قـرض وخـراب بيـت ج 2 حكايات منـي الـسـيد

### **الفصل الثالث: تمن الحرية**
ريحة القهوة المظبوطة وصوت إذاعة القرآن الكريم بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، كانوا أول حاجة استقبلت إيمان لما فتحت عينيها تاني يوم. النور كان داخل من شباك أوضتها القديمة في بيت أبوها في مصر الجديدة، الأوضة اللي سابتها من تلات سنين وهي لابسة الفستان الأبيض، ورجعتلها إمبارح مكسورة الخاطر بس رافعة راسها.
بصت جنبها لقت “آدم” نايم في هدوء، ملامحه مرتاحة بعيد عن دوشة الزعيق والتوتر اللي كانت مالية شقة أبوه. على الباب، وقفت “الحاجة زينب”، والدة إيمان، بابتسامة حنونة وفي إيدها صينية الفطار.
— “صباح الخير يا حبيبة قلب أمك،” قالتها الحاجة زينب وهي بتحط الصينية على الكومودينو، وبتمسح على شعر إيمان. “نمتي كويس يا بنتي؟” حكايات مني السيد
— “أول مرة أنام من غير ما أبقى شايلة هم بكرة يا ماما،” إيمان اتنهدت بارتياح رغم الوجع اللي كان لسه مستخبي في نبرة صوتها.
محمود دخل الأوضة بعد ما خبط خبطتين خفاف، كان لابس قميص الشغل وماسك موبايله.
— “صباح الفل يا إيمو. أنا كلمت الأستاذ طارق المحامي بتاعنا، وشرحتله الموقف كله بالإيصالات اللي معاكي. طمني وقالي إن موقفك القانوني سليم ١٠٠٪، وإن مصطفى ملوش أي مخرج غير إنه يدفع، وإلا السجن مستنيه.”
إيمان هزت راسها وقالت بحسم:
— “أنا مش عايزة منه حاجة غير ورقة طلاقي، وإنه يسدد القرض اللي أمه دبستني فيه. أنا هبدأ من الصفر، هرجع شغلي بعد ما إجازة الوضع تخلص، وهعرف أربي ابني.”
#### **في جحيم الأجهزة الجديدة**
في الناحية التانية من المدينة، وتحديداً في شقة مصطفى، الوضع كان عامل زي الميتم. الكآبة كانت معششة في كل ركن. “ميرفت” كانت قاعدة على الكنبة، لافة طرحة على راسها وحاطة إيدها على خدها، بتبص للتلاجة السيلفر الجديدة والغسالة الأوتوماتيك اللي لسه بلمعتهم في الصالة، وكأنهم وحوش هتهجم عليها.
مصطفى كان رايح جاي في الصالة زي الأسد المحبوس، بيدخن سيجارة ورا التانية، وعينيه حمرا من قلة النوم والتفكير.
— “عاجبك كده يا أمي؟” صرخ مصطفى وهو بيرمي عقب السيجارة على الأرض وبيدوس عليه بغل. “بيتي اتخرب، مراتي وابني سابولي البيت، ومكتوب عليا شيكات وإيصالات بـ ٥٠ ألف جنيه والمفروض أسدد البنك أول الشهر! هجيب منين أنا كل ده؟”
ميرفت ردت بصوت ضعيف، المرة دي مفيش فيه أي نبرة غرور:
— “وأنا إيش عرفني إن العقربة دي هتوصلها للبوليس والمحاكم؟ أنا قلت دي غلبانة ومالهاش ضهر، هتبكي يومين وتسكت. وبعدين ما الأجهزة قدامك أهي، بيعها وسدد القرض يا أخويا!”
مصطفى ضحك ضحكة هستيرية، وفتح باب الشقة ودخل “المعلم سيد”، تاجر الأجهزة المستعملة اللي مصطفى جابه عشان يخلص من المصيبة دي.
المعلم سيد فضل يلف حوالين التلاجة والغسالة، يفتح الباب ويقفل، ويبص على المواتير، وبعدين مط شفايفه وقال ببرود:
— “بص يا أستاذ مصطفى، الأجهزة دي زيرو، بس الكراتين اتفتحت والضمان اتفعل. يعني بالنسبة للسوق، دي بقت ‘كسر زيرو’ ومستعملة. أنا آخري فيهم الاتنين ٢٥ ألف جنيه.”
— “٢٥ ألف إيه يا معلم؟!” صرخ مصطفى وهو بيضرب كف على كف. “دول لسه جايين إمبارح بـ ٤٠ ألف جنيه! إنت بتسرقني؟”
— “والله ده سعر السوق يا بيه، البضاعة اللي تخرج من المعرض تمنها ينزل النص. عاجبك ولا أشرب الشاي وأتوكل على الله؟”
مصطفى بص لأمه بحسرة، وبص للمعلم سيد، وهو عارف إنه مضطر يوافق عشان يجمع أي مبلغ يسد بيه أول قسط للبنك قبل ما محمود يقدم إيصال الأمانة للنيابة. وافق على البيعة، وخسر ١٥ ألف جنيه في غمضة عين، غير الفوايد اللي لسه بتعد عليه.
#### **محاولات فاشلة للترقيع**
بعد يومين، جرس الباب رن في بيت أهل إيمان. الحاجة زينب فتحت لقت “الحاج رضوان”، خال مصطفى، راجل كبير ومحترم، والوحيد في عيلتهم اللي ليه كلمة مسموعة.
دخل الحاج رضوان وقعد في الصالون، وإيمان طلعتله وهي شايلة آدم.
— “يا بنتي، البيوت أسرار، والراجل والست بيحصل بينهم أكتر من كده.” بدأ الحاج رضوان كلامه بنبرة هادية بيحاول بيها يمتص غضبها. “مصطفى غلطان من ساسه لراسه، وأمه ست جاهلة وطماعة، بس عشان خاطر حتة اللحم دي، إدينا فرصة تانية. هو باع الأجهزة وبيسدد القرض، ومستعد يكتبلك اللي إنتي عايزاه.”
إيمان بصت للحاج رضوان باحترام، بس عينيها كانت بتلمع بقوة وثبات مبيهزرش:
— “يا حاج رضوان، حضرتك على راسي، بس القصة مش قصة تلاجة ولا قرض. القصة قصة ‘أمان’. أنا كنت نايمة في بيتي، مآمنة لست المفروض إنها في مقام أمي، ولجوز المفروض إنه سندي. وهما الاتنين استغفلوني وسرقوني. الأمان لما بيتكسر يا حاج، مفيش غرا في الدنيا بيعرف يلزقه تاني. لو رجعت، هفضل طول عمري مخونة مصطفى، وهفضل خايفة أسيب موبايلي أو محفظتي في بيتي. دي عيشة ميرضاهاش ربنا.”
الحاج رضوان سكت، وبص للأرض. كان عارف إن كلامها كله حق، وإن ابن أخته مسبش لنفسه خط رجعة.
— “يعني ده آخر كلام يا بنتي؟ مفيش أمل للصلح؟”
— “آخر كلام يا حاج. يبعتلي ورقتي بالمعروف، ونتحاسب بما يرضي الله.”
#### **ساعة الحسم ونهاية المطاف**
مرت الأسابيع تقيلة، وأول الشهر جه. مصطفى قدر بالعافية يلم مبلغ القرض، بعد ما باع الأجهزة واستلف من صحابه في الشغل وباع صيغة أمه القديمة. راح البنك وسدد المديونية اللي باسم إيمان، وخد مخالصة رسمية.
تاني يوم، كان الميعاد في مكتب “الأستاذ طارق” المحامي.
الجو كان مشحون. إيمان قاعدة جنب محمود، لابسة طقم فورمال أنيق، وملامحها مرتاحة وواثقة. مصطفى دخل المكتب، وشه كان شاحب، خاسس، وباين عليه الانكسار الحقيقي.
المحامي راجع مخالصة البنك، واتأكد إن اسم إيمان بقى نضيف تماماً من أي ديون.
— “كده تمام يا أستاذ مصطفى،” قال المحامي وهو بيطلع ورق التنازل. “مدام إيمان هتتنازل عن إيصال الأمانة الخاص بالقرض، وهنبدأ في إجراءات الطلاق الودي واستلام حقوقها الشرعية كاملة والقايمة بتاعتها.” حكايات مني السيد
مصطفى مضى على ورق الطلاق وإيده بتترعش. لما رفع عينه وبص لإيمان، حاول يلاقي في عينيها أي نظرة حنين أو ندم، بس ملقاش غير جدار من اللامبالاة.
— “أنا آسف يا إيمان،” قالها بصوت مخنوق وهو بيقوم من على الكرسي. “أنا ضيعتكم من إيدي.”
إيمان ماردتش عليه. اكتفت بإنها مسكت المخالصة بتاعة البنك وورقة الطلاق، وطبقتهم بعناية وحطتهم في شنطتها. ده كان الرد الأبلغ والأقسى. الكلمة أحياناً بتبقى أرخص من إنها تتقال لواحد مبيعرفش قيمتها. متوفرة على روايات و اقتباسات
#### **بداية جديدة**
بعد شهر من الطلاق الرسمي، إيمان كانت واقفة قدام المراية في أوضتها ببيت أهلها. كانت بتظبط هدومها وتجهز نفسها لأول يوم شغل بعد انتهاء إجازة الوضع.
آدم كان قاعد على السرير بيضحك وبيلعب بدبدوب صغير، صوت ضحكته كان مالي الأوضة حياة. إيمان لفت وراحتله، شالته وباسته من خده الطري. متوفرة على روايات و اقتباسات
— “النهاردة بداية جديدة يا بطل،” همستله وهي بتبتسم من قلبها. “ماما هتنزل تبني مستقبلنا، مستقبل مفيهوش كدب، ومفيهوش استغلال. إحنا الاتنين وبس.”
فتحت باب الأوضة وخرجت للصالة، لقت محمود ومامتها مستنيينها عشان يفطروا سوا قبل ما تنزل. ريحة القهوة كانت لسه بتملى المكان، بس المرة دي، إيمان مكنتش بتشم فيها بس ريحة البن، كانت بتشم ريحة الكرامة، والحرية، والقدرة على إنها تقول “لأ” في الوقت المناسب.
قفلت باب الشقة وراها، ونزلت السلم بخطوات ثابتة وسريعة، خطوات واحدة عارفة طريقها كويس ومستعدة تواجه الدنيا كلها، وهي كسبانة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *