السحر الاسود ج 2

## الفصل الثاني: فحيح في جدران البيت
البيت كله كان بيغلي، وصوت ضحكة “هبة” المستعارة، الخشنة اللي طالعة من حتة غريقة جوة صدرها، كانت بتشرخ الحيطة. الحارة برة بدأت تتلم على الصوت، والهمس زاد بين الجيران على السلم: “جرى إيه في بيت الحاجة أمينة؟ هو الصراخ ده جاية منين؟”
أنا كنت واقفة في نص الصالة، رجلي متسمرة في الأرض كأنها صابة خرسانة. عيني بتروح وتيجي بين هبة اللي قاعدة في الأرض بتلعب بالستان الأبيض بتاع القميص بضوافرها لدرجة إنه بدأ يتنسل في إيدها، وبين حماتي اللي مرمية على الكنبة بعد ما الجيران وأختها الكبيرة “الحاجة فوزية” قعدوا يفوقوا فيها ويرشوا على وشها مية وبصل.
أول ما أمينة فتحت عينها وزاغت في الأوضة، لقطتني واقفة. لقطت نظرة عيني اللي مابقاش فيها خوف، بقى فيها ذهول ممزوج بقرف. صرخت فجأة بأعلى صوتها وهي بتشاور عليا بصابعها اللي بيترعش:
* “أنتِ! أنتِ السبب! بنتي جرى لها إيه؟ عملتي في البت إيه يا ولاء يا بنت ميرفت؟”
كل العيون في الأوضة لفت وبصت لي. أختها فوزية قامت وقفت وحطت إيدها في وسطها: “جرى إيه يا بت يا ولاء؟ أنتِ دخلتي البيت ده بـ قَدَم نحس ولا إيه؟ البت كانت زي الوردة، إيه اللي شقلب حالها كده من ساعة ما دخلتي؟”
قبل ما أنطق أو أدافع عن نفسي، محمود جوزي دخل من باب الشقة زي الإعصار. كان راجع من شغله في الورشة على صوت الصرايح، هدومه عليها عفرة، ووشه عرقان ومخطوف. أول ما شاف أخته بالمنظر ده، وريقها الناشف على بوقها، وعينها اللي مقلوبة لفوق ومش شيفانا أصلاً، ركبه خانته ووقع على ركبه قدامها:
* “هبة! هبة يا حبيبتي ردي عليا.. أنا محمود أخوكي، فيه إيه؟ مالك يا فوزية؟ أمي مالها؟”
هبة ماردتش عليه بـ كلام يفهمه. لفت وشها ليه ببطء شديد، حركتها كانت غريبة، كأن رقبتها مفيهاش عضم، وبصت في عينه وضحكت نفس الضحكة الفحيح، وقالت بنبرة تخوف الطير الطاير:
* “محمود… الغالي… ابن أمينة. أمك سقتنا المر زمان، والنهاردة الشربات هيلف على الكل. القميص حلو قوي.. ناعم.. بس بيحرق.. بيحرق قوي يا محمود!”
محمود اتنفض لورا وكأن حية قرصته. بـ تلقائية عينه وقعت على القميص الأبيض اللي في إيدها، وبدأ يربط الكلام. ملامحه اتمسحت، والتفت لأمه اللي كانت بتعيط بـ حرقة وتلطم على فخاذها:
* “قميص إيه ده يا أمي؟ والبت مالها؟ حد يفهمني فيه إيه في البيت ده؟”
### المواجهة الصامتة تحت سقف واحد
البيت فضي شوية بعد ما الحاجة فوزية طلبت من الشغالين والجارات يخرجوا برة ويقفلوا الباب عشان “الفضيحة ما تطلعش للحارة”. قعدنا كلنا في الصالة الكبيرة. هبة نقلوها السرير في أوضتها بعد ما جسمها ساب خالص وبقت زي الجثة الميتة، بس عيونها فضلت مفتوحة بتبص للسقف وبتبرق.
محمود كان رايح جاي في الصالة، بيخبط كف على كف، وعينه حمرا زي الدم:
* “يعني إيه البت اتقلب حالها فجأة؟ يعني إيه الست مبروكة قالت لـ ولاء ده سحر أسود؟ أمي.. أنتِ عارفة حاجة عن القميص ده؟”
حماتي كانت قاعدة منكسرة، ضهرها اللي كان مفرود بالظلم والافترا انحنى، بس لسه جوة عيونها غل الدنيا. بصت للأرض وقالت بصوت مخنوق:
* “والمصحف ما أعرف يا ابني.. أنا شوفت القميص ده في أوضتها، قولت يمكن ولاء ادتهولها.. أنا هأذي بنتي؟ هأذي حتة من قلبي؟”
أنا مقدرتش أسكت. الشك اللي كان جوايا اترمى في وشها بكل قوة. قربت منها وقولت بصوت عالي سمعه محمود:
* “لأ يا حماتي! أنتِ عارفة القميص ده كويس.. وعارفة مين اللي جابه ومين اللي حط الخصلة السودة والخيط الصوف الأحمر جواه! نسيتي كلامك ليا في القاعة بالعباسية؟ نسيتي لما مسكتِ إيدي وقولتيلي فتحي عينك وخلي بالك من القميص الأبيض؟ أنتِ كنتِ مستنياني ألبسه ليلة دخلتي عشان أتهبل وأتجنن ومحمود يقرف مني ويسيبني!”
محمود وقف في مكانه كأنه مضروب بالنار. بص لأمه وبص لي:
* “كلام إيه ده يا ولاء؟ أمي تعمل كده؟ أنتِ اتجننتي؟”
* “اسألها يا محمود!” صرخت وأنا دموعي بتنزل من القهر. “اسألها القميص ده وصل أوضتي إزاي يوم الفرح؟ ومين اللي حط العمل جواه؟ أنا لما لقيت البلا ده، خبيته في الدرج ولـبست حاجة تانية.. والظاهر إن بنتك هبة دخلت شقتي في المطرية من ورايا، وسرقت القميص عشان عاجبها، ولبسته وهي مش فاهمة إن أمها عامله فيه سم هاري يهد البدن!”
حماتي رفعت راسها وعينها طقت شرار:
* “بتقولي على كبر سني بعمل سحر؟ يا فاجرة يا بنت الميرفت! أنتِ اللي جايبة العمل ده معاكي من بيت أمك عشان تخربي بيت ابني وتفرقي بيني وبينه!”
المناهدة زادت، ومحمود كان واقف في النص مشلول.. مش قادر يصدق إن أمه، الست الحاجة اللي بتروح وتيجي من الجوامع، ممكن تلمس القرف ده، وفي نفس الوقت شايف أخته بتموت في الأوضة التانية.
### سر الماضي القديم يظهر من جديد
الليل ليل، والحارة هديت برة، بس جوة البيت كان فيه حسيس غريب. محمود نزل يلف على دكتور أو شيخ يلحقنا بيه، ومبقاش في الشقة غيري أنا وحماتي وأختها فوزية، وقاعدين جنب سرير هبة اللي حرارتها بدأت ترفع بشكل مش طبيعي، وجسمها بينتفض وهي نايمة.
وفجأة، البت قعدت في السرير من غير ما تسند على إيدها.. قعدت خبطة واحدة كأن فيه خيط شدها لفوق. عيونها كانت زايغة، وبصت لحماتي “أمينة” وقالت بصوت هادي، بس الصوت ده كان له صدى مرعب جوة الأوضة:
* “فاكرة يا أمينة؟ فاكرة من عشرين سنة.. لما روحتي للدجال عبد المعبود في بلاد الجبل؟ فاكرة لما دبرتي العمل لـ ‘سعاد’ أخت جوزك المرحوم عشان تسقط وماتت بنزيفها؟”
الحاجة فوزية أول ما سمعت الاسم ده، شهقت وصوتت وكتمت بوقها بإيدها، ووشها بقى أبيض زي الحيطة. بصت لأختها أمينة وقالت بـ رعب:
* “يالهوي يا أمينة! السيرة دي اتفتحت تاني ليه؟ مش قفلنا الباب ده من عشرين سنة وقولنا البت ماتت بمرضها؟”
حماتي وقعت من طولها على السجادة جنب السرير، وبقت تزحف لورا وهي بتبص لهبة بـ فزع حقيقي، دموعها وعرقها سايحين على وشها:
* “لأ.. لأ مش هو.. عبد المعبود مات وشبع موت من زمان.. السحر ده معمول لـ ولاء.. مش ليكي يا هبة.. مش ليكي يا قلب أمك!”
الصوت الخشن اللي طالع من هبة ضحك وقهقه بـ نبرة تقطع القلب:
* “السحر اللي بيتكتب بـ دم القرايب، مابيروحش لـ غريب يا أمينة. الخدام اللي أنتِ صحيتيهم بـ خصلة الشعر عشان يخربوا بيت العروسة الجديدة، لقوا ريحة دمك في البيت.. ودمك هو هبة! الحق القديم رجع.. روح سعاد مش هترتاح إلا لما تشوف بيتك ده مهدود طوبة طوبة، وزي ما حرمتيها من ضناها، بنتك هتعيش لا وعية ولا دريانة بالدنيا!”
أنا كنت واقفة ساندة ضهري على الدولاب، وبسمع الكلام وأنا مش مصدقة. السحر الأسود اللي حماتي عملته ليا، صحى لعنة قديمة كانت مدفونة في البيت ده من عشرين سنة! الجريمة القديمة اللي حماتي عملتها في أخت جوزها عشان تخلص منها ومن ورثها، رجعت تفتح حسابها القديم، والضحية كانت “هبة”.. البنت البريئة اللي ملهاش أي ذنب غير إنها بنت أمينة.
### دخول محمود وبداية الانفجار
على الفجر، الباب انفتح ودخل محمود ومعاه الشيخ “عبد الستار”، راجل وقور من شيوخ الأزهر المعروفين بالصلاح في الحي. أول ما الشيخ عتب باب الشقة، وقف مكانه وقفل عينه وبدأ يقرا آية الكرسي بصوت جهوري.
البيت كله حس بـ هزة خفيفة، وصوت فحيح أو صفير مر بـ ممر الشقة وكأن فيه ريح شديدة دخلت من الشبابيك المقفلة. هبة جوة الأوضة بدأت تصرخ وتخبط راسها في الحيطة بـ عنف:
* “مش عايزينه! مش عايزينه يدخل هنا! مشوا الراجل ده من هنا!”
محمود جري على الأوضة وهو بيعيط: “الحقني يا شيخنا.. أختي بتموت، والبيت بيتهد علينا”.
الشيخ عبد الستار دخل الأوضة بكل ثبات، وبص لـ هبة وهي على السرير، وعينه لقطت القميص الأبيض اللي كان مرمي في الأرض ومتبهدل. الشيخ بصلنا وقال بنبرة صارمة:
* “البيت ده فيه أثر نجس.. وفيه سحر متجدد. السحر ده معمول بـ طلاسم مرض وخراب وشتات.. ومسقي بـ مية مش نظيفة. مين اللي عمل العمل ده ومين المقصود بيه؟”
أنا بصيت لـ محمود وقولت: “قوله يا محمود.. قوله على القميص اللي أمتك بعتتهولي ليلة دخلتي وفيه العمل.. قوله إن أختك لبسته بالغلظ والعمل لبسها هي!”
محمود التفت لأمه اللي كانت قاعدة في الأرض زي الفرخة المبلولة، مش قادرة ترفع عينها في ابنها. قرب منها ومسكها من كتافها وهزها بـ غل وعصبية أول مرة أشوفها فيه:
* “انطقي يا أمي! الكلام ده صح؟ أنتِ اللي عملتي كده؟ أنتِ اللي جبتي السحر ده لـ مراتي وبنتك لبسته؟ انطقي قبل ما البيت يتطربق علينا!”
أمينة بصت لابنها بـ ندم وكسرة، وصوتها كان طالع بالعافية:
* “كنت عايزاها تمشي يا محمود.. كنت عايزاها تكرهك وتكره البيت.. مكنتش أعرف إن هبة هتاخده.. مكنتش أعرف إن ذنب سعاد هيرجعلي في بنتي!”
محمود ساب كتاف أمه ووقعت في الأرض، وبص لها بـ نظرة صدمة وقرف عمري ما شوفتها في عيون ابن لأمه. رجع خطوتين لورا وكأنه مش طايق يلمس الهوا اللي هي بتتنفسه.
الشيخ عبد الستار طلب من محمود يجيب طبق فيه مية وملح خشن، وبدأ يقرا الرقية الشرعية بصوت عالي وبترتيل يهز القلوب. مع كل آية كان بيقراها، هبة كانت بتتلوى على السرير وتصرخ بصوت خشن ومرعب، وجسمها بيعرق لدرجة إن الهدوم اتبلت تماماً.
وفجأة، البت سكتت خالص.. وعينها قفلت، ووقعت على السرير كأنها قطعت النفس. محمود صرخ: “أختي ماتت يا شيخنا!”
الشيخ قال بـ هدوء: “اهدأ يا ابني.. دي غيبوبة خفيفة، العارض ساب الجسم مؤقتاً لإن المكان اتقرت فيه آيات الله.. بس السحر لسه متفكش!”
التفت الشيخ لينا وبص لـ حماتي وقال بـ نبرة حاسمة:
* “السحر ده من نوع خبيث، ومرتبط بـ عهد قديم وجريمة قديمة في البيت ده. وعشان البت دي تخف وترجع لـ عقلها، لازم الأثر الأصلي يتغسل بـ مية مقروء عليها برة البيت، ولازم الست دي” وشاور على حماتي “تقر بـ ذنبها القديم وتطلب السماح من أصحاب الحق، وإلا البنت دي عقلها هيروح ومش هترجع تاني للحياة!”
### الفصل الثالث قادم…
تفتكروا محمود هيعمل إيه مع أمه بعد ما اعترفت بـ جرمها القديم وجريمتها في حق مراته وأخته؟ وإيه هو السر الكامل لـ “سعاد” أخت أبوه اللي حماتي قتلتها بـ السحر من عشرين سنة؟ وإزاي الحارة كلها هتعرف بالفضيحة دي لما الشيخ يبدأ خطوات فك السحر الأسود في وسط البيت؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *