جـحيم عنبـر ج 2 حكايات مني السيد

## الفصل الثالث
الخيالين بقوا تلاتة.. والتلاتة بقوا بيتحركوا في الممر الضيق اللي بين السراير الحديد بـ خطى مسموعة ليا أنا بس. السجينات اللي حواليا في العنبر كانوا نايمين، أو عاملين نفسهم نايمين.. في السجن، لما تسمع خروشة بالليل، أحسن لك تغطي راسك باللحاف وتعمل نفسك ميت، عشان متصحاش تلاقي نفسك مكان اللي عليه الدور.
اللمبة الصفرا الضعيفة اللي في أول الممر كانت بتعكس ظلهم على الحيطة المقشرة.. الظل كان طالع طويل وموجوج، زي شياطين بتتسحب. متوفرة على روايات و اقتباسات
كنت شايفة لمعة الحديد المسنون في إيد البت اللي قادمة في الأول.. دي كانت “شـهيرة”، واحدة من شلة سوسو، ست عريضة ومنكوشة الشعر، وشها فيه علامة قديمة بـ قطر من أيام بره. شهيرة مكنتش جاية تضرب بس، دي كانت جاية تدبح عشان ترجع هيبتها اللي اتهزت الصبح، وعشان ترضي “المعلمة فايزة” وتثبت لها إنها لسه الدراع اللي بيتسند عليه.
قربوا من السرير بتاعي.. السرير كان في الدور التاني، يعني عالي عن الأرض بحوالي متر ونص. شهيرة وقفت تحت السرير علطول، رفعت إيدها اللي فيها السل*اح المسنون، وبدأت ترفع رجلها على حديد السرير عشان تطلع لي وهي بتكتم نفسها.
أنا كنت نايمة على ضهري، إيديا الاتنين تحت راسي، وعيوني مفتوحة على الآخر في الضلمة.. مكنتش خايفة، بالعكس، ضربات قلبي كانت أهدى من ضربات قلب عيل صغير نايم في حضن أمه. الإحساس ده بقاله سنين معايا.. الخوف بيموت جواك لما بتعرف إنك مابقاش عندك حاجة تخسرها. أنا بنتي ضاعت، وعمري ضاع، والناس اللي بره فكروا إنهم دفنوني هنا.. فاللي واقفة تحت السرير دي بالنسبالي مكنتش تهديد، دي كانت مجرد خطوة في السلم اللي هطلع عليه لـ فايزة.
أول ما راس شهيرة بدأت تظهر من فوق مرتبة السرير، وعينها جت في عيني واكتشفت إن أنا صاحية ومستنياها.. عيونها وسعت من المفاجأة. مالحقتش تطلع صوت.
قبل ما تحرك إيدها بالسكينة، كنت لفيت جسمي بـ مرونة وسرعة زي السوستة، ورجلي اليمين اطلقت في الهوا زي المرزبة.. كعب رجلي نزل بكامل عزم جسمي في نص وشها.
الصدمة كانت مكتومة وقوية.. صوت كسر مناخيرها سمعته بوضوح وسط السكون. شهيرة اترمت لورا، ووقعت على ضهرها على الأرض الخرسانية الناشفة.. ال/س*لاح طار من إيدها وعمل صوت رنة عالية على الأرض الصاج.
البتين اللي معاها اتسمروا في مكانهم.. مكنوش متوقعين إن الليلة هتبدأ كدة.
أنا منزلتش من على السرير براحة.. أنا رميت جسمي كله لفوق ونزلت واقفة على رجليا الاتنين في الممر الضيق، بالظبط بين البت التانية والبت التالتة.. الحركة دي خلتهم يتفاجئوا وميعرفوش يضربوا فين.
البت اللي على شـمالي حاولت تلف وتغزني في جنبي.. الحركة بتاعتها كانت عشوائية وغبية، حركت الشوارع اللي بتعتمد على الغشومية مش التدريب. ميلت وسط لورا، السكينة عدت من قدام بطني بـ مليمترات.. مسكت معصم إيدها اللي فيه الس*لاح بـ إيدي الشمال، ولويت دراعها لورا بـ حركة سريعة لغاية ما كتفها طقطق وصوت صرخة مكتومة طلع من بؤها.. وبـ كوع إيدي اليمين، ضربتها ضربة قوية في ضهر رقبتها، من الحتة اللي بتفصل الجمجمة عن العمود الفقري.. البت ركبتها خانتها واتكفت على وشها جمب شهيرة اللي كانت بتنزف دم وتتلوى على الأرض.
الفاضلة التالتة كانت واقفة، السكينة في إيدها بتترعش.. بصت لـ صاحبتها اللي نايمين في الأرض، وبصت لي أنا.. النور الأصفر الضعيف كان جاي على وشي.. وشي اللي مكنش فيه أي تعبير، لا غضب، ولا غل، ولا حتى نهجان.
قربت منها خطوة.. البت رجعت خطوة لورا وخبطت في السرير الحديد اللي وراها.. السكينة وقعت من إيدها من كتر الرعب، ورجلها ملقيتش حتة تروح فيها.. نزلت على ركبها على الأرض، وفضلت تبص لي وهي بتهز راسها يمين وشمال، ودموعها نازلة من غير صوت.. كانت بتترجاني بعيونها عشان مأذيهاش.
وطيت الأرض، مسكت السكينة المسنونة اللي وقعت منها.. وبصيت للبت وقولت بصوت واطي زي فحيح الساحر:
ـ ارفعي صاحباتك دول.. وخدوهم واطلعوا بره.. مش عايزة أشوف وش واحدة فيكم في العنبر ده لحد ما الصبح يطلع.. سامعة؟
البت هزت راسها بسرعة جنونية، وبدأت تسحب في شهيرة والبت التانية اللي كانوا شبه مغمي عليهم من الألم.. فتحوا الباب الحديدي اللي مكنش مقفول بالجنزير، وخرجوا يتسحبوا في الممر بره زي الكلاب الجربانة.
أنا مأفلتش الباب وراهم.. بالعكس.. أنا سبت الباب موارب.. وخرجت وراهم.
الممر الطويل بتاع السجن كان ضلمة وكئيب.. الحيطان مرشحة مية ورطوبة، وريحة الفنيك والكلور مالية المكان وتخنق النفس. كنت ماشية بـ حفاء رجلي، من غير صوت.. العباية السمرة بتاعتي كانت بتتحرك ورايا زي الخيال. السكينة المسنونة كانت في جيب العباية، وإيدي ساندة عليها.
أنا مكنتش رايحة أستخبى.. أنا كنت رايحة لـ عنبر (ج).. عنبر المعلمة فايزة.
الساعة كانت داخلة على واحدة بالليل.. السجانة اللي المفروض واقفة نوبتجية في أول الممر الكبـير، كانت قاعدة على كرسي خشب، حاطة راسها على مكتب صغير ونايمة في عسل النور.. مكنتش حاسة بالدنيا، والكلور والممنوعات اللي بتتهرب في السجن كانت بتخلي الكل يعمل نفسه نايم في الوقت ده.
عديت من وراها كأني نسمة هوا.. ودخلت في الممر اللي بيودي على العنابر المميزة. متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات
عنبر (ج) مكنش زي عنبرنا.. الباب بتاعه مكنش قضبان حديد مفرغة كدة تبين اللي جوه.. ده كان باب خشب تقيل، وفيه عين سحرية حديد. والباب مكنش مقفول.. كان موارب برضه.. وده معناه إن فايزة كانت مستنية شهيرة وشلتها يرجعوا لها بالخبر.. خبر مـوتي.
حطيت إيدي على الباب، وزقيته بـ صباع واحد.. الباب فتح من غير صوت..
جوه العنبر.. المكان كان مختلف خالص. مفيش السراير الحديد اللي فوق بعضها، ومفيش الزحمة والخنقة. كان فيه سراير خشب عادية، ومراوح سقف شغال، وريحة بخور مغطية على ريحة السجن. وفي صدر المكان، كانت قاعدة على سرير عريض ومتغطي بـ ملايات نظيفة.. المعلمة فايزة.
ست في أواخر الخمسينات.. جسمها ضخم ومليان، وشها قاسي ومرسوم عليه جبروت سنين السجن.. كانت قاعدة حاطة رجل على رجل، وبتشرب شيشة صغـيرة وصوت كركبة المية بتاعتها كان هو الصوت الوحيد اللي مالي الأوضة. حواليها كان فيه بتين من السجينات الكبار، واحدة بتعمل لها مساج لـ رجلها، والتانية واقفة بتجهز لها كباية شاي.
أول ما الباب فتح بالكامل، فايزة رفعت راسها وهي فاكرة إن شهيرة دخلت.. بس ملامح وشها اتجمدت لما شافتني أنا اللي واقفة على الباب.. العباية السمرة، والشعر الملموم، والعيون الهادية اللي بتبص لها بـ تركيز مرعب.
البتين اللي معاها اتخضوا وقاموا وقفوا بسرعة.. فايزة سابت لي الشيشة من إيدها، ونزلت رجلها من على السرير براحة.. عيونها الضيقة كانت بتقراني، بتحاول تفهم إزاي الست اللي المفروض تدبح دلوقتي واقفة قدامها بـ طولها ومن غير خدش واحد.
فايزة اتكلمت بصوت غليظ ومبحوح، فيه نبرة ثقة متهزتش:
ـ إنتِ مين يا بت إنتِ؟.. وإزاي تدخلي هنا بالليل كدة؟.. شهيرة فين؟
خطيت خطوة لـ جوة الأوضة، وقفلت الباب الخشب ورايا بـ ضهري.. وقولت بـ نفس النبرة الباردة:
ـ شهيرة في المستوصف.. بتلحق مناخيرها اللي اتفشكت.. والبتين اللي معاها بيعالجوا كتافهم.. فـ قولت أجي أنا أسلم عليكي بنفسي يا معلمة.. عشان عيب الست الكبيرة تبعت لي ناس مبيفهموش في الأصول الصبح وبالليل.
فايزة ضحكت ضحكة صفرا، سـمعت ليها صدى في جدران الأوضة.. وقفت على رجلها، وبقت طويلة وضخمة قدامي.. قالت:
ـ ههه.. واضح إن السجن استقبل حد جديد مبيخافش.. إنتِ فاكرة نفسك مين يا روح أمك؟.. إنتِ حتة شمامة دخلتِ بق/ضية مخ/درات مضروبة.. أنا بكلمة مني أخلي السجانات يعلقوكي من رجليكي في الفسحة لحد ما تموتي.. ومحدش هيقول بم.
طلعت إيدي من جيب العباية.. ورفعت السكينة المسنونة اللي أخدتها من شلتها.. حطيتها على الترابيزة اللي في نص الأوضة بـ منتهى الهدوء.. وبصيت في عيون فايزة علطول وقولت:
ـ السجانات بتوعك نايمين بره يا فايزة.. والسكاكين دي أنا اللي معلمة اللي صنعوها إزاي يمسكوها.. أنا مش تاجرة مخدرات.. وأنا مش نادية عبد الحميد.. الاسم ده وهمي.. والق*ضية دي أنا اللي مقفلاها على نفسي عشان أدخل هنا.. أدخل لك إنتِ بالذات.
ملامح فايزة اتغيرت لأول مرة.. الشك والخوف بدأوا يظهروا في عيونها.. سألت بصوت واطي:
ـ وعايزة مني إيه؟
قربت منها لحد ما بقيت بيني وبينها ترابيزة الشيشة بس.. وطيت بجسمي وقولت وعيني بتلمع بـ غضب سنين كتمته:
ـ عايزة “مـريم”.. بنتي.. اللي دخلت السجن ده من سنتين بـ اسم مستعار.. واللي إنتِ بيعتيها لـ ناس بره السجن لحساب شغلكم الوسخ.. لو مريم مرجعتش لحضني يا فايزة.. السجن ده مش هتقوم له قومة.. وهبدأ بيكي إنتِ الأول.
فايزة لفت وشها وبصت للبتين اللي معاها بـ رعب، واكتشفت إن الحكاية أكبر بكتير من خناقة عنبر على جردل زبالة.. الحكاية كانت أول خيط في جـهنم اللي هتفتح على السجن كله!
**#حكايات_مني_السيـد**
## الفصل الرابع
الملامح القوية والوش الخشب اللي فايزة كانت مقابلة بيه السجن كله لسنين، اتهز في ثانية. الشيشة اللي في إيدها كانت هتتزحلق لولا إنها لحقتها وحطتها على الكومودينو بـ إيد بتترعش.. البتين اللي واقفين يخدموها رجعوا لورا خطوتين، ظهرهم خبط في الدولاب الصاج، وعيونهم بقت بتلف في الأوضة يدوروا على مخرج.. الباب الخشب كان مقفول، وأنا كنت واقفة سداة قباله.
فايزة حاولت تبلع ريقها، بس الريق كان ناشف.. بصت للسكينة المسنونة اللي أنا رميتها على الترابيزة ببرود، وبعدين رفعت عينها ليا.. الشك اللي في عيونها اتقلب لـ حسابات تانية خالص.. الست دي بتدير شبكة، يعني بتفهم في لغة المصالح ولغة القوة، وعرفت في اللحظة دي إنها مش قدام سجينة، دي قدام عزرائيل لابس عباية سمرة.
قالت بصوت مكتوم وهي بتحاول تبان مش خايفة:
ـ مريم؟.. مريم مين يا بت إنتِ؟.. السجن ده فيه ألف مريم.. وأنا مالي ومال الحريم اللي بتدخل وتخرج؟.. أنا ست غلبانة بقضي مدتي وبـ أكل عيش. متوفرة على روايات و اقتباسات
ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة مفيهاش أي فرحة.. ضحكة تخلي اللي قدامك جلده يقشعر. خطيت خطوة كمان لقدام، لدرجة إن ركبتي خبطت في طرف السرير بتاعها.. وطيت عليها وقولت بصوت وِشْوِشَة، بس حامي زي موس الحلاقة:
ـ غلبانة؟.. وبـ تأكلي عيش؟.. علىوانا.. الكلام ده تقـوليه للظباط الغلابة اللي بـ تقبضيهم بره يا فايزة.. تقـوليه للسجينات اللي كاسرة عينهم بـ جردل الزبالة والمطواة.. إنما أنا؟.. أنا قارية كتابك من الجلد للجلد قبل ما رجلِ تخطي العتبة دي.. مريم بنتي دخلت هنا بـ اسم “هدير مصطفى”.. ق/ضية سرقة متلفقة.. كانت عندها ١٧ سنة.. البت ملامحها سمرا شبهي، وعندها حسنة صغيرة تحت عينها الشمال.. دخلت عنبر (ب) وسكنت هنا ٨ شهور.. وبعدين اختفت من الدفاتر.. اتقال إنها اتهربت، واتقال إنها ماتت بالحمى.. بس أنا عارفة إنها مامتتش.. وعارفة إنك “سكنتيها” في الأوضة اللي ورا المستوصف لـ حد ما الورق بتاعها اتظبط، وسلمتيها بـ إيدك دي لـ ناس بره.. ناس كبار أوي يا فايزة.. دفعوا في حتة اللحم دي كتير.
فايزة وشها اتقلب ألوان.. الأصفر بقا أزرق، والبياض اللي في عينها ظهر كله من كتر الرعب. فتحت بؤها وقفلتة كأنها سمكة طالعة بره المية.. حست إن كل أسرارها اللي دافناها تحت البلاط بقت معروضة قدامها على الترابيزة.
قالت بصوت مهزوز وهي بتبص للبتين بتوعها عشان تخرّجهم:
ـ إنتوا.. اطلعوا بره.. استنوا في الممر ومحدش يخلي سجانة تعدي.
البتين مـصدقوش.. جريوا على الباب كأنهم بيهربوا من حريقة.. فتحوا الباب واتسحبوا بره وقفلوه وراهم.. الأوضة رجعت تضيق تاني، ومبقاش فيها غير نفسي ونفس فايزة الكاتم.
قعدت فايزة على السرير، وحطت إيدها على ركبها وهي بتهز رجلها بـ عصبية:
ـ إنتِ مين يا ست إنتِ؟.. جايبة المعلومات دي منين؟.. الكلام ده لو طلع بره الأوضة دي.. رقبتي ورقبتك هتتعلق.. السجن ده فيه حيتان بره وجوه.. إنتِ فاكرة نفسك قوية؟.. دول يفرموكي بـ لقمة عيش.
قعدت أنا كمان على الكرسي الخشب اللي كان قصاد السرير براحة خالص، وحطيت رجل على رجل.. السكينة كانت قريبة من إيدي، بس أنا مكنتش محتاجاها.. السل*اح الحقيقي كان الخوف اللي مالي قلب فايزة.
قولت لها:
ـ يفرموني؟.. يبقوا يقابلوني لو لقوا فيا حتة تتفرم.. أنا بقالي ١٥ سنة ميتة يا فايزة.. من يوم ما البت دي اتخطفت من حضني وهي عيلة صغيرة.. عشت في جحر التعبين، وشربت السم لحد ما بقا بيجري في دمي.. لو فكرتي تلعبي معايا، أو تبلغي عني، أو تخلي السجانات يربطوني.. اعرفي إن أول اسم هيتكتب في التقرير اللي هيروح للنيابة بره بـ الممنوعات والتجارة بالبشر هيكون اسمك.. أنا مأمنة نفسي بره وجوه.. وقبل ما أدخل هنا، سبت ورايا ناس لو مسمعوش صوتي كل يومين، الأوراق كلها هتكون على مكتب وزير الداخلية.. هدم السجن ده فوق دماغ الكل يا فايزة.. فـ إخلصي وقولي لي.. مريم فين؟
فايزة سكتت.. السكوت طول لدرجة إن صوت المروحة اللي في السقف كان عامل زي طنين النحل في ودانا.. كانت بتحسبها.. لو اتكلمت هتموت من الحيتان اللي بره، ولو سكتت هتموت بـ إيدي أنا أو السجن هيتهد عليها.. لقت إن مفيش مفر غير إنها تديني حتة من الحقيقة.. حتة تخلص بيها نفسها وتكسب وقت.
اتنهدت تنهيدة طويلة، وقالت بصوت واطي جداً وهي بتميل عليا:
ـ البت مريم.. أو هدير زي ما كانت مكتوبة في الدفاتر.. أنا ماليش ذنب في اللي حصل لها.. أنا جالي أمر من بره.. من “الباشا”.
عيني برقت، بس حافظت على هدوئي:
ـ باشا مين؟
فايزة هزت راسها بـ خوف:
ـ معرفش اسمه الحقيقي.. مفيش حد فينا يعرف اسمه.. هو بيتعامل عن طريق ناس.. كلموني وقالوا لي البت دي تدخل المستوصف، وتعملوا تقرير إنها ماتت بـ هبوط حاد في الدورة الدموية، وتتلفن في كفن وتخرج في عربية الإسعاف بالليل.. والتنفيذ تم.. أنا أخدت نصيبي، والبت خرجت حية مفيهاش خدش.. راحت فين بقا؟.. ده اللي معرفوش.. والعهد الله معرفوش!
مسكت السكينة من على الترابيزة بـ حركة سريعة، ووقفت.. فايزة اتخضت ورجعت بـ ضهرها على السرير:
ـ وحياة عيالي ما أعرف أكتر من كدة!
بصيت لها بـ نظرة حامية:
ـ مش عيب المعلمة فايزة.. اللي مفيش نملة بتعدي في السجن من غير إذنها.. تقولي معرفش البت راحت فين؟.. العربية اللي أخدتها كانت رايحة فين؟.. ومين اللي استلمها على البوابة؟
فايزة بلعت ريقها وقالت بسرعة:
ـ العربية تابعة لـ مستشفى استثماري كبـير في المعادي.. المستشفى دي بتاعة ناس تقال أوي.. والاسم اللي كان مكتوب على ورق الاستلام بره كان دكتور اسمه “شريف الهواري”.. هو اللي مضى على استلام الج*ثة.. أقصد البت حية.. ده كل اللي عندي يا نادية.. والاسم ده هو الخيط الوحيد اللي يوصلك لـ بره.
المعادي.. دكتور شريف الهواري.. الاسم رن في ودني.. تذكرت المعادي وأبراجها والفلل القديمة اللي فيها.. المكان ده مكنش بعيد عني، بس إزاي بنتي تروح هناك؟ المستشفى الاستثماري ده معناه حاجة واحدة.. تجارة أعضاء، أو تشغيل في شبكات تقيلة بره.. قلبي وجعني للحظة، بس نشفت قلبي تاني بسرعة.. الضعف ملوش مكان هنا.
بصيت لـ فايزة وقولت:
ـ دكتور شريف ده بيجي هنا السجن؟
فايزة هزت راسها:
ـ بيجي كل كام شهر.. بيعمل قوافل طبية للسجينات.. وطبعاً دي بتبقى غطا عشان ينقوا البنات الصغيرين الساكتين اللي مالهمش أهل يسألوا عليهم.. البت بتاعتك كانت مالهاش حد.. وإنتِ مكنتيش ظاهرة في الصورة.. فكانت صيد سهل.
وقفت بـ طولي، وحطيت السكينة في جيب العباية تاني.. بصيت لـ فايزة وقولت بـ تحذير أخير:
ـ الحكاية دي لو طلعت بره الأوضة دي.. أو لو حسيت إن السجانة بتعاملني بـ طريقة غريبة الصبح.. اعرفي إن أيامك في السجن ده بقت معدودة.. سوسو وشلتها يتلموا.. وأنا هقعد في عنبري هادية لحد ما أشوف هخرج من هنا إزاي.. سامعة يا معلمة؟
فايزة هزت راسها بـ طاعة غريبة، مكنتش مصدقة إنها بتسمع كلام سجينـة جديدة.. قالت:
ـ سامعة.. بس إنتِ ناوية تعملي إيه مع دكتور شريف؟.. الراجل ده واصل أوي.. ووراه ناس لو لـمسوا شعرة منه.. السجن كله هيتحرق.
مردتش عليها.. لفيت ضهري، وفتحت الباب الخشب.. البتين اللي كانوا واقفين بره مرعوبين وسعوا لي السكة.. مشيت في الممر الطويل والضلمة تاني، ورجعت على عنبري.. دخلت بالراحة، وقفلت الباب ورايا.
العنبر كان لسه في حالة الصمت المرعبة.. السجينات كانوا صاحيين ومبرقين في الضلمة، مستنيين يشوفوا أنا هرجع ولا شهيرة هترجع.. ولما شافوني داخلة بـ طولي، مفيش فيا خدش واحد، ونمت على سريري بـ منتهى الهدوء.. سمعت همسات وخوف بيجري بين السراير زي النار في الهشيم.
الصـبح طلع.. وصوت صفارة السجن ضربت عشان الطابور.. قمت ونزلت من على السرير.. العنبر كله كان واقف مستنيني أعدي عشان يتحركوا ورايا.. سوسو الحديدية مظهرتش في الطابور.. وعرفنا إنها اتنقلت مستشفى بره السجن عشان حالتها خطيرة.. وشلتها كانوا واقفين في آخر الطابور، عينيهم في الأرض وجسمهم بيترعش أول ما عيني تيجي عليهم.
الظابط “عادل”.. الظابط الشاب اللي استلمني في أول يوم وعمل لي القض*ية المضروبة.. كان واقف في نص الساحة وبيشرف على الطابور.. بص لي بـ سخرية وهو مستني يشوف وشي متبهدل من علقة سوسو.. بس لما لقاني واقفة في أول الصف، والكل بيوسع لي، ووشي هادي كأني في بيتنا.. ملامح وشة اتغيرت واستغرب.. نادى عليا بـ صوت عالي:
ـ نادية عبد الحميد!.. تعالي هنا!
خرجت من الصف بـ خطى ثابتة، ووقفت قدامه.. وبصيت في عينه بـ البرود اللي بيجننه..
قال بـ غيظ:
ـ إيه اللي حصل في العنبر بالليل يا بت إنتِ؟.. وسوسو فين؟.. السجن كله بيتكلم عنك من الصبح.
قولت له بـ نبرة عامية هادية:
ـ مفيش يا باشا.. سوسو شربت حاجة ساقعة وزورت.. وأنا ست غلبانة ماليش في المشاكل.. جاية أقضي مدتي وأمشي.
الظابط عادل قرب مني خطوة، وعيونه ضيقت بـ غل:
ـ إنتِ هتستعبطي يا روح أمك؟.. إنتِ وراكي مصيبة.. وأنا مش هسيبك لحد ما أعرف إنتِ مين بالظبط.
في اللحظة دي.. من ورا الظابط عادل.. ظهر خيال دكتور لابس بالطو أبيض.. راجل في الأربعينات، شيك، ونضيف جداً، وفي عينه نظرة ثعلب بتبص على السجينات كأنهم بضاعة في سوق.. كان معاه شنطة طبية وسماعة.. متوفرة على روايات و اقتباسات
عيني جت في عينه.. وحسيت بـ كهربا ضربت في جسمي كله لما لمحت الكارنيه اللي متعلق على جيبه.. مكتوب عليه: “د. شريف الهواري”.
الصيد جه لحد عندي.. وجحيم السجن كان يلا دوب بيبدأ!
**#حكايات_مني_السيـد**
