصفر وخاسس النص، ومنامش دقيقة! إيه اللي حصل بينكم يا بنتي؟ البيوت أسرار، ومينفعش الشيطان يدخل بينكم على حتة شقة ولا قرشين! ده طارق جوزك وسندك، والقرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود يا حبيبتي، وإنتوا واحد!»
ابتسمت بسخرية وودني بتسمع الأسطوانة المحفوظة اللي كل الستات في عيلتنا اتربوا عليها. متوفرة على روايات و اقتباسات .
«يا طنط، طارق هو اللي طلب الطلاق، وأنا وافقت. مفيش شيطان دخل بينا، طارق عاوز يبيع شقتي اللي هي ورثي الوحيد وأماني عشان مشروع فاشل، ولما رفضت هددني بالطلاق.. وأنا قبلت التحدي.»
صوت الحجة سعاد اتغير فجأة، وبان على حقيقته الحادة: «جرى إيه يا فريدة؟ وإنتِ من امتى بتقفي لجوزك على الكلمة؟ طلاق إيه وخراب بيوت إيه عشان حتة شقة في عمارة قديمة؟ الراجل راجل يا حبيبتي، وبكرة لما يعمل الفلوس هيعوضك بفيلا! بلاش خيبة بالويبة وتصغري عقلك، طارق راجعلك بعد الضهر عشان تلموا الموضوع، وبلاش طاقة الدلع دي عشان متخسريش بيتك وتندمي وقت لا ينفع الندم!»
«أنا مش ندمانة يا طنط، والبيت اللي يتهد عشان صاحبه طمعان في شقة ست يبقى مكنش بيت من الأول. مع السلامة.»
قفلت السكة قبل ما تسمع ردها. قلبي كان بيدق بسرعة، بس كنت حاسة بفخر غريب.. أنا لأول مرة أقول “لأ” لـ “حماتي” اللي كانت بتتحكم في تفاصيل حياتنا كأنها المخرج بتاع المسرحية.
الساعة بقت اتنين بعد الضهر. سمعت صوت المفتاح في الباب.
طارق دخل. خطوته كانت واثقة، داخل وكأنه منتصر، أو كأنه متوقع إني هجري عليه وأعيط وأبوس إيده عشان يسامحني بعد مكالمة أمه. دخل الصالة، حدف مفاتيحه على الترابيزة ورزع جسمه على الكنبة، وفك زرار قميصه الفوقاني وبصلي بنظرة كلها كبرياء وغرور.
«ها يا فريدة.. فكرتي؟» قالها وهو بيلعب بصوابعه كأنه بيحرك أحجار شطرنج. «أنا سبتك تهدي الليلة دي كلها عشان تعقلي وتعرفي إن الله حق. البيوت مش بتتبني بالعناد، وأنا راجل وبحب مراتي تسمع كلامي وتثق فيا.. هبيع الشقة ونبدأ المشروع، وننسى هبل امبارح ده؟»
وقفت قدامه، مكتفة إيدي، وبصيت له ببرود تام.
«أنا لسه عند كلامي يا طارق.. الشقة مش هتتباع، وإحنا هنتطلق.»
ملامح طارق اتغيرت في ثانية. الغرور اختفى وحل محله غضب أحمق. وقف ومسكني من دراعي بقوة: «أنتِ بتهببي إيه؟ أنتِ فاكرة نفسك مين؟ تطلقي مين يا روح أمك؟ أنتِ من غيري ولا تسوي! هتروحي فين؟ هتقعدي في شقة الدقي الاستوديو اللي مساحتها خمسين متر زي المطلقات المنبوذات؟ أنا هرميكي برة الشقة دي بهدومك بس، ومش هتاخدي مني نكلة واحدة! العفش بتاعي، والدهب هتاخدي بداله محضر سرقة لو فكرتي تلمسيه! المحاكم هتمرمطك سنين يا فريدة.. سنين لحد ما تشحتي اللقمة!»
ما اتهزتش. ولا حتى عيني رمشت. مديت إيدي التانية ببطء، طلعت الموبايل، وفتحت الأبلكيشن.
«دهب إيه اللي هتعملي بيه محضر سرقة؟ الدهب اللي مسجل في القايمة؟ والا العفش اللي أنا دافعة نصه ومعايا فواتيره باسمي؟»
ودوست “بلاي” على الريكورد.
صوته طلع من سماعة الموبايل واضح ومزلزل: «أنتِ أصلاً مش بتثقي فيا! طول عمرك شيفاني فاشل ومش وش نجاح! خلاص، طالما كدة اتطلقي وروحي عيشي في أمانك اللي فرحانة بيه ده!»
وبعدها صوتي وأنا بقول: «طلاق؟ ماشي، موافقة.»
وبعدها صوته وهو بيزعق ويقول: «أنتِ ساكتة كدة ليه؟ بقولك طلااااق!» حكايات مني السيد…
وجنب التسجيل ده، كان فيه تسجيلات تانية قديمة من خناقات تانية، كان بيشتم فيها بألفاظ يعاقب عليها القانون، ويهددني بالضرب وحرماني من أهلي.
طارق وشه جاب ألوان الطيف كلها في لحظة واحدة. عينيه وسعت وبقت زي الفناجين، وإيده اللي كانت ماسكة دراعي بدأت ترخي تدريجياً لحد ما سابني خالص ورجع خطوتين لورا كأنه شاف شبح.
حاول يتكلم، بس صوته طلع مخنوق: «أ.. أنتِ.. أنتِ بتسجليلي؟ أنتِ بتعملي فيا أنا كدة؟ دي خيانة أمانة! أنا هوديكي في داهية بالتسجيل ده!» متوفرة على روايات و اقتباسات …
ضحكت بصوت عالي.. ضحكة طالعة من قلبي لأول مرة من سنين.
«خيانة أمانة؟ القانون يا طارق بيعتبر التسجيل دليل في حالات التهديد والابتزاز والسب والقذف، خصوصاً لو في بيتي ومن جوزي اللي بيهددني. وبالمناسبة.. التسجيل ده دلوقتي عند أختي وعند الأستاذ سليم المحامي. يعني لو فكرت تمد إيدك، أو تعمل حركة غبية، أو حتى تشهّر بيا عند أهلك أو أهلي، التسجيلات دي كلها هتبقى في مباحث الإنترنت وفي المحكمة مع قضية طلاق للضرر.. وبدل ما تطلقني ودي وتاخد حاجتك بالمعروف، هتطلق غصب عنك، وهتدفع مؤخر ونفقة متعة ونفقة عِدة، وهتخرج من هنا بشنطة هدومك وبس.. لأن الشقة دي إيجار باسمي أنا في العقد، وإنت مجرد مقيم معايا!»
الضربة كانت قاضية. طارق مكنش يعرف إن عقد إيجار شقة فيصل مكتوب باسمي لأن بابا الله يرحمه هو اللي دفع المقدم وكتب العقد باسمي عشان يضمن حقي. طارق كان ناسي التفاصيل دي كلها في زحمة غروره وسيطرته.
وقع تاني على الكنبة، بس المرة دي مكنش فارق دراعه ولا فك زرار قميصه كبرياء.. كان شكله منكسر، مصدوم، وعينيه بتلف في الأوضة كأنه بيدور على مخرج من المصيدة اللي نصبها لنفسه.
«فريدة..» صوته اتغير تماماً. بقى ناعم، مكسور، شبه صوت العيل الصغير اللي اتمسك وهو بيسرق حاجة. «فريدة حبيبتي.. إحنا إيه اللي وصل الكره بينا للدرجة دي؟ أنا جوزك.. حبيبك طارق! إحنا بينا عشرة وحكايات كتير حلوة.. إزاي تفكري تأذيني كدة؟ أنا كنت متعصب امبارح، الشيطان كان شاطر يا حبيبتي! أنا بحبك والله، وعاوز مصلحتنا.. كنت عاوز نكبر مع بعض ونبقى أغنيا، مكنتش قاصد أطمع في شقتك.. دي شقتك وإنتِ حرة فيها طبعاً.. قوليلي إنك بتهزري وإنك مش هتهدي بيتنا بإيدك!»
سبحان مغير الأحوال! السبع الكاسر اللي كان من دقيقتين بيهددني بالمرمطة والشحاتة في المحاكم، بقى بيتمسكن ويتمحلس كأنه ملاك بريء. الحركة دي بالذات خلتني أقرف منه أكتر. الراجل اللي يبان وحش وجبان في نفس الوقت ده ملوش أمان. لو كنت ضعفت وصدقت دموعه دي، كان بكرة الصبح هيلاقي طريقة يسرقني بيها وهو بيضحك في وشي.
«البيت ده اتهد يوم ما فكرت إنك تكسرني وتستغلني يا طارق،» قلتها وأنا ببص له من فوق لتحت بكل حسم. «كلامك ده ملوش أي قيمة عندي دلوقتي. أنا مش هعيش مع راجل عينه في قرشي وباصص لأماني وسندي على إنه عقبة في طريقه.»
«يعني إيه؟» سألني وهو بيبلع ريقه بخوف. «هتعملي إيه؟»
«يعني قدامك حلين ملهمش تالت،» مديت صباعين في وشه وكملت: «الحل الأول: نطلع بكبرياء ورجولة على المأذون، تطلقني ودي، وتتنازل عن أي ادعاءات تافهة، وتاخد هدومك وحاجتك الشخصية، والعفش نقسمه بالعدل زي ما يرضي ربنا ومن غير شوشرة.. وبكده التسجيلات دي هتتمسح وكأن شيئاً لم يكن، ونخرج بالمعروف.»
«والحل التاني؟» سأل بصوت بيكاد يتسمع.
«الحل التاني: إنك تخرج برة الشقة دي حالاً بشنطة هدومك، وبكرة الصبح المحامي بتاعي هيرفع قضية طلاق للضرر وقضية تبديد منقولات زوجية بالتسجيلات دي وبلستة العفش والفواتير.. والمنطقة كلها، وأهلك، وصاحبك شريف النصاب، وكل معارفك هيسمعوا صوتك وأنت بتهدد وتتوعد وبتتطاول عليا.. واختار بقى الطريقة اللي تحب تنهي بيها الحكاية.»
قام طارق من على الكنبة ببطء شديد، كأنه شايل جبل على كتافه. بصلي بصه أخيرة.. كانت مخلوطة بكرة شديد وخوف وندم. عرف إنه خسر الجولة، وخسر الحرب كلها.
«ماشي يا فريدة.. ماشي،» قالها وهو بيهز راسه بقلة حيلة. «عاوزة تطلقي؟ هطلقك.. بس افتكري إنك أنتِ اللي خربتي بيتك بإيدك، وبكرة تشوفي مين اللي هيعبرك بعد كدة.»
«دي مشكلتي أنا ومتقلقش عليا.. أنا معايا شقتي في الدقي، ومعايا شغلي، ومعايا احترامي لنفسي.. وده بالدنيا كلها.»
دخل الأوضة ولم هدومه في شنطة سفر كبيرة. كنت واقفة في الصالة أتابعه بهدوء وثبات. قفل السوستة بتاعة الشنطة ورزعها على الأرض، وخرج من باب الشقة من غير ما يبص وراه.
أول ما الباب اتقفل، أخدت نفس عميق جداً.. نفس طويل حسيت بيه بيبني خلايا صدري من جديد. الهوا كان طعمه حرية. بصيت على الأرض.. الطين والكسر بتوع الفخار كانوا لسه موجودين. جيبت المكنسة والجاروف وبدأت أكنسهم ببطء وعلى مهلي، ومع كل كنسة كنت بمسح خمس سنين من التعب والوجع والضغط النفسي.
القصة مش قصة شقة وفلوس.. القصة قصة كرامة وحدود حمراء محدش مسموح له يتخطاها. طارق مشي، وبكرة هبدأ صفحة جديدة في شقتي الصغيرة بالدقي.. شقة مساحتها خمسين متر بس، بس بالنسبة لي.. كانت أوسع من الدنيا بحالها.
يتبع

