أبـويا رجـع من السـوق شايـل أكـل العشـا عشـان نحتـفل بتخرجـي ج 1 حكـايات منـي الـسـيد

أبـويا رجـع من السـوق شايـل أكـل العشـا عشـان نحتـفل بتخرجـي… لكنه لقـاني مرمـية عـلى الأرض بعـيّط وفـستان أحلامـي متقطـع حتـت…..💔😥
صوت مفتاح أبويا وهو بيفتح باب الشقة خلّى الدم يتجمد في عروقي….
كنت مرمية على أرض أوضتي، ضامة رجليّا لصدري، وبعيّط بحرقة وأنا ماسكة اللي فاضل من أكبر حلم حلمت بيه طول عمري…. حصري على صفحة روايات و اقتباسات….
سمعت خطواته التقيلة في الطرقة. كان راجع من السوق بعد يوم شغل طويل، شايل أكياس فيها عيش وفاكهة وحاجات للعشا اللي كنا مجهزينه النهارده.
النهارده… يوم تخرجي من الجامعة…. ماكنتش قادرة أقف…الأرض كانت ساقعة تحت رجليّا، وإيديا بتترعش جامد وأنا بلمس قطع القماش الأزرق المتناثرة حواليا…الفستان…..
#حكـايات_منـي_السيـد
الفستان اللي أبويا اشتغل شهور إضافية في الورشة عشان يقدر يشتريهولي.
الفستان اللي كنت بحلم ألبسه وأنا طالعة أستلم شهادة التخرج… حصري على صفحة روايات و اقتباسات….
دلوقتي بقى مجرد شوية قماش متقطعين بمنتهى القسوة.
باب الأوضة كان موارب.
سمعت أبويا وهو بيزقه ويدخل.
— يا بنتي… جبت الجاتوه والعصير عشان نحتفل مع خالتك و…
صوته وقف فجأة…رفعت عيني أبصله….لقيت ملامحه اتغيرت في ثانية…الأكياس اتهزت من إيده، وحواجبه اتعقدت وهو بيبصلي بصدمة وخوف.
الأوضة كان لسه فيها ريحة برفان رخيص، الريحة اللي سابتها وراها البنت اللي خرجت من البيت من شوية وهي بتجري.
حسيت بخنقة ووجع جوايا.
كل جنيه أبويا حوشه.
كل ساعة تعب وشقى.
كل مرة رجع فيها من الشغل مرهق وساكت.
كل ده كان مرمي قدامه دلوقتي… متقطع فوق رجليّا.
نفسي كان متلخبط.
كنت عايزة أقوله مين اللي عمل كده.
مين اللي دخل أوضتي وأنا برا.
مين اللي مسك المقص وقعد يقطع الفستان قطعة قطعة.
لكن لساني كان عاجز عن الكلام.
أبويا دخل خطوة لجوا.
وقف مكانه متجمد.
عينه راحت للفستان الممزق… وبعدها للمقص اللي كان مرمي فوق السرير.
الهواء في الأوضة كان تقيل بشكل مخيف.
ووقتها عرفت إن اللحظة اللي كنت بخاف منها وصلت.
إزاي هاقول لأبويا إن اللي دمر حلمي كله… مش غريب؟
إزاي هاقوله إن اللي عمل كده واحدة من أهلنا…
ومن دمنا؟
#حكـايات_منـي_السيـد
## الجزء الثاني: الرداء البديل والمواجهة
صوت الكيس الورق وهو بيتكرمش كان هو الحاجة الوحيدة اللي كسرت السكوت القاتل اللي مالي الأوضة. أكياس العشا، اللي أبويا كان ضاممها لصدري بكل فرحة وأمل، بدأت تتزحلق براحة من بين إيديه الشقيانة. إيديه الخشنة، اللي متغمسة بشحم المواتير اللي مابيطلعش تماماً مهما دعكها كل ليلة بسلكة وصابون غسيل، فقدت فجأة كل قوتها.
شفت، كأنه فيلم بالحركة البطيئة، العيش الفينو اللي جابه عشان عشانا البسيط وهو بيتعوج، وخلاص هيقع على الأرض. القوطة الحمراء، المدورة وبتلمع، كانت بتتحرك وتطل من حرف الكيس، نايمة في عسلها ولا دريانة بالمصيبة اللي بتدمر دنيتنا في اللحظة دي بالذات.
أبويا ماكنش بيبربش. عينه، اللي متبروزة بحواجبه التقيلة اللي دايماً بتديله شكل ناشف بس مخبية جواها أحن راجل في المنطقة، كانت متبتة في إيديا. كانت متسمرة في حتت الحرير الأزرق اللي أنا ضماها لصدري كأني بحاول أصحي طير مجروح.
لو أقدر أوقف الزمن وأبروز الوجع الحقيقي، والذهول والكسرة في اللحظة دي، الصورة هتبقى بالظبط كدا: أنا، مرمية على أرضية الأوضة الساقعة، ببنطلوني الجينز الباهت المقطع من عند الركب، وشعري منكوش من الخضة والوجع، ووشي غرقان في دموع بتكوي جلدي. وهو، واقف على عتبة الباب اللي قشرته متشالة، بقميصه الكاروهات الدايب، متجمد في مكانه، وماسك عشا حفلة اتدبحت بدم بارد من ثواني.
— يا بنتي…
همس بيها في الآخر. صوته ماكنش زي دايماً. ماكنش الصوت التخين، القوي، المبهج اللي كان بيغني بيه وهو بيصلح المواتير في ورشة الأسطى شحاتة. كان حبل صوت دايب، صوت ضعيف، مكسور، وفاضي. كان صوت الراجل لما قلبه يتفشخ ويموت على الأرض.
— يابا…
حاولت أرد، بس اللقمة اللي واقفة في زوري كانت كبيرة لدرجة إنها خنقتني. شهقة قوية، مش قادرة أتحكم فيها، هزت صدري. قفشت أكتر في القماش المتقطع. حتت الحرير كانت بتتسحب من بين صوابعي اللي بترتعش زي المية العادمة. الفستان. فستاني الأزرق الزهري الجميل. اللي كلّفنا تمان شهور تحويش في برطمان المايونيز، من ساعاته الإضافية وهو محشور تحت شاسيهات العربيات المصديّة وبيلف في التراب، ومن سهري أنا بشتغل نص يوم وبصور ورق في المكتبة اللي على أول الشارع… مابقاش موجود. بقى مجرد حتة قماشة ماتنفعش لتمسيح الغبار.
كيس الورق ساب خالص من إيده في الآخر. وقع على الأرض الخشب وخبط خبطة مكتومة سمعت في حيطان البيت كلها. تلات قوطات دحرجوا في الطرقة، ووقفوا بالظبط عند بوز جزمته بتاعة الشغل. جزمته القديمة المتصلحة، المقشرة من قدام، اللي كان بيرفض يغيرها ويقول “لسه هتعيش سنة كمان” عشان يديني فلوسها مواصلات للمترو وتصوير محاضرات الجامعة.
هو ما بصش أصلاً للأكل اللي اترمى. خَد خطوة بطيئة وتهز لجوا الأوضة. ركبه، اللي دايبة من كتر الوقعة والركوع على صبة الورشة الساقعة، كانت بترتعش بوضوح.
ورايا، على السرير بفرشته اللي وردها باهت اللي أمي سابتها لينا قبل ما تموت من خمس سنين، كانت علب الجزم مفتوحة. السيلفر بكعب اللي خالتي كريمة جابتهولي هدية، وهي بتضغط على نفسها من معاشها، كان بيلمع مع شوية النور اللي داخلين من الشباك. كانوا كأنهم تريقة بايخة، بيفكروني بالشياكة اللي مابقتش هشوفها، وبالليلة السحرية اللي اتسرقت مني. وهناك، بالظبط جنب العلب، على اللحاف، كان نايم مقص الخياطة الحديد التقيل، ساقع ومالوش قلب.
أبويا مشي ورا عيني المرعوبة. شاف المقص. نفسّه بدأ يعلى ويتحشر. الخوف واللخبطة اللي في وشه اتحولوا براحة، ووجع، لحاجة تانية أتقل وأضلم بكتير. الفهم. الأوضة كانت لسه ريحتها فاقعة بالبرفان المسكر، الخانق، والرخيص جداً. ريحة فانيليا صناعي وورد دبلان بتلزق في مناخيرك وتقلب بطنك. ريحة إحنا الاتنين حافظينها صم. ريحة كانت بتملا البيت كل ما تيجي تزورنا، أو بمعنى أصح، تيجي تاخد فلوس.
كانت ريحة ليلى. أختي الكبيرة من أبويا.
— هي اللي عملت كدا؟
أبويا سأل. كل حرف في الجملة القصيرة دي كان مليان سم، وكسرة خاطر، ووجع عمري في حياتي ما سمعته في صوته.
أنا ماكنتش قادرة أطلع كلمة. الرعب كان ملجم لساني. كل اللي قدرت أعمله إني هزيت دماغي بـ “آه” ورا بعض، ودفنت وشي في حتت الحرير الأزرق عشان أكتم صرخات القهر اللي كانت هتمزق زوري.
ليلى طول عمرها بتكرهني. دي حقيقة اتعلمت أعيش معاها من صغري. هي بنته من جوازته الأولى؛ أمها سابتهم وهي عندها خمس سنين بس. أبويا رباها لوحده لحد ما اتجوز أمي، ورغم إن أمي حاولت بكل الطرق تحب ليلى كأنها بنتها، الغل في قلب البنت دي كان ضرب جذور غويطة ومسمومة. ليلى كانت شِايفة إن الدنيا سرقت منها كل حاجة، وإن العالم مديون ليها علطول. وهي عندها ستاشر سنة، وبسبب العند والتمرد، سابت المدرسة وهي بتزعق في وش أبويا وتقوله “التعليم ده للشحاتين اللي مش عارفين يعملوا قرش سريع”. مشيت من البيت، واتجوزت راجل كان بيمد إيده عليها، والأيام دارت ودفّعتها تمن قراراتها الغلط.
انتهى بيها الحال محبوسة في عيشة نكد، كلها ديون وغل. لما أنا قدرت أدخل كلية هندسة حكومية، تريقتها المستمرة اتحولت لكره ساكت ومسموم. ماكنتش بتطيق تيجي أيام الأحد وتشوفني قاعدة بذاكر محاضرات على ترابيزة المطبخ. ماكنتش بتتحمل تشوف عيون أبويا وهي بتبرق من الفخر وأنا بشرح له مسألة رياضة. دمها كان بيفور لما تعرف إننا رغم فقرنا الشديد، والشقوق اللي في السقف وعشانا اللي بيبقى فول وعيش، أنا عندي نور، عندي مستقبل، عندي مخرج.
بس المرة دي… المرة دي تفرَق. تقطيع فستاني ماكنش مجرد كلمة سم رميتها وهي قاعدة معانا في عشا الإيد. ده كان فعل شر حقيقي ومطلق. كان محاولة لق*تل روحي.
— أنا… أنا بس نزلت الدكان عند عم عبده يا بابا — قدرت أنطق بالعافية وأنا بشهق، وزوري بيحرقني كأني بلعت رمل من المجهود عشان أتكلم — كانوا خمس دقايق، والله العظيم. رحت أجيب الحاجه الساقعة الكبيرة عشان العشا بتاع بليل. لما رجعت… الباب الوراني كان موارب… وهي… فستاني…
رجعت أعيط تاني، وقفلت عيني جامد. الصورة من كام دقيقة، وأنا داخلة الأوضة بقزايز الحاجه الساقعة في إيدي وبلاقي ليلى واقفة جنب سريري، ماسكة المقص التقيل، وبتقطع الحرير بغل أعمى، كانت بتتعاد في دماغي زي شريط رعب بايظ. هي حتى ماتخَضتش لما شافتني واقفة على الباب. ماحاولتش تخبي نفسها. بس وقفت، وبصتلي من فوق لتحت بابتسامة معوجة، مليانة غل وتشفي، رمت المقص على السرير بعملة ناشفة، وخرجت تمشي براحة في الممر الوراني للشارع، وسابتني وسط أنقاض أكبر حلم في حياتي.
أبويا ماستحملش وزن الحقيقة ووقع على ركبه قدامي. صوت عضمنه وهو بيخبط في الأرض الخشب خلاني أتنفض. قرب إيديه اللي بترتعش من القماش اللي أنا ماسكاه. صوابعه التخينة، المليانة علامات من مفكات فلتت وحروق من شكمانات سخنة، لمست بحنية تقطع القلب قطع من القطوع. الحرير كان متبهدل ومفروم. من أول الصدر اللي فيه فصوص لولي صغيرة اللي عجبني جداً، لحد الديل تحت. عشرات وعشرات من الشرايط المقطوعة اللي ملهاش عازة.
— يا ضنايا…
همس، ووقتها حصل اللي كنت شيفاه مستحيل. لأول مرة في الاتنين وعشرين سنة بتوع عمري، شفت أبويا، بطلي اللي من حديد، بيعيط. الدموع نزلت تقيلة من عيونه التعبانة ومشيت في خطوط وشه اللي علم فيه الشمس والشقى، وتاهت وسط شعر دقنه الأبيض اللي بقاله تلات أيام ماحلقوش. ماكنش عياط بصوت عالي، ماكنش فيه صريخ. كان العياط الساكت، الكاتم، اللي يخنق… عياط راجل لسه ناتشين قلبه من صدره بإيديهم.
— شقينا فيه أوي يا بنتي… — قالها وهو بياخد كبشة من القماش الأزرق ويضمها لصدره، ويقفل عينه بوجع — كام ليلة شفتك فيها ونفسك بيروح على كتب الرياضة والفيزيا في الفجرية… كام ساعة قضيتها أنا هناك محشور في حفرة الورشة، ببلع دخان وزيت… كان عشانك. كان مكافأتك يا أنا. كان تاج أميرتي.
شِفته كدا، مكسور ومتهان تماماً، وجعني ألف مرة أكتر من الفستان نفسه. عشان الفستان ده ماكنش مجرد حتة قماشة غالية. الفستان ده كان رمز كبير أوي. كان بيمثل كل تضحية عملها. كان بيمثل الأيام اللي كان بيتعشى فيها حتة جبنة قريش وعيش بس عشان أنا أخد معايا ورك فرخة في علبة الثلاجة وأنا رايحة الكلية. كان بيمثل عرق جبينه تحت شمس المدينة اللي مابترحم بليل، وضهره اللي كان بيوجعه وكنت بدهنهوله بخل ومية دافية بالليل، وإيمانه اللي مانهزش بيا من أول ما اتعلمت أقرأ وأكتب.
وليلى، في نوبة غل وحقد أسود، أخدت كل التضحية الطاهرة دي وعملتها زبالة.
فجأة، حسيت بنار غريبة بدأت تطلع من بطني لصدري. الحزن والرعب اللي كنت فيهم بدأوا يتبخروا، وحل مكانهم شعور تاني أقوى بكتير.
غل. غضب قايد، أحمر، بيوجع ويشك…
يتبع…..
