إنتِ النهارده مش هتقعدي على السفرة ج 3 والاخير حكايات مني السيد

عم حسن حط الشنطة على المكتب، وفتحتها لمت لمعة الفلوس عينيا، بس مكنتش فلوس بس.. كان فيه أوراق تانية، عقود ملكية، وورق مفروم نص فرمة. عم حسن بصلنا واحد واحد، نظراته مكنتش نظرات الراجل الطيب الغلبان اللي نعرفه، كانت نظرة حد شاف كتير وسكت كتير وقرر في لحظة “الخبطة” إنه يتكلم.
قال بصوت خافت بس مليان قوة:
«دي نهاية العيلة يا سارة. الشنطة دي فيها كل اللي بيملكوه، وفيها كمان إدانة كاملة لكل اللي اشتركوا في لعبة التزوير اللي قادها المحامي ده.»
بصيت للمحامي، كان قاعد مشدود، بيحاول يحافظ على بروده بس إيده كانت بترتجف. عم حسن كمل:
«يا سارة، أنا مكنتش مغيب. أنا كنت مستني اللحظة اللي أحمد يقع فيها عشان يواجه نفسه، ومستني اللحظة اللي أم أحمد تعرف إن كيدها ما بيعملش غير الخراب. وأنا اللي كنت بساعدهم في الأول عشان ألم ديون أحمد، لحد ما لقيت إن الموضوع أكبر من ديون.. الموضوع دخل في تزوير وتجارة مشبوهة، وقتها بس قررت أجمع كل خيط في إيدي.»
خالة أمينة ضحكت ضحكة مسحورة، وقفت وقالت:
«ودلوقتي يا عم حسن؟ عايز تعمل إيه؟ تسلمنا للبوليس؟»
عم حسن هز راسه بالرفض:
«لأ. أنا عايز سارة تختار. الشنطة دي فيها الورق اللي يمسح اسمك من أي تهمة، وفيه الورق اللي يوديهم كلهم ورا الشمس. سارة، إنتِ اللي دلوقتِ في إيدك القلم اللي يكتب نهاية الحكاية دي.»
وقفت قدام المكتب، حسيت إن وزني تقيل جداً. بصيت للورق اللي عليه توقيعي المزور، وبصيت للفلوس. أحمد دخل المكتب فجأة، كان شكله مبهدل، عيونه غايرة وجلديته باهتة، أول ما شافني وشاف الفلوس، ركع على ركبه وبدأ يعيط.
«سارة.. سامحيني. والله ما كنت أقصد أدخلك في اللعبة دي. كنت مهدد.. كانوا هيقت*لوني لو ما مضيتش على الورق ده، وهما اللي خلوني أخد توقيعك غدر.»
بصيت لأحمد، حسيت بشفقة.. بس مش الحب اللي كان زمان. سألت:
«مين هما يا أحمد؟ مين اللي كان بيشغلك؟»
أحمد بص للمحامي، والمحامي كان بيبص للسقف ببرود. عم حسن طلع صورة قديمة من جيبه وحطها على المكتب. كانت صورة لبيت قديم في Dokki، نفس البيت اللي كان والدي بيحكي لي عنه زمان.
«يا سارة، الحكاية بدأت من قبل ما تتجوزي أحمد. عيلة أحمد ليها تاريخ في استغلال الناس اللي زيك.. كانوا بيستنوا بنات مأمنين ليهم عشان يسرقوا حياتهم، وأحمد كان ضحية ليهم، وأم أحمد كانت شريكة.»
حسيت إن الدنيا بتلف بيا. أنا طلعت جزء من خطة كانت مرسومة قبل ما أعرف أحمد أصلاً؟ اتجوزني عشان توقيعي؟ اتجوزني عشان أرضي اللي كانت باسمي؟
قلت بصوت عالي:
«يعني كل ده كان تمثيلية؟ الجواز، الحب، العزومة، حتى خناقة المطبخ؟»
المحامي ضحك: «مش كله يا سارة. أحمد فعلاً حبك، بس في عالمنا ده، الحب مبيأكلش عيش. هو كان بين اختيارين: إما إنتي، أو حياته وحياة أمه.»
خالة أمينة قربت مني، همست في ودني:
«اكتبي النهاية يا سارة. سلميهم، وارجعي لحياتك، وانسيهم كلهم. الفلوس دي حقك، والورق ده هو اللي هيحررك.»
بصيت للشنطة، وبصيت لأحمد اللي كان مستني “حكم الإعدام” من عيني. مسكت الورق، وبدأت أقطعه.. ورقة ورا ورقة.
الصمت خيم على المكان. عم حسن اتصدم، والمحامي قام وقف بذهول.
«بتعملي إيه يا مجنونة؟ ده الورق اللي يخليكي تعيشي ملكة وتذليهم!»
قلت وأنا بقطع آخر ورقة:
«أنا مش عايزة أعيش بفلوسهم ولا بوجعهم. أنا عايزة أخرج من القصة دي نظيفة. أحمد، إنتِ خسرتني، وخسرت كل حاجة.. والبيت ده اللي بتخططوا عليه، مابقتش فارق معايا.»
رميت الورق المقطع في وشهم، وأخدت الشنطة اللي فيها الفلوس.. بس مش عشان أخدها. فتحت الشباك، الشنطة كانت تقيلة، رميتها في الشارع، الفلوس طارت في الهوا زي ورق الشجر.. الناس في الشارع بدأت تلمها بذهول.
بصيت لأحمد:
«دي الفلوس اللي كنتوا بتبيعوا الناس عشانها.. خليها تنفعكم.»
خرجت من المكتب، والهوا البارد لمس وشي. حسيت بإني خفيفة جداً، لأول مرة من سنين. خالة أمينة خرجت ورايا، كانت باصة لي بإعجاب:
«عملتي اللي محدش كان يتوقعه.»
«أنا عملت اللي يخليني أعرف أبص في المراية بكره الصبح يا خالة أمينة. العيلة دي انتهت، وأنا حياتي بتبدأ من الصفر.»
مشيت في الشوارع، والصبح كان بدأ يطلع، الشمس كانت بتنور بيوت شبرا.. بيوت كانت شايلة قصص، بس قصتي أنا كانت لسه ما خلصتش. أنا كنت حرة، حرية تمنها غالي أوي، بس كانت تستاهل.
أحمد خرج ورايا بيجري في الشارع، صوته كان بيترجى:
«سارة! استني! أنا بحبك فعلاً، والله بحبك!»
وقفت، بصيت له للمرة الأخيرة، مكنش فيه كره، ولا حب، كان فيه فراغ.
«الحب يا أحمد بيحتاج أساس، وإنتوا بنيتوا حياتنا على رمال متحركة. دور على نفسك بعيد عني، لأن سارة اللي عرفتها، ماتت النهاردة في مكتب المحامي.»
سبته واقف في نص الشارع، والناس بتبص عليه باستغراب. كملت طريقي، مش عارفة أنا رايحة فين، بس عارفة إن كل خطوة بتبعدني عن “حكاياتهم” وبتقربني من حكايتي أنا.. حكاية سارة، اللي قررت إنها بطلة نفسها، مهما كان التمن.
فاضل ليلة واحدة، ليلة الفرح اللي كان المفروض يحصل.. بس الفرح ده كان فرح تاني خالص، فرح خروجي من السجن اللي اسمهم “عيلة”.
الفجر كان بيتنفس بهدوء في شوارع شبرا، والهوا كان لسه شايل ريحة ندى خفيفة ممزوجة بدخان الأفران اللي بدأت تفتح أبوابها. كنت ماشية في الشارع لوحدي، شنطتي في إيدي، قلبي لأول مرة من سنين كان بيدق بانتظام، دقات قلب حرة، مش خايفة من صوت مفتاح في الباب، ولا من نظرة حادة، ولا من تلميح مسموم.
عدت قدام عمارة بيت العيلة.. بصيت لفوق، للشباك اللي كنت بقضي فيه الساعات وأنا بصلح مكرونة بالبشاميل وأنا حاسة إني في قفص. الأنوار كانت مطفية، بس حسيت بظل واقف ورا الستارة. أكيد هي، أم أحمد.. بتراقب الخراب اللي هي زرعته وحصدته. ما وقفتش، ما بصيتش تاني، كملت طريقي ناحية محطة المترو.
وصلت البيت القديم اللي ورثته عن جدي في منطقة تانية، بيت كان مهجور، مليان تراب وذكريات حلوة من طفولتي. فتحت الباب، وشفت خيوط الشمس وهي بتدخل من الشباك المكسور، بتنور المكان. رميت الشنطة على الأرض، وقعدت في نص الصالة، وسط الغبار اللي بيطير في الضوء.
بعد ساعة، الباب خبط. اتنفضت، خوفي القديم رجع يهمس في ودني: “أكيد هما”. قمت، مسكت المكنسة اللي كانت مرمية في زاوية، وفتحت الباب ببطء.
كانت خالة أمينة. كانت باصة للأرض، وشها كان دبلان، بس فيه نظرة راحة غريبة. دخلت وقعدت على الأرض جنبي من غير ما تنطق.
«عرفتي إيه اللي حصل؟» سألتها بصوت خافت.
خالة أمينة اتنهدت: «الشرطة دخلت البيت من ساعة. المحامي اللي كان بيخطط لكل حاجة اعترف بكل شيء عشان ينجي نفسه، والورق اللي رميته في الشارع، ناس كتير صوروه وبعتوه للنيابة. أحمد وأمه.. في قبضة القانون دلوقتي يا سارة. بيت العيلة اللي قضيته فيه أحلى وأسوأ أيامك، اتقفل بالشمع الأحمر.»
سكتت، وحسيت بدمعة سخنة نزلت على خدي، مش حزن، ده وجع الرحيل، وجع إن صفحة في كتاب حياتي اتقفلت للأبد.
«ومش بس كده،» كملت خالة أمينة، «عم حسن هو اللي سلمهم. هو اللي راح بنفسه وقدم المستندات اللي كانت ناقصة. كان بيحاول يصحح غلطة عمره إنه كان ساكت على ظلمهم ليكي.»
بصيت لخالة أمينة: «وإنتي يا خالة أمينة؟ إيه خطوتك الجاية؟»
ابتسمت وقالت: «أنا؟ أنا هشيل العباية السودا دي، وهبدأ أعيش حياتي اللي ضاعت في الانتقام. يا بنتي، الانتقام بيحرق صاحبه أكتر ما بيحرق اللي بينتقم منه. أنا هسافر عند أختي في إسكندرية، هقعد قدام البحر، وهنسى كل حكايات العيلة دي.»
قامت خالة أمينة، حضنتني حضن طويل، حضن فيه ريحة زمان، ريحة البيت اللي كان أمان. خرجت من الباب، ووقفت أراقبها وهي بتمشي، بتختفي في زحمة الشارع، ومعاها اختفت آخر خيط بيربطني بالماضي.
قعدت تاني في الصالة، وبدأت أمسك المكنسة، وبدأت أنضف. شلت التراب عن الصور القديمة، عن الحكايات المنسية. كل ركن كنت بنضفه، كنت بحس إني بنضف حتة من روحي. الغبار اللي كان مغطي قلبي بقاله سنين، بدأ يتشال.
بعد يومين، كنت واقفة في محل ملابس صغير في وسط البلد، صاحبة المحل كانت ست طيبة، رحبت بيا لما قدمت للوظيفة. ما كنتش بشتغل عشان أساعد أحمد، كنت بشتغل عشان أثبت لنفسي إني موجودة، إني ليا كيان، إني “سارة” اللي عندها حلم، مش “سارة” اللي بتطرد من السفرة.
البيت القديم بدأ يرجع ينور تاني، دهنت الحيطان باللون الأبيض، زرعت ورد في البلكونة. وبقيت كل يوم جمعة، بدل ما أروح “العزومة” اللي كانت بتخنقني، بشتري صنف حلو بحبه، بقعد قدام الشباك، بقرأ رواية، وبستمتع بهدوء البيت.
الحياة ما بقتش وردي، لسه فيه تحديات، ولسه فيه أيام بحس فيها بوجع، بس الفرق إني بقيت بملك قراري. بقيت بكتب حكايتي أنا، بخط إيدي، مش بـ “حكايات مني السيد” ولا غيرها.
وفي يوم، وأنا راجعة من الشغل، شفت واحدة شابة ماشية في الشارع، باين عليها الحزن، وماسكة شنطة هدومها زي ما كنت ماسكة شنطتي. وقفت جنبها، مسكت إيدها وقلت لها: «يا بنتي، لو الطريق قدامك مسدود، ارجعي لورا وادخلي من طريق تاني. الحياة أوسع بكتير من سجن بيت العيلة.»
بصتلي باستغراب، بس ابتسمت لي ابتسامة ضعيفة وكملت طريقها.
أنا مش عارفة هي هتعمل إيه، بس عارفة حاجة واحدة: إن “العزومة” اللي بدأت حكايتي، ما كانتش النهاية. كانت بداية لرحلة طويلة، رحلة البحث عن النفس، رحلة الخروج من “الخناقة” عشان ألاقي السلام.
قفلت باب بيتي، وشغلت التلفزيون على أغنية قديمة بحبها، وغمضت عيني. للمرة الأولى من سنين، ما كانش فيه “أحمد” ولا “حماتي” ولا “ديون” ولا “أوراق تزوير”. كان فيه بس سارة.. اللي لقت نفسها أخيراً، في بيت كان متهدم، بس كان بيستناها عشان تبني فيه حياة جديدة.
والحكاية.. حكايتي أنا.. بدأت دلوقتي وبس.
