قـومي فـزي يلا شـوفي أمي وغـيريلها ج 2 حكايات مني السيد

الـفـصـل الـثـالـث:
الـسـاعـة كـانـت مـاشـيـة عـلـى خـمـسـة الـصـبـح، والـدنـيـا بـرة كـانـت لـسـه مـكـحّـلـة والـسـمـا لـونـهـا كـحـلـي غـامـق بـيـبـدأ يـفـتـح بـالـرّاحـة مـن نـاحـيـة الـشـرق. الـمـطـر الـلـي كـان نـازل رزع طـول الـلـيـل قـطـع، بـس سـاب وراه شـوارع مـبـهـدْلـة، مـيـة مـرِكّـمـة في نـقـر الأسـفـلـت، ورشـاش مـيـة سـاقـع بـيـطـلـع كـل مـا عـربـيـة نـقـل تـعـدّي عـلـى الـطـريـق الـعـمـومـي مـن بـعـيـد. الـحـارة كـانـت لـسـه نـايـمـة، مـفـيـش غـيـر نـور عـمـود الـشـارع الـلـي بـبيـتـهـا عـلـى الـطـريـق الـعـمـومـي مـن بـعـيـد. الـحـارة كـانـت لـسـه نـايـمـة، مـفـيـش غـيـر نـور عـمـود الـشـارع الـلـي بـيـتـهـز مـع الـهـوا، وصـوت عـوا كـلـب ضـال كـان بـيـدَوّر عـلـى دَفـا تـحـت عـربـيـة مـرـكـونـة.
جـوّه الـشـقـة، أمـل كـانـت صـاحـيـة مـن قـبـل الأدان. مـعـرفـتـش تـغـمّـض عـيـنـهـا أكـثـر مـن سـاعـة عـلـى بـعـضـهـا. الـنـوم لـمّـا يـهـرب مـن عـيـن الـسـت الـمـظـلـومـة بـيـبـقـى زي الـغـريـب الـلـي مـالـوش صـاحـب. قـامـت مـن عـلـى الـسـريـر، جـسـمـهـا كـان مـدّشـدش كـأنـهـا كـانـت بـتـهـدّ جـبـل، بـس الـقـرار جـوّه دمـاغـهـا كـان نـاشـف وزي الـحـديـد.
مـشـيـت في الـصـالـة بـالـرّاحـة عـلـى أطـراف صـوابـعـهـا عـشـان مـتـعـمـلـش صـوت يـصـحّي الـحـاجـة فـاطـمـة. الـصـالـة كـانـت سـاقـعـة تـلـطـش في الـعـضـم، ونـور الـتـلـفـزيـون الـلـي سـابـه جـلال شـغـال كـان لـسـه بـيـرعـش زرقـان عـلـى الـحـيـطـان كـأنـه بـيـعـلـن عـن لـيـلـة خـلـصـت ومـش هـتـرجـع. بـصّـت عـلـى كـرسـي جـلال الـفـاضـي، والـجـاكـتـة الـلـي مـش مـوجـودة، وعـرفـت إنـه مـرجـعـش مـن تـحـت. نـفـخـت بـالـرّاحـة، تـنـهـيـدة طـولـهـا عـمـر بـحـالـه، ودخـلـت الأوضـة تـجـيـب الـشـنـطـة.
الـشـنـطـة كـانـت شـنـطـة جـلـد بـنّـي مـقـشّـرة مـن الـجـنـاب، مـن بـتـوع الـجـهـاز بـتـاعـهـا مـن تـلاتـة وعـشـرين سـنـة. فـتـحـت الـسـوسـتـة الـلـي عـمـلـت صـوت مـبـحـوح، وبـدأت تـحـط هـدومـهـا.. عـبـايـتـيـن خـروج سـود، كـام طـرحـة مـكـويـة، والـغـيـارات الـمـهـمـة. مـمـخـدتـش حـاجـة زيـادة، ولا فـكّـر تـأخـذ حـاجـة مـن الـبـيـت. كـل الـلـي كـان هـامـمـهـا تـأخـذ نـفـسـهـا الـلـي ضـاع هـنـا.
وهـي بـتـقـفـل الـشـنـطـة، سـمـعـت صـوت حـركـة في الـطـرَقـة. صـوت سـحـلـبـة جـزمـة جـلال الـتـقـيـلـة.
الـبـايـب اتـفـتـح بـالـرّاحـة، ودخـل جـلال الـصـالـة. وِشّـه كـان دابـل، عـيـنـه مـحـمّـرة مـن قـلّـة الـنـوم ومـن د خـان الـسـجـايـر الـلـي شـربـه طـول الـلـيـل في الـورشـة. ريـحـتـه كـانـت جـاز وشـحـم مـخـلـوط بـسـاقـعـة الـفـجـر. بـصّ عـلـى أوضـة الـنـوم، لـقـى الـنـور مـنـوّر، وأمـل واقـفـة في الـصـالـة ومـعـاهـا الـشـنـطـة الـبـنّـي الـمـقـفـولـة ومـحـطـوطـة عـلـى الـكـنـبـة.
وقـف الـوقـت ده في مـكـانـه، حـط إيـده في جـيـوب الـبـنـطـلـون، وبـص لـلـشـنـطـة بـنـظـرة فـيـهـا غـل مـكـتـوم بـس مـعـجـون بـقـلّـة حـيـلـة.
— أنـتِ بـجـدّك كـده يـا أمـل؟ — صـوتـه طـلـع مـشـروخ ومـمبـحـوح مـن الـبـرد — هـتـمـشـي فـعـلاً؟ الـنـهـار لـسـه مـمـطـلـعـش، والـنـاس لـو شـافـtـك خـارجـة بـالـشـنـطـة دي في الـوقـت ده هـتـقـول عـلـيـنـا إيـه؟ فـضـيـحـتـنـا هـتـبـقـى بـجـلـاجـل في الـحـارة.
أمـل بـصّـت لـه، وهـي بـتـلِفّ الـطـرحـة الـسـمـرا حـوالـيـن رَقـبـتـهـا وتـثـبّـتـهـا بـالـدبـوس. نـظـرتـهـا كـانـت فـيـهـا كـمـيـة هـدوء خـلّـت جـلال يـتـرعـش مـن جـوّه.
— الـنـاس مـمـبـتـأكـلـنـاش عـيـش يـا جـلال، ولا كـانـت بـتـقـوم مـعـايـا الـفـجـر تـشـيـل أمـك — ردت وهي بـتـسـحـب شـنـطـتـهـا الـصـغـيـرة بـتـاعـت الـإيـد — الـنـاس لـمّـا بـتـشـوف جـنـازة بـتـتـفـرّج، ولـمّـا بـتـشـوف فـرح بـتـتـفـرّج، وأنـا مـبـقـاش فـيـا حـيـل أصـرف عـمـري عـشـان فـرجـة الـنـاس. أنـا مـاشـيـة، والـأدان بـيـأدن أهـو، يـعـنـي طـريـقـي أخـضـر إن شـاء الله.
جـلال خـد خـطـوة نـاحـيـتـهـا، كـان عـايـز يـمـسـك الـشـنـطـة يـرمـيـهـا، يـزعـق، يـمـارس تـحـكّـمـه الـلـي عـاش بـيـه، بـس رجـلـيـه كـانـت تـقـيـلـة. شـاف في عـيـنـهـا حـاجـة غـريـبـة.. شـاف إن الـخـوف مـنـه مـات، ولـمّـا الـخـوف يـمـوت في قـلـب الـسـت، مـمفـيـش راجـل في الـدنـيـا يـقـدّر يـلـوي دراعـهـا.
— طـب وأمـي؟ — قـالـهـا بـنـبـرة طـلـعـت غـصـب عـنـه فـيـهـا اسـtـعـطـاف مـمـداري — أمـي الـعـيـانـة جـوّه دي.. هـسـيـبـهـا لـمـيـن؟ أنـا نـازل الـورشـة الـسـاعـة سـبـعـة، ومـعـايـا تـسـلـيـم عـربـيـة لـلـمـعـلّـم مـصـطـفـى، لـو مـخـلـصـtـش هـتـخـرب بـيـتـي. هـسـيـب الـسـت مـمـرمـيـة لـوحـدهـا؟ مـمـيـن هـيـديـهـا الـدوا؟ مـمـيـن هـيـعـمـل لـهـا الـلـقـمـة؟
أمـل وقـفـت عـنـد بـاب الـشـقـة، مـسـكـت الـأكـرة الـحـديـد الـسـاقـعـة، والـتـفـتـت لـه:
— أمـك لـهـا ابـن مـن بـطـنـهـا هـو الـلـي يـشـيـلـهـا يـا جـلال. يـا إمّـا تـكـلّـم إخـواتـك الـبـنـات يـجـوا يـقـسـمـوا الـأيـام مـعـاك، يـا إمّـا تـصـرف مـن جـيـبـك وتـجـيـب لـهـا مـمـمـرّضـة بـالـأجـر تـرعـاهـا. أنـا شـيـلـt تـلاتـة وعـشـرين سـنـة لـوحـدي، ولـمّـا تـعـبـt وحـبـيـt أرْتـاح، اتـقـالّـي إنـي خـدامـة مـش بـتـأكـل مـمـنـافـعـهـا. شـوف حـالـك بـقـى، وحـس بـالـلـقـمـة الـلـي كـنـت بـتـأكـلـهـا والـلـقـمـة الـلـي كـنـت بـتـرمـيـهـا.
في الـلـحـظـة دي، صـوت الأدان بـدأ يـعـلـى مـن الـمـسـجـد الـلـي في آخـر الـشـارع. صـوت الـشـيـخ كـان جـهـوري وبـيـهـز صـمـت الـفـجـر: “الـصـلـاة خـيـر مـن الـنـوم.. الـصـلـاة خـيـر مـن الـنـوم”.
ومـع صـوت الأدان، جـاي مـن جـوّه الأوضـة صـوت الـحـاجـة فـاطـمـة وهي بـتـنـادي: “يـا جـلاااال.. يـا ابـنـي.. الـهـانـم مـمـشـيـت ولا لـسـه؟ تـعـالـى شـوفـهـا وهي بـتـتـسـحّـب مـن وراك.. تـعـالـى يـا جـلال!”.
جـلال بـص لـجـوّه وبـص لأمـل. الـمـوقـف كـان مـقـسـوم حـتّـتـيـن: أمـه الـلـي بـتـصـرّخ ومـمـحـتـاجـاه جـوّه، ومـمـراتـه الـلـي فـتـحـت بـاب الـشـقـة وخـلاص جـايـة تـخـرج. حـس إن الـحـيـطـان بـتـقـرّب عـلـيـه وتـطـبـق عـلـى نـفـسـه.
— أمـل.. عـشـان خـاطـر الـبـنـات.. — قـالـهـا الـمـرّة دي بـصـوت مـمـكـسـور فـعـلاً، كـبـريـاء الـرّاجـل داب كـلـه في ثـانـيـة.
بـس أمـل خـرجـt الـبـسـطـة بـتـعـا t الـسـلّـم، وسـحـبـt الـشـنـطـة وراهـا.
— الـبـنـات اتـجـوّزوا وعـمـلـوا بـيـوت يـا جـلال، وهـمّـا عـالـفـيـن أمـهـم اسـtـحـمـلـt إإيـه. الله يـسـهّـلّـك يـا ابـن الـنـاس.
وقـفـلـt الـبـاب وراهـا.
صـوت قـفـلـة الـبـاب نـزل عـلـى جـلال زي الـقـضـا الـمـسـtـعـجـل. الـبـيـت فـجـأة بـقى فـاضـي، رغـم إن أمـه جـوّه وعـمّـالـة تـنـادي، بـس الـرّوح الـلـي كـانـت مـمـمـشـيـة الـحـيـطـان خـرجـt مـع الـقـفـلـة دي. نـزل جـلال عـلـى ركـبـه في الـصـالـة، مـمـسـك راسـه، وحـس بـالـدّوخـة بـتـاكـل في دمـاغـه. الـسـيـجـارة الـلـي في إيـده كـانـت خـلـص ولـسـه صـوابـعـه، رمـاهـا عـلـى الـأرض بـعـصـبـيـة وداس عـلـيـهـا بـجـزمـtـه.
“يـا جـلاااال.. أنـت مـمـبـتـرّدش لـيـه يـا ابـنـي؟ هـي مـمـشـيـت؟ غـارت في داهـيـة الـلـي تـأخـذْهـا.. تـعـالـى يـا حـبـيـب أمـك عـدّل لـي الـمـخـدّة..”.
قـام جـلال بـتـثـاقـل، ودخـل أوضـة أمـه. الـسـت الـكـبـيـرة كـانـت بـتـبـص لـلـبـاب بـtـشـفّـي وفـرحـة صـغـيـرة، فـاكـرة إنـهـا انـtـصـرت الـمـرّة دي كـمـان، وإن الـبـيـت خـلـى لـهـا ولِابـنـهـا الـلـي تـعـب فـيـه. بـس لـمّـا بـصّـt في وِش جـلال، الـفـرحـة دي طـارت.
جـلال مـمـكـانـش جـلال الـلـي بـيـزعـق ويـطـيـح. كـان وِشّـه أصـفـر كـمـونـي، وعـيـنـه تـايـهـة.
— مـمـشـيـت يـا أمـي.. — قـالـهـا وهو بـيـقـعـد عـلـى طـرف الـسـريـر بـهـمـدان — مـمـشـيـت وخـلّـت الـدنـيـا فـاضـيـة.
— تـغـور يـا ابـنـي.. الـبـلاد مـممـلـيـانـة سـتـات، وألـف مـمـيـن تـتـمـنّـاك.. — قـالـtـهـا الـحـاجـة فـاطـمـة وهي بـتـحـاول تـطـبـطـب عـلـى كـتـفـه بـإيـدهـا الـمـر تـعـشـة.
جـلال بـص لـإيـد أمـه، وبـعـديـن بـص لـلأرض وقـال بـمـرارة:
— ألـف مـمـيـن تـتـمـنّـانـي في الـوَرشـة والـشـقـا يـا أمـي؟ بـس مـمـفـيـش ألـف مـمـيـن تـشـيـل الـطـشـt وتـمـسـح الـأرض وتـغـسـل الـهـدوم وتـسـtـحـمـل الـکـلـمـة الـلـي تـقـطـم الـرّقـبـة مـن غـيـر مـا تـنـطـق. الـسـت الـلـي مـمـشـيـت دي كـانـت شـايـلانـا الـإتـنـيـن وعـامـلـة لـلـبـيـت ده حـسّ.. الـنـهـاردة أنـا الـلـي هـقـعـد بـيـكِ، ومـش عـالـف الـسـاعـة سـبـعـة لـمّـا تـيـجـي هـنـزل الـوَرشـة إزاي وأسـيـبـك كـده.
الـحـاجـة فـاطـمـة لـفّـt وِشّـهـا لـلـحـيـطـة وسـكـtـت. الـمـرّة دي الـسـكـوت كـان تـقـيـل، لـأن الـکـلـام نـقـر في عـقـلـهـا، وعـلـفـt إن الـنـصـر الـلـي فـکـرّت نـفـسـهـا عـمـلـtـه كـان خـراب عـلـى بـيـت ابـنـهـا الـوحـيـد.
عـلـى الـنـاحـيـة الـتـانـيـة، كـانـت أمـل نـزلـt الـشـارع. الـهـوا الـسـاقـع بـتـاع الـفـجـر لـطـش في وِشّـهـا، بـس مـمخـلّـهـاش تـtـكـمـش مـن الـبـرد؛ بـالـعـكـس، حـسّـت بـالـنـفـس بـيـدْخُـل صـدْرهـا صـافي ونـظـيـف. مـمـشـيـt في الـحـارة والـشـنـطـة الـبـنّـي بـtـعـمـل صـوت تـقـيـل عـلـى الـأرض الـمـبـلـولـة.
وصـلـt لـأول الـشـارع الـعـمـومـي، وقـفـt تـسـtـنّـى عـربـيـة مـمـيـكـروبـاص تـأخـذْهـا عـلـى مـممـوقـف عـبّـود عـشـان تـرکـب مـن هـنـاك لـأوسـيـم عـنـد بـنـtـهـا. الـشـارع كـان لـسـه فـاضـي، والـنـور الـأبـيـض بـتـاع الـصـبـح بـدأ يـشـقّ الـسـمـا بـالـرّاحـة.
وقـف مـمـيـكـروبـاص تـويـوتـا أبـيـض، الـسـوّاق حـطّ راسـه مـن الـشـبّـاك وقـال: “عـبّـود يـا حـاجّـة؟”.
أمـل هـزّت راسـهـا وقـالـت: “آه.. عـبّـود يـا ابـنـي”.
الـسـوّاق نـزل بـالـرّاحـة، خـد مـمنـهـا الـشـنـطـة الـتـقـيـلـة وحـطّـهـا في الـشـنـطـة ورا، وقـال لـهـا بـأدب: “اتـفـضّـلـي ارْكـبـي يـا أمّـي.. الـجـو سـاقـع بـرة”.
كـلـمـة “يـا أمّـي” و طـريـقـة الـمـمـعـامـلـة الـلـي فـيـهـا أدب خـلّـت قـلـبـهـا يـرْفـرف. ركـبـt في الـكـنـبـة الـتـانـيـة جـنـب الـشـبّـاك، وسـنـد t راسـهـا عـلـى الـأزجـاج الـلـي عـلـيـه شـبّـورة مـن الـسـاقـعـة. الـعـربـيـة تـحـرّكـt، وبـدأ الـشـارع الـقـدِيـم بـtـاعـهـا، بـالـبـيـت، بـالـوَرشـة، بـالـأعـمـار الـلـي ضـاعـt في الـهـد والـبـنـا، يـبـعـد ويـصـغـر في الـمـمـرايـة لـحـد مـا اخـtـفـى تـمـامـاً.
لـمّـا الـسـاعـة جـt سـبـعـة الـصـبـح، الـحـارة كـانـt صـحـيـt بـالـكـامـل. الـبـيـاعـيـن بـدءوا يـفـرشـوا الـخـضـار، وصـوت بـtـاع الـفـول والـطـعـمـيـة كـان مـممـطـلّـع ريـحـة الـتـقـلـيـة الـسـخـنـة الـلـي بـtـجـري الـريـق في الـبـرد.
جـلال نـزل مـن الـسـلّـم. مـممـكـانـش لـا بـس الـجـاكـتـة الـمـمـكـويـة ولا كـان نـظـيـف زي كـل يـوم. كـان طـالـع بـهـدوم الـشـغـل عـلـى طـول، وِشّـه مـمـخـطـوف، والـهـالات الـسـمـرا تـحـت عـيـنـه مـمـخـلّـيـاه شـبـه الـعـيـانـيـن. فـتـح بـاب الـوَرشـة الـصـاج الـلـي عـمـل نـفـس الـصـوت الـمـمـزعـج، ودخـل وقـف وسـط الـعـدد والـمـممـفـكّـات.
الـصـبـي بـtـاعـه “حـمـادة” دخـل الـوَرشـة جـري، شـايـل في إيـده كـوبـايـتـيـن شـاي سـخـن في خـمـسـيـنـة، وقـال بـنـشـاط عـيـال صـغـيـرة: “صـبـاح الـفـل يـا أسـطـى جـلال.. الـمـعـلّـم مـمصـطـفـى بـعـت عـيـل بـيـقـول الـعـربـيـة هـtـخـلـص عـلـى الـضـهـر ولا إيـه؟”.
جـلال مـممـبـصّـش لـلـشـاي، قـعـد عـلـى الـكـرْسـي الـخـشـب، ومـمسـك مـممـفـك تـقـيـل وقـال بـصـوت مـممـكـtـوم: “حُـط الـشـاي يـا حـمـادة.. وهـات الـعـدّة عـشـان نـفـور الـمـممـوتـور.. الـنـهـاردة يـومـنـا طـويـل وقـاسـي”.
حـمـادة بـص لـأصـطـاه بـاسـtـغـراب، كـان مـممـتـعـوّد إن الـأسـطـى جـلال بـيـنـزل الـصـبـح يـجـعـر ويـشـtـم ويـقـلـب الـوَرشـة، بـس الـنـهـاردة الـهـدوء الـلـي فـيـه كـان بـيـخـوّف. حـط الـشـاي وسـكـت وبـدأ يـنـاوِلـه الـمـممـفـاتـيـح.
وفي نـفـس الـوخـت ده، في أوسـيـم.. الـشـقـة بـtـاعـt فـاطـمـة بـنـt أمـل كـانـt دافـيـة ونـظـيـفـة. صـوت إذاعـة الـقـرآن الـكـريـم كـان شـغـال في الـبـلـكـونـة بـصـوت الـشـيـخ عـبـد الـبـاسـط عـبـد الـصـمـد.
أمـل كـانـt قـاعـدة عـلـى الـكـنـبـة، وحـاطّـه في حـجـرها ابـن بـنـtـهـا الـصـغـيـر “مـمـحـمـود”، عـيـل عـنـده سـنـtـيـن، عـمّـال يـلـعـب بـصـوابـعـهـا ويـضـحـك بـبـراءة تـفـtـح الـنـفـس. بـنـtـهـا فـاطـمـة خـرجـt مـن الـمـممـطـبـخ شـايـلـة صـيـنـيـة فـيـهـا كـوبـايـتـيـن شـاي بـالـلـبـن وفـطـيـر مـمـشـلـتـت سـخـن ريـحـtـه سـمـنـة بـلـدي تـرّد الـرّوح.
حـطّـt الـصـيـنـيـة، وقـعـدت جـنـب أمـهـا، بـاسـt إيـدهـا وقـالـt بـحـنـيـة مـممـفـيـش بـعـد كـده:
— نـوّرتـي بـيـtـك يـا أمّـي.. والله الـبـيـt مـن غـيـر وِشّـك مـممـكـانـش لـه طـعـم. اقـعـدي وارْتـاحـي، والـلـي تـعـوزيـه تـشـاوري عـلـيـه بـإصـبـعـك، كـفـايـة شـقـا عـلـيـكِ لـحـد كـده يـا حـبـيـبـتـي.
أمـل بـصّـt لـبـنـtـهـا، وخـدّت نـفـس عـمـيـق، وحـسّـt إن الـلـمـقـمـة الـلـي هـتـأكـلـهـا هـنـا، رغـم إنـهـا بـسـيـطـة، بـس فـيـهـا كـرامـة وآدمـيـة كـانـt مـممـحـرومـة مـمنـهـا. الـدمـوع رغـرغـt في عـيـنـهـا بـس الـمـرّة دي دمـوع راحـة ومـش دمـوع قـهـر.
— الـبـيـt مـممـنـوّر بـأصـحـابـه يـا بـنـتـي — ردت وهي بـتـعـدّل الـعـيّـل في حـجـرها — الـحـمـدلله عـلـى كـل حـال.. الـمـممـهـم إن الـواحـد خـرج بـنـفـسـه طـاهـرة ومـش ظـالـم حـد.
الـمـممـقـفـل في الـبـيـt الـقـدِيـم في الـحـارة كـان مـمـخـتـلـف. جـلال طـلـع مـن الـوَرشـة عـلـى الـضـهـر بـعـد مـا خـلّـص الـعـعـربـيـة بـالـعـعـافـيـة. طـلـع الـسـلّـم بـجـسـم هـمـدان، ومـمعـاه كـيـس فـيـه عـيـش وفـول وعـلـبـة لـنـبـن عـشـان أمـه. فـتـح بـاب الـشـقـة، ودخـل.. الـصـالـة مـممـتـرّبـة، الـمـمـواعـيـن بـtـاعـt الـعـعـشـا بـtـاع إمـبـارح لـسـه في الـحـوض عـلـى حـطّـtـهـا، والـبـيـt فـيـه ريـحـة كـمـمـكـمـة وسـاقـعـة تـخـنـق.
دخـل أوضـة أمـه، لـقـاهـا عـمّـالـة تـئـن بـصـوت واطـي. قـرّب مـمنـهـا، حـط الـأكـل عـلـى الـكـمـوديـنـو، وبـص لـهـا:
— عـايـزة حـاجـة يـا أمـي؟ — قـالـهـا بـصـوت تـعـبـان.
— عـايـزة عـلـبـة الـمـمـنـادـيـل مـن بـرة يـا جـلال.. وعـايـزة الـغـيـار يـتـشـاف عـشـان بـدأ يـضـايـقـنـي تـانـي.. — قـالـtـهـا بـصـوت فـيـه حـرج وخـوف الـمـرّة دي مـن رّد فـعـلـه.
جـلال لَفّ ضـهـره وخـرج يـجـيـب الـمـمـنـادـيـل. وقـف في نـص الـصـالـة، وبـص لـلـحـيـطـان الـلـي عـلـيـهـا صـور فـرحـهـم وصـور بـنـاتـهـم. حـس بـالـو حـدَة الـقـاتـلـة بـtـنـزل عـلـى ضـهـره زي الـسـاطـور. هـو عـالـف إنـه مـممـقـدّر يـسـtـحـمـل الـيـوم بـالـعـافـيـة، بـس هـيـعـمـل إيـه بـكـرة؟ وبـعـد بـكـرة؟ و الـشـهـر الـجـاي؟ الـعـعـمـر الـلـي بـاقي هـيـمـشـي إزاي في الـسـاقـعـة دي؟
الـحـقـيـقـة الـلـي الـبـيـt ده عـلـفـهـا الـنـهـاردة إن مـمـفـيـش حـاجـة بـtـمـشـي مـن غـيـر الـرّوح الـلـي بـtـطـبـخ وتـغـسـل وتـشـيـل بـالـأصـول مـن غـيـر مـا تـشـوف حـتّـى كـلـمـة حـلـوة. أمـل خـدت كـرامـtـهـا ومـمـشـيـt في سـکّـtـهـا، وجـلال قـعـد في الـمـممـكـان الـلـي فـکّـر نـفـسـه سـيّـده، بـس لـقـى نـفـسـه غـريـق وسـط الـtـفـاصـيـل الـصـغـيـرة الـلـي كـان بـيـسـtـهـتـر بـيـهـا طـول عـمـره.
والـشـمـس عـلـيـt في الـسـمـا بـالـكـامـل، وبـقـt مـمـنـوّرة بـيـt طـلـعـt مـمنـه الـرّوح و بـيـt تـانـي بـtـبـدأ فـيـه حـيـاة جـديـدـة مـع شـقـشـقـة الـنـور.. والـطـريـق الـلـي اتـقـسـم نـصـيـن مـمبـقـاش فـيـه خـط مـن الـرجـوع.
