جـحيم عنبـر ج الاخيـر حكـايات منـي الـسـيد

## الفصل السابع
صوت قفل أبواب العربية الملاكي الشيك بتاعة دكتور شريف وهي بتترزع مع بعضها، كان عامل زي إعلان بداية فصل جديد.. فصل بره الأسوار، بس الحبس اللي فيه ألعن بكتير. ريحة الجلد الطبيعي والتكييف التلج اللي شغال في العربية كانوا غريبين عليا.. بقالي كام يوم عيني مشا فتش غير الخرسانة المقشرة، ومناديل الزبالة المرمية، ووجوه الستات اللي الخوف والغل كسر ملامحهم.
الدكتور كان حاطط إيديه الاتنين على الطارة، صوابعه البيضا الناعمة كانت بـ تترعش لدرجة إن مفاتيح العربية كانت بتشخلل في التابلوه. بص لي من تحت النظارة الطبية بتاعته بـ نظرة مكسورة، عين واحد كان من شوية باشا بيمضي ويموت بـ جرة قلم، ودلوقتي بقا مجرد رهينة مع ست لابسة بدلة ممرض كحلي، ومخبية مطواة مسنونة في جيبها.
ـ إحنا.. إحنا كدة داخلين على شارع ٩.. — قالها وصوته طالع واطي ومكتوم من ورا الكمامة اللي كان لسه لابسها.. “الفيلا قريبة من هنا.. بس يا نادية، أبوس إيدك، سليمان بيه مش زي فايزة ولا زي الظابط عادل.. سليمان بيه ده حوت.. الفيلا بتاعته متأمنة بـ كاميرات وحراسة بره وجوه.. لو حركتك غشيمة، هنتمسك قبل ما رجلينا تخطي العتبة.”
بصيت له من ورا الكمامة الكحلي بتاعتي، وقولت له بـ نبرة هادية بس ناشفة زي الخشب:
ـ سـوق وإنت ساكت يا دكتور، ومتشغلش بالك بـ حركتي.. أنا الحركة الغشيمة نسيتها من يوم ما بنتي اتخطفت.. سـوق، وأول ما نوصل، إنت اللي هتنزل وتتكلم مع الحرس بـ قلب جامد.. زي ما كنت بتتكلم مع السجينات في المستوصف.. لو حسيت بـ نبرة خوف واحدة في صوتك، السكينة دي مش هتستنى لحد ما ندخل الفيلا.. مفهوم؟
الراجل هز راسه وبدأ يتحرك بالعربية.. شوارع المعادي بالليل كانت هادية، الشجر العالي والقديم على الجناب كان رامي ضله على الأرض، والفلل الكبيرة بـ أسوارها العالية كانت تحسها مقابر فخمة.. مفيش صريخ، مفيش زحمة، مفيش ريحة فنيك.. بس الخبايا اللي ورا الحيطان دي أوسخ بـ كتير من اللي جوه عنابر السجن.
العربية بدأت تهدى لحد ما دخلنا طرقة واسعة متفرعة من شارع ٩.. وفي آخر الطرقة، ظهرت الفيلا.
كانت فيلا قديمة على الطراز الإيطالي، ضخمة بزيادة، وسورها مبني من الحجر الهاشمي العالي، وفوقيه شجر كثيف مغطي كل حاجة جوه.. البوابة الكبيرة كانت من الحديد الأسود المشغول، وعليها كشافات إضاءة قوية منورة الشارع كله.. وواقف على البوابة اتنين رجالة بـ لبس أسود، ملامحهم قاسية وجسامهم عريضة.. الحراسة الشخصية بتاعة سليمان بيه.
دكتور شريف ركن العربية على جنب، قصاد البوابة بالظبط. بص لي وعيونه مليانة رجاء:
ـ أنا هقولهم إننا جايين نسلم تقرير طبي خاص بـ المستشفى.. سليمان بيه مبيحبش حد يجيله بالليل كدة من غير ميعاد، بس أنا ليا دالة عنده بـ سبب الشغل.. إنتِ خليكي ورايا، ومنزلة راسك الأرض كأنك ممرض شايل الشنطة.. ومتتكلميش خالص.
ـ ماشي.. إخلص. — قولت له وأنا بفتح باب العربية وبنزل بـ خفة.
أخدت الشنطة الطبية السودا من الكنبة الورانية، وشيلتها على كتفي.. حطيت إيدي اليمين في جيب البدلة الكحلي، متبتة على يد المطواة.. النفس بتاعي كان منتظم.. كنت بـ قـول لنفسي: “مريم جوه.. مريم على بعد كام متر منك يا نادية.. الـ ١٥ سنة اللي فاتوا كوم، والدقايق الجاية دي كوم تاني خالص.”
مشينا لحد البوابة.. أول ما قربنا، واحد من الحراس خط خطوة لقدام، وحط إيده على حزامه، وبص لنا بـ نظرة فاحصة:
ـ أهلاً يا دكتور شريف.. خير؟.. سليمان بيه نايم جوه ومطلبش حد.. وإيه اللي جايبك في وقت زي ده؟
دكتور شريف بلع ريقه، وعدل نظارته، وطلع من جيبه دفتر أوراق صغير وقاله بـ نبرة حاول يخليها حازمة:
ـ أهلاً يا منصور.. أنا عارف إن الوقت متأخر، بس في ورق مهم جداً بـ خصوص الشحنة اللي خرجت من السجن النهاردة.. سليمان بيه لازم يمضي عليه قبل الصبح عشان الإجراءات.. والممرض ده معايا عشان معاه بقية الأوراق والتقارير الطبية.. افتح الباب بسرعة مش هنقضي الليلة على البوابة.
الحارس “منصور” بص لـ دكتور شريف، وبعدين نقل عينه عليا أنا.. عيونه الضيقة بدأت تقراني بـ شك.. لمحت نظراته وهي بتنزل لـ رجلي، وبعدين لـ إيدي اللي في جيب البدلة.. قلبي دق دقة سريعة، بس جسمي متنفضش.. فضلت منزلة راسي كأني ممرض تعبان وغلبان من شغل المستشفى.
منصور طلع جهاز لاسلكي من جيبه، واتكلم فيه بصوت واطي:
ـ يا غريب.. دكتور شريف بره ومعاه ممرض.. بيقول معاه ورق مهم للبيه بـ خصوص شغل النهاردة.. ندخلهم؟
سكت اللاسلكي ثواني، وبعدين طلع منه صوت خروشـة:
ـ دخلهم الصالون الجواني.. وسليمان بيه نازل لهم.. بس فتشهم الأول.
الكلمة نزلت على دكتور شريف زي الصاعقة.. بص لي بـ رعب حقيقي.. لو فتشوني، المطواة هتطلع، والحكاية كلها هتبوظ على العتبة.. منصور قرب مني، ورفع إيديه الاتنين عشان يبدأ يفتش كتافي وجيوبي..
في الجزء من الثانية ده، عقلي اشتغل بـ غريزة البقاء.. قبل ما إيد منصور تلمس جيب البدلة الكحلي، دكتور شريف عمل حركة ذكية مكنتش متوقعاها منه.. طلع علبة سجاير غالية من جيبه، وخبط منصور على كتفه وقال بـ نبرة فيها ضحكة مكتومة:
ـ جرى إيه يا منصور؟.. إنت هتفتش رجالتنا كمان؟.. ده الممرض بتاعي وشغال معايا بقاله خمس سنين في القسم.. خد قفل دماغك بـ السيجارتين دول على ما ندخل ونخرج.. إحنا مش هنقعد هنا كتير.
منصور بص للعلبة، وبص لـ دكتور شريف.. الجبروت اللي في وشه هدي سنة.. أخد العلبة وحطها في جيبه، ورجع خطوة لورا:
ـ ماشي يا دكتور.. اتفضلوا.. بس البيه مبيحبش الانتظار.
البوابة الحديد الصغيرة فتحت بـ تزييق خفيف.. دخلنا الجنينة.. الأرض كانت مفروشة نجيل خضرا ونظيفة، والمشايات الخرسانية بتلمع.. ريحة الورد والياسمين كانت مالية المكان، ريحة متلقش أبداً بـ القرف اللي بيحصل جوه الفيلا دي.
مشينا ورا منصور لحد ما وصلنا للباب الزجاجي الكبير بتاع الفيلا.. فتح الباب ودخلنا الصالون الجواني.. المكان كان فخم بزيادة.. نجف كريستال كبـير نازل من السقف، وسجاجيد عجمي تقيلة، وكنابات مذهبة.. قعد دكتور شريف على طرف واحدة من الكنابات وهو شبه ميت من الخوف.. وأنا فضلت واقفة وراه بـ الشنطة السودا، وعيني بـ تلف في المكان كأنها كاميرا مراقبة.
كنت بـ دور على أي أثر.. صوت حركـة.. خيال بنت معدية في المطبخ.. أي حاجة تقولي إن مريم هنا.
وفجأة.. سمعنا صوت خطوات جاية من على السلم الرخام الكبير اللي في نص الصالون.. الخطوات كانت بطيئة، وثقيلة.. خطوات حد متعود إن الكل يقف له انتباه أول ما يظهر.
لفيت راسي بـ الراحة.. وظهر “سليمان بيه”.
راجل في الستينات من عمره، شعره أبيض بالكامل ومسرح لورا، جسمه متناسق ولابس ترينج شيك كحلي.. ملامح وشة كانت هادية، بس عيونه كانت حادة وضيقة زي عيون الصقر.. عيون مفيش حاجة بـ تفوت منها.. نزل السلم وبص لـ دكتور شريف بـ عتاب بارد:
ـ شريف؟.. إيه اللي جابك في وقت زي ده يا دكتور؟.. إنت عارف إني مابحبش الشغل يدخل بيتي بالليل.. والشحنة المفروض تروح المستشفى علطول.. إيه الورق المهم اللي يخليك تيجي لحد هنا؟
دكتور شريف قام وقف بسرعة، وصوته كان بيتهز:
ـ سليمان بيه.. أسف جداً على الإزعاج.. بس.. بس الموضوع مش بـ خصوص الورق.
سليمان بيه حواجبة اترفت بـ استغراب، ونظرة عينه نقلت عليا أنا الواقفة ورا الدكتور.. عيونه ضيقت أكتر لما لمح إن الممرض مبيتحركش وواقف بـ طوله ومنزلش عينه الأرض.
قال بـ نبرة حادة ظهر فيها الجبروت الفعلي:
ـ ومين الممرض ده؟.. وإزاي يدخل هنا بـ الكمامة دي؟.. قلع الـبتاع ده من على وشك يا جدع إنت!
خطيت خطوة لقدام.. وبـ إيدي الشمال، رفعت الكمامة الكحلي من على وشي بـ الراحة.. ونزلتها لـ تحت رقبتي..
أول ما ملامح وشي ظهرت تحت نور النجف الكريستال.. عيون سليمان بيه وسعت لـ لحظة.. الراجل مكنش غبي، الملامح السمرا، والعيون الحامية اللي مليانة غل سنين، ونفس الهدوء المرعب.. كانت مألوفة ليه.. لفت عينه بسرعة لـ دكتور شريف واكتشف اللعبة.
قبل ما سليمان بيه يفتح بؤه عشان يصرخ وينادي على الحرس بره.. كنت رميت الشنطة السودا من إيدي على الأرض.. وبـ حركة أسرع من البرق، طلعت المطواة المسنونة من جيب البدلة.. عديت من جنب دكتور شريف بـ زقة خفيفة، وبقيت واقفة قدام سليمان بيه علطول..
مسكته من ياقة الترينج الكحلي بـ إيدي الشمال، ولزقته في الحيطة الرخام اللي جنب السلم.. وحطيت سن المطواة الحامي على تفاحة آدم في رقبتة.. الضغط كان كافي إنه يخليه يكتم صرخته في بؤه.. عينيه كانت مبرقة بـ صدمة ورعب مكنش يتخيل إنه يعيشهم جوه بيته وفي وسط حراسته.
قولت له بصوت واطي جداً، مسموع له هو بس والدكتور اللي كان واقف ورايا هيموت من الخوف:
ـ حسك عينك تطلع صوت يا سليمان بيه.. كلمة واحدة بره رقبتك دي هتتفتح من الوريد للوريد.. أنا مش ممرض.. وأنا مش نادية عبد الحميد.. أنا الأم اللي إنت سرقت بنتها مريم من ١٥ سنة.. والنهاردة أنا جاية أخدها.. بنتي جوه الفيلا دي.. انده عليها بـ لسانك دلوقتي وخليها تطلع.. وإلا وحياة دموعي السنين دي كلها، لهغرق الصالون الفخم ده بـ دمك!
سليمان بيه بلع ريقه بـ صعوبة، وسن السكينة علم علامة حمرا صغيرة على رقبتة.. لقى نفسه فجأة في مواجهة جحيم مكنش عامل حسابه.. الحكاية مكنتش شغل، الحكاية كانت تار أم.. والتار لما بيصحي، مبيخليش وراه أي حاجة واقـفة!
**#حكايات_مني_السيـد**

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *