مساج للعضم ج 4 والأخير حكايات زهرة الربيع

مشهد القبض عليهم كان زي فيلم أكشن، أحمد كان واقف مش مصدق اللي بيحصل، وشه اتلون بألوان كتير، من الأصفر للأحمر للأسود من كتر الغل. حماتي، اللي كانت من دقيقتين ملكة البيت، وقعت على الكنبة زي الجثة الهامدة، صوت صويت مالي الشقة، وهي بتصرخ: “يا نهار أسود! يا نورا يا بنت الـ… إنتي عملتي إيه؟ يا ابني اتكلم! قولهم إن دي كدابة ومجنونة!”
أحمد كان بيحاول يقاوم، بيزق في الأمناء وهو بيزعق: “يا فندم فيه سوء تفاهم! دي مراتي! دي مشاكل عائلية! إنتوا بتدخلوا ليه في بيوت الناس؟ نورا، انطقي يا واطية! قولي للباشا الضابط إن الكلام ده مش حقيقي!”
بصيت له بكل هدوء.. كان هدوء ما قبل العاصفة، هدوء المنتصر اللي استرد روحه. قلت بصوت ثابت، مش متهز ولا فيه نبرة خوف: “المشاكل العائلية بتبقى خناقات، مش تدمير أرحام وعضم يا أحمد. التسجيلات اللي في إيد النيابة دلوقتي هي اللي هترد عليك، مش أنا.”
الضابط بصله بنظرة قرف، وزقه بقوة ناحية الباب: “خلصونا! الكلام ده يتقال قدام وكيل النيابة مش هنا. اتحركوا!”
خدوهم مكلبشين، صوت جرجرة رجليهم على السلم كان أجمل موسيقى سمعتها في حياتي. قفلت الباب وراهم، قعدت في نص الصالة، دمعة واحدة نزلت.. دمعة فرح، دمعة راحة من سبع سنين كابوس. البيت كان صامت، صمت غريب، لأول مرة بحس إني لوحدي بس حرة.
مرت أسابيع في المحاكم والنيابة. كانت أيام صعبة، وشوش الناس اللي كانت بتجاملني بقيت أشوف في عينيهم نظرة شفقة مخلوطة بفضول مقرف. أهلي؟ يوم ما عرفوا الحقيقة، أمي أغمى عليها وأبويا جاله ضغط. مصدقوش إن ده “أحمد”، “ابن الأصول” اللي كان بيشيلني في الشتا عشان رجلي متوجعنيش، طلع هو اللي “بيكسر” رجلي حرفياً!
في قاعة المحكمة، كنت قاعدة ورا مروة وباباها. أحمد وأمه كانوا محبوسين في قفص الاتهام. أحمد كان حاله يغني عن سؤاله، شعره منكوش، ووشه دبلان، وعينه اللي كانت بتنور بحنية مزيفة دلوقتي مليانة كره وحقد. أما حماتي، فكانت طول الوقت بتتمتم بكلمات مش مفهومة وتدعي عليا.
لما جه دوري أقف في المنصة، حكيت كل حاجة. من أول يوم، من أول “جلسة عضم”، من أول شوربة كوارع مسمومة بالمؤامرة، لحد اليوم اللي سجلت له فيه اعترافه. المحامي بتاع أحمد حاول يطعن في صحة التسجيل، بس بابا مروة—المحامي العبقري—كان جاهز بكل ثغرة قانونية، وبكل تقرير طبي يثبت إن التشويه ده مستحيل يكون طبيعي.
القاضي بص لأحمد وسأله: “بصفتك إيه بتعمل كده؟ فين القسم اللي أقسمته إنك تكون سكن ورحمة؟”
أحمد مكنش عارف ينطق. في اللحظة دي، بصيت له وقلت له جملة واحدة خلت القاعة كلها تصمت: “أنت كنت عايز بطني تشيل بالثلاثة والأربعة، بس نسيت إن اللي بيزرع شوك مبيحصدش ورد.”
صدر الحكم.
خمس سنين سجن مشدد لأحمد، وتلات سنين لأمه بتهمة التحريض والاشتراك. حكم مش كفاية عشان يرجعلي سبع سنين، ولا عشان يرجعلي “جسمي” اللي اتدمر، بس كان كفاية عشان يرد اعتباري.
خرجت من المحكمة، الهواء كان طعمه مختلف. مروة حضنتني وقالتلي: “خلصنا يا نورا.. كابوس وعدى.”
قلت لها بابتسامة باهتة: “خلصنا من الناس، بس فاضل أخلص من نفسي.”
عدت سنة.
العمليات الجراحية اللي عملتها عشان أرجع الحوض لوضعه الطبيعي كانت رحلة ألم تانية خالص. مسامير، وجبس، وعلاج طبيعي يومي. بس الدكتور كان شاطر، وقالي كلمة طمنتني: “يا مدام نورا، أنتي صغيرة، والأربطة بتبدأ ترجع لمرونتها.. ممكن يبقى فيه أمل، بس بلاش نفكر دلوقتي، سيبي جسمك يتعافى.”
طلقت طلاق بائن. بعت كل حاجة في البيت القديم.. مش عايزة ذكرى واحدة تربطني بالراجل ده. نقلت في شقة تانية خالص، بعيدة عن المنطقة اللي كانوا ساكنين فيها. بدأت أرجع أشتغل، رجعت أحط الميك أب، رجعت أخرج مع صحابي، رجعت “نورا” اللي كانت موجودة قبل ما أحمد يدخل حياتي.
وفي يوم، وأنا راجعة من جلسة العلاج الطبيعي، لقيت مكالمة من رقم غريب.
“أيوة؟”
“نورا.. أنا أحمد.”
قلبي دق دقة واحدة قوية وقفت مكاني. صوته كان مكسور، طالع من السجن.
“عايز إيه يا أحمد؟ مش كفاية اللي عملته؟”
“أنا.. أنا كنت بكلمك بس عشان أقولك.. أنا آسف. كل يوم بفتكر اللي عملته، بفتكر حنيتي اللي قلبتها لسم.. نورا، أنا عارف إنك مش هتسامحيني، بس أنا بتعذب كل يوم.”
ضحكت ضحكة ناشفة.. “أنت بتتعذب عشان محبوس، مش عشان ندمان. أنت لسه بتدور على مبرر لشرك، حتى وأنت في السجن. يا أحمد، أنا مش هسامحك، مش عشان أنا قاسية، بس عشان أنت اللي اخترت تكون شيطان في حياة ست كان ممكن تفرشلك الأرض ورد. اللي زيك مش بيستاهل غير النسيان.”
قفلت السكة في وشه، وعملت “بلوك”.
رجعت البيت، قعدت قدام المرايا، بصيت لجسمي—اللي لسه فيه علامات—وبصيت لوشي اللي رجعت فيه الحياة. الحوض اللي اتكسر عشان “الخلفة”، دلوقتي بقى شايل واحدة جديدة، واحدة أقوى، واحدة مابتتكسرش بكلمة حلوة ولا بمساج غدار.
قعدت على الكنبة، طلعت كتاب كنت بقرأه، وفتحت الموبايل. شفت رسالة من دكتور العلاج الطبيعي بيقولي فيها: “تحسنك غير متوقع يا نورا، جسمك بيقاوم وبيرجع أقوى من الأول.”
ابتسمت، وغمضت عيني. السبع سنين دول كانوا امتحان كبير، سقطت فيه كـ “ضحية”، بس نجحت بامتياز كـ “ناجية”. الأمل في عيل لسه موجود، بس الأمل الأكبر كان إني لقيت نفسي اللي فقدتها سنين طويلة.
قمت، عملت كوباية شاي بالنعناع، فتحت الشباك لـ هوا الصبح، وخدت نفس عميق..
أنا نورا، وأنا بقيت كويسة.
مش محتاجة حد يطبطب على عضمي، ولا محتاجة حد يقولي “أنا اللي بدلعك”.
أنا بدلع نفسي، أنا اللي بقيت سند لنفسي، وأنا اللي بقرر مستقبلي.
انتهت الحكاية، بس حياتي.. حياتي لسه بتبدأ، والمرة دي، بأولوياتي أنا، مش بأوامر حد.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *