القـرش الابيـض ج 3 و الاخيـر كـاملة بقلـم زهـرة الربيـع

الفصل الثالث والأخير: زهور لا تموت
​الجزء الأول: خيوط الفجر الأولى
​في تلك الليلة، لم يزر النوم جفني. كانت الساعات تمر كأنها دهور، وصوت عقارب الساعة الجدارية في غرفتي يطرق في رأسي كالمطرقة. جلست على حافة السرير والظلام يلف أركان الغرفة، بينما كان عقلي يغلي كمرجل من الأفكار والمشاعر المتضاربة. نظرت إلى يدي العاريتين، وشعرت بوحشة شديدة؛ فالغويشتان اللتان كانتا تلتفان حول معصمي وتمنحاني شعوراً خفياً بالأمان والاتصال بجدتي وأمي، قد سُرقتا. ولم تكن السرقة من غريب اقتحم الدار ليلاً، بل من الرجل الذي وافقت أن أتقاسم معه عمري، ومن المرأة التي استقبلتها في بيتي بكل ترحاب واحترام.
​تذكرت الكلمات التي همس بها أحمد في أذن أمه، ونبرة التردد الخائفة التي تغلفت بالطمع. تذكرت كيف كان يتابع تقارير أمي الطبية، وكيف كان يظهر الحرص والاهتمام؛ هل كان كل ذلك مجرد استثمار طويل الأجل؟ هل كان ينتظر اللحظة التي ترحل فيها أمي ليرث معها تعبها وشقاء عمرها؟
​انهمرت دموع صامتة على وجنتي، لكنها لم تكن دموع انكسار، بل كانت كالمطر الذي يغسل الأرض ليمهدها للعاصفة. تذكرت وصية أمي الأخيرة ونظرتها الحادة الحاسمة: “ماتتمدش إيدك عليها لحد.. لا إنتي ولا غيرك يلمسها”. كانت أمي، برؤيتها الثاقبة للمرأة التي صرعتها الأيام وخبرتها الطويلة، تعرف أن الزمان غدار، وأن بعض الرجال قد يرتدون أقنعة الطيبة حتى تلوح لهم فرصة الكسب.
​أمسكت بهاتفي المحمول، ونظرت إلى الساعة؛ كانت تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل. كنت قد اتصلت بعم مصطفى البواب قبل قليل، لكنني كنت بحاجة إلى سند أقوى، سند قانوني ورجولي يقف معي في هذه المعركة التي أصبحت معركة حياة أو موت لكرامتي. ضغطت على زر الاتصال برقم ابن خالتي “حازم”.
​حازم ليس مجرد ابن خالة، بل هو محامٍ شاب ذكي، وكان بمثابة الأخ الذي لم تنجبه أمي. كان يعز أمي كثيراً ويعتبرها بمثابة والدته الثانية. رن الهاتف ثلاث مرات قبل أن يأتيني صوته ناعساً ومستغرباً:
— “ألو.. فريدة؟ خير يا بنتي في إيه؟ إنتي كويسة؟ كلماني في وقت زي ده ليه؟”
​لم أستطع حبس شهقتي، فانفجرت بالبكاء، لكنني تمالكت نفسي بسرعة وقصصت عليه كل ما حدث بالتفصيل؛ بدءاً من محاولة أحمد وأمه إجباري على سحب الـ 350 ألف جنيه في البنك، وصولاً إلى المؤامرة التي سمعتها بأذني قبل قليل لسرقة غوايش أمي وجدتي وبيعها لتاجر الذهب في المول عن طريق شيماء شقيقة أحمد.
​أحسست بنبرة الغضب تشتعل في صوت حازم عبر الهاتف، وصوته الناعس تحول فجأة إلى نبرة حازمة وحادة:
— “ولاد الحرام! يسرقوا ذهب خالتو الله يرحمها؟ والشهادة اللي تعبت فيها طول عمرها في الخياطة؟ اسمعي يا فريدة.. من اللحظة دي مفيش عياط. الدموع مش هترجع الذهب ولا هتحميكي. إنتي لازم تكوني قوية وتعملي اللي هقولك عليه بالظبط.”
​استمعت إلى حازم بتركيز شديد وهو يشرح لي خطته خطوة بخطوة. كانت خطة ذكية تعتمد على الإيقاع بهم متلبسين دون إثارة فضيحة في المنزل قد تجعلهم يخفون الذهب أو ينكرون معرفتهم بمكانه.
​قال حازم بنبرة مطمئنة:
— “أنا هكون عندك تحت البيت من الساعة ستة ونص الصبح يا فريدة. وعم مصطفى البواب هيكون معانا. نامي دلوقتي أو ارتاحي، وبكرة الصبح هما اللي هيعيطوا مش إنتي.”
​أغلقت الهاتف وشعرت ببعض السكينة تتسلل إلى قلبي. وضعت الهاتف بجانبي، وظللت أنظر إلى السقف حتى بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل من بين شقوق الشيش الخشبي لغرفتي، معلنة بداية يوم جديد.. يوم الحساب.
​الجزء الثاني: الصباح الزائف
​في تمام الساعة السادسة صباحاً، قمت من سريري. تعمدت أن أدخل الحمام وأغسل وجهي بماء بارد لأتخلص من آثار السهر والدموع. وقفت أمام المرآة، ورتبت شعري، وارتديت عباءة خروج كحلية بسيطة وحجاباً متناسقاً. كنت حريصة على أن أبدو طبيعية للغاية، وكأن شيئاً لم يكن.
​خرجت إلى الصالة، ففوجئت بحماتي وهي جالسة بالفعل على أريكتها الخشبية، وبيدها كوب الشاي بلبن، تبدو عليها علامات اليقظة والترقب. نظرت إليّ بعينين ضيقتين تحاولان قراءة تعابير وجهي، وقالت بصوتها البحراوي الثقيل المطعم بابتسامة مصطنعة:
— “صباح الخير يا عروسة.. صاحية بدري كدة يعني؟ ده إنتي حتى النهاردة إجازة من المدرسة.”
​ابتسمت لها بهدوء وقلت بنبرة عادية:
— “صباح النور يا ماما. أصل ورايا مشاوير مهمة في السوق وكنت عايزة أجيب شوية طلبات للبيت قبل ما الشمس تطلع والحر يزيد.”
​في تلك اللحظة، خرج أحمد من غرفته وهو يرتدي قميصه البني القديم الذي يفضله، ويحمل حقيبته الجلدية الخاصة بالمدرسة. نظر إليّ بنظرة سريعة ثم أدار عينيه متظاهراً بالبحث عن نظارته الطبية على الطاولة. قال بصوت بارد وهو يضع النظارة على عينيه:
— “صباح الخير يا فريدة. مشاوير إيه دي اللي على الصبح؟”
​رددت بنبرة هادئة وخالية من أي انفعال:
— “مشاوير عادية يا أحمد. هشتري شوية خضار وفراخ للبيت، وهعدي على البنك بالمرة عشان أستفسر عن موعد أول صرف للأرباح بتاعة الشهادة.”
​لمحت لمعة غيظ في عيني أحمد عند ذكري للشهادة، لكنه كتم غيظه وتظاهر باللامبالاة:
— “براحتك.. بس متتأخريش، عشان أمي عايزة ترتاح والبيت محتاج نظام.”
​التفتت حماتي إليه وقالت بدلال أمومي مبالغ فيه:
— “سيبها براحتها يا أحمد يا حبيبي.. البنت برضه بتشوف مصلحة بيتها. روح إنت مدرستك وشوف لقمة عيشك، والرب يسهل لك كل عسير.”
​كانت هذه الكلمات تحمل في طياتها رسالة مبطنة لم أفهمها إلا لأنني كنت أعلم بالمؤامرة؛ كانت تريد إخراجه من البيت لكي تخلو الساحة لشيماء التي ستأتي لتستلم الذهب وتذهب به إلى المول.
​أخذ أحمد حقيبته، ونظر إليّ نظرة أخيرة خالية من أي دفء، ثم غادر الشقة مغلقاً الباب وراءه.
​بمجرد خروجه، اتجهت إلى غرفتي بحجة إحضار حقيبة يدي. أخرجت هاتفي ووجدت رسالة من حازم: “أنا واقف برأس الشارع في عربيتي، وعم مصطفى البواب مأمن المدخل. أول ما تخرجي تعاليلي فوراً” وبجانبها رسالة أخرى من عم مصطفى: “يا بنتي، الأستاذ أحمد نزل وركب مواصلات، وأخت جوزك الست شيماء لسه واصلة الشارع وداخلة العمارة دلوقتي”.
​شعرت بنبضات قلبي تتسارع. شيماء وصلت! هذا يعني أن عملية التسليم والتسلم تجري الآن داخل شقتي، في الغرفة المجاورة مباشرة.
​خرجت من غرفتي ممسكة بحقيبتي. وقفت في الصالة لثوانٍ، ورأيت حماتي تسرع نحو باب الشقة لتفتح لشيماء التي دخلت وهي تلهث وتلتفت حولها بريبة. عندما رأتني شيماء واقفة بعباءة الخروج، تجمدت في مكانها وبدا الارتباك واضحاً على وجهها المليء بمساحيق التجميل.
— “أوه.. فريدة! صباح الخير يا حبيبتي.. إنتي خارجة ولا إيه؟” قالت شيماء بصوت يرتجف قليلاً وهي تحاول إخفاء حقيبتها الكبيرة خلف ظهرها.
​ابتسمت لها ابتسامة عريضة وقلت:
— “أهلاً يا شيماء، صباح النور. آه خارجة ورايا مشوار مهم كدة. خدي راحتك مع ماما، البيت بيتك.”
​نظرت حماتي إليّ بنظرة تمنيت فيها لو خرجت من البيت فوراً لتخلو لهما الأجواء. قالت بنبرة مستعجلة:
— “مع السلامة يا فريدة يا بنتي، متتأخريش برة عشان الشمس.”
​أومأت برأسي، وخرجت من باب الشقة. أغلقت الباب خلفي، وبمجرد أن نزلت أول درجتين من السلم، تحولت خطواتي إلى هرولة سريعة. نزلت إلى مدخل العمارة، فوجدت عم مصطفى البواب يقف ممسكاً بمكنسته البيضاء، وعيناه تلمعان بالقلق والتعاطف.
— “يا بنتي.. الأستاذة شيماء لسه طالعة فوق. خدي بالك من نفسك، وأنا جاهز لأي حاجة تطلبيها.” قال عم مصطفى بصوت خفيض.
​— “تسلم يا عم مصطفى. خليك واقف هنا، وأول ما شيماء تنزل، عينيها متغيبش عنها، واعرف لي هتركب إيه بالظبط وكلمني فوراً.”
​جررت خطاي بسرعة نحو رأس الشارع حيث كانت سيارة حازم الرمادية القديمة تقف في الانتظار. فتحت الباب وركبت بجانبه. كان حازم يرتدي بدلة رسمية أنيقة، ويبدو عليه التركيز الشديد وجهاز الهاتف مثبت أمامه.
— “جاهزة يا فريدة؟” سألني بنبرة قوية بثت الأمل في روحي.
​— “جاهزة يا حازم. شيماء لسه داخلة الشقة حالا، وأكيد بتستلم الغوايش من حماتي دلوقتي.”
​الجزء الثالث: في ممرات المول الصاخبة
​لم يمر أكثر من ربع ساعة حتى رن هاتفي. كان المتصل عم مصطفى البواب.
— “يا بنتي، الست شيماء نزلت من العمارة ومعاها كيس أسود صغير حطاه جوة شنطتها الكبيرة، وطلعت على أول الشارع وركبت تاكسي أبيض.”
​أخذ حازم الهاتف مني وقال بسرعة:
— “عم مصطفى، لمحت نمرة التاكسي؟ أو سمعتها بتقول للسواق رايحة فين؟”
​— “يا سعادة البيه المحامي، أنا مشيت وراها كأني بنضف الشارع، وسمعتها بتقول له: ‘على المول الشهير في مدينة نصر يا سطي، من طريق النصر بسرعة’.”
​— “تسلم يا عم مصطفى، الله ينور عليك.” أغلق حازم الهاتف والتفت إليّ وهو يدير محرك السيارة بمهارة: “كدة الهدف واضح. شيماء رايحة المول اللي شغالة فيه، وتحديداً لمحل الذهب اللي اتفقت معاه. إحنا هنسبقها لهناك لأننا عارفين الطريق المختصر.”
​انطلقت السيارة بسرعة في شوارع القاهرة التي بدأت تزدحم بالحركة اليومية. كنت أنظر إلى الشوارع والمباني المألوفة، وأشعر بأنني أخوض معركة وجودية. الـ 80 ألف جنيه التي يطمعون فيها ليست مجرد ثمن غوايش ذهبية؛ إنها ثمن كرامتي، وثمن وصية أمي التي جاهدت من أجل أن تترك لي شيئاً يحميني من غدر الزمن.
​وصلنا إلى المول الشهير قبل شيماء بعشر دقائق بفضل قيادة حازم السريعة ومعرفته بالطرق الجانبية. كان المول ما زال هادئاً في ساعاته الأولى، ومعظم المحلات تفتح أبوابها ببطء. اتجهنا مباشرة إلى الطابق الثاني حيث تتركز محلات المجوهرات والذهب.
​سألني حازم وهو يمشي بجانبي بخطوات واسعة:
— “إنتي عارفة اسم المحل اللي شيماء اتفقت معاه؟ أو اسم التاجر؟”
​حاولت تذكر المحادثة التي سمعتها خلف الباب:
— “شيماء قالت إن التاجر ده معرفة في المول اللي هي شغالة فيه.. وقالت إنه تاجر كبير ومحل قديم. متهيألي اسمه ‘مجوهرات الأمانة’ أو حاجة شبه كدة.. ثواني! أنا فاكرة إنها قالت مرة لـ أحمد إن صاحب المحل اسمه ‘الحاج مرسي’ وهو صديق لصاحب محل المكياج اللي هي شغالة فيه.”
​بحث حازم بعينيه في لافتات المحلات المضيئة حتى استقر نظره على محل واجهته زجاجية عريضة تعرض أطقم ذهبية باهرة، ومكتوب عليه بخط ذهبي عريض: “مجوهرات الأمانة – الحاج مرسي وشركاه”.
​— “هو ده المحل يا فريدة. تعالي نقف بعيد شوية بحيث نراقب المدخل من غير ما حد يشوفنا.” قال حازم وهو يسحبني خلف عمود خرساني عريض مغطى بالمرايا.
​وقفنا ننتظر. مرت خمس دقائق بدت كأنها ساعات، حتى ظهرت شيماء من بعيد وهي تمشي بخطوات سريعة متوترة، تلتفت حولها بقلق وتعدل من وضع حقيبتها الكبيرة. كانت ترتدي ملابس العمل الخاصة بمحل التجميل، لكنها لم تذهب إلى محلها، بل اتجهت مباشرة نحو “مجوهرات الأمانة”.
​تسللت شيماء إلى داخل المحل. من خلف الزجاج، رأينا رجلاً خمسينياً يرتدي جلباباً أنيقاً وسترة صوفية يجلس خلف المكتب الفاخر؛ إنه بالتأكيد “الحاج مرسي”. استقبلها بابتسامة ترحيبية، وأشار إليها بالجلوس على المقعد الجلدي أمام مكتبه.
​— “يلا بينا يا فريدة. المواجهة بدأت.” همس حازم بنبرة ملؤها التحدي والثقة.
​الجزء الرابع: سحر الحق والعدالة
​دخلنا المحل بخطوات هادئة ولكن واثقة. صوت جرس الباب النحاسي الصغير أعلن وصول زبائن جدد. التفتت شيماء لتلقي نظرة سريعة، وبمجرد أن وقعت عيناها عليّ وعلى حازم بجانبي، تجمد الدم في عروقها. بهت لون وجهها، وسقطت الحقيبة الصغيرة التي كانت تخرجها من حقيبتها الكبيرة على سطح المكتب الزجاجي بضجة مكتومة.
​وقفت شيماء مذهولة، وتلعثمت الكلمات في فمها:
— “فـ.. فريدة؟! إنتي.. إنتي إيه اللي جابك هنا؟ وحازم؟”
​تجاهلتها تماماً، وخطوت نحو المكتب حيث كانت الحقيبة الصغيرة المصنوعة من القطيفة الحمراء تستقر على الزجاج؛ نعم، إنها علبة أمي المخملية الحمراء التي أعرفها جيداً بلمستها ونقوشها القديمة المتهالكة.
​أمسكت بالعلبة بسرعة ووضعتها في حقيبتي، بينما بادر الحاج مرسي بالوقوف وهو ينظر إلينا بريبة وتساؤل:
— “خير يا جماعة؟ في إيه؟ مين حضراتكم؟ والست شيماء تقرب لكم إيه؟”
​تدخل حازم فوراً، وأخرج بطاقته المهنية كـ محامٍ معتمد بالنقض، ووضعها بوقار على مكتب التاجر قائلاً بصوت قوي وصارم ملأ أركان المحل الهادئ:
— “مساء الخير يا حاج مرسي. أنا الأستاذ حازم المنياوي، محامي السيدة فريدة اللي واقفة قدامك دي. والعلبة اللي الست شيماء كانت لسه منزلاها على مكتبك حالا دي تحتوي على غوايش ذهب لازوردي ملك لموكلتي، ومسروقة من شقتها الشخصية فجر اليوم.”
​انتفض التاجر واقفاً، وبدا عليه الفزع والوجل الشديدين. تجار الذهب يخافون أكثر من أي شيء آخر من تهمة “شراء أموال مسروقة” لما لها من عواقب قانونية وخيمة قد تصل إلى غلق المحل وسحب الترخيص والسجن.
— “مسروقة؟! يا فندم أنا ماليش دعوة بالكلام ده! الست شيماء جاتلي وقالت إن الذهب ده ملكها وورثاه عن والدتها وعايزة تبيعه عشان تستر نفسها وتساعد أخوها في مشروع. أنا راجل تاجر وبشتري وببيع بالحلال، ومش مستغني عن سمعتي ومحلي!” قال الحاج مرسي وهو يلوح بيديه مدافعاً عن نفسه.
​صرخت شيماء بعصبية وهي تحاول استعادة رباطة جأشها:
— “كدب! فريدة بتتبلى عليا! الذهب ده ذهبي أنا وأمي اللي مدياني اياه عشان نبيعه ونساعد أحمد أخويا! إنتي إيه اللي جابك هنا يا فريدة وعايزة تخربي بيتي وتفضحينا؟”
​نظرت إليها بعينين تملؤهما القوة والاشمئزاز:
— “الذهب ده ذهبي أنا يا شيماء. ورثاه عن جدتي وأمي الله يرحمها. وإذا كنتِ بتدعي إنه ذهبك، قوليلي كدة.. إيه النقشة اللي محفورة جوة الغوايش دي من جوة بالظبط؟”
​ساد صمت طامس في المحل. نظرت شيماء إلى الحاج مرسي بتوتر، ثم نظرت إلى الأرض ولم تنطق بكلمة. كانت تعلم جيداً أنها لم ترَ الغوايش إلا وهي في العلبة، ولم تكن تعرف تفاصيلها الدقيقة.
​أخرجت الغوايش من العلبة الحمراء التي استعدتها، وعرضتها على الحاج مرسي قائلة بثقة وهدوء:
— “اتفضل يا حاج مرسي.. بص بنفسك على الغوايش دي من جوة بالعدسة المكبرة بتاعتك. هتلاقي محفور عليها نقشة وردة بلدي صغيرة خالص وجميلة، ومكتوب جنبها عيار 21 وتاريخ قديم يرجع لسنة 1975. وده نفس التاريخ المكتوب في فاتورة الذهب الأصلية اللي معايا هنا في حقيبتي باسم جدتي ‘زهرة عبد الرحمن’.”
​أخرجت الفاتورة الورقية الصفراء القديمة التي كنت قد احتفظت بها بعناية في ملف أوراقي الخاص بالمنزل قبل شهور، ووضعتها على المكتب.
​أخذ الحاج مرسي الغوايش وفحصها بعدسته المكبرة لثوانٍ، ثم تنهد بعمق وأعادها إليّ وهو ينظر إلى شيماء بغضب واشمئزاز:
— “فعلاً.. كلام المدام صح بالملي. النقشة موجودة والفاتورة مطابقة تماماً. يا خسارة يا شيماء يا بنتي.. تروحي تسرقي ذهب مرات أخوكي وتيجي تلبسيني في قضية سرقة وشراء مسروقات وتخربي بيتي؟”
​انهارت شيماء تماماً، وبدأت تبكي وتتوسل إليّ بنبرة ذليلة:
— “فريدة.. أبوس إيدك بلاش فضايح. أنا ماليش ذنب.. أمي هي اللي قالتلي أعمل كدة! قالتلي إن الفلوس دي فلوس أحمد وإنك ناشفة ومش راضية تساعديه في مشروعه ومستقبله بيضيع. أنا كنت عايزة أساعد أخويا بس، والله العظيم ما كنت أعرف إن الموضوع هيوصل لكدة!”
​تدخل حازم بنبرة صارمة حاسمة:
— “موضوع الفضايح ده لسه مخلصش يا شيماء. السرقة دي جناية عقوبتها السجن المشدد، خاصة أنها سرقة من داخل مسكن واستغلال ثقة وعلاقة زوجية. إحنا نقدر نطلب شرطة النجدة حالا ونعمل محضر تلبس ليكي وللتاجر لو كان وافق يشتري، بس إحنا بنحترم الأصول وقانون العيلة لحد دلوقتي.”
​التفت حازم إليّ وسألني:
— “فريدة.. تحبي نطلب النجدة ونمشي في الإجراءات الرسمية حالا؟”
​نظرت إلى شيماء التي كانت ترتجف كالعصفور المبلل في البرد، وتذكرت كيف كانت تبتسم لي ذات يوم وتقول إن أحمد طيب ولا يظلم أحداً. شعرت بالشفقة ممزوجة بالاحتقار.
— “لا يا حازم. أنا مش هلوث إيدي بمحاضر وأقسام للناس دي. أنا أخذت ذهبي وحقي، وده أهم حاجة. بس الحساب الحقيقي مش هنا.. الحساب الحقيقي هيكون في البيت اللي اتقفل بابه على الخيانة والسرقة.”
​أخذت ذهبي وفاتورتي، ووضعت العلبة الحمراء بأمان في حقيبتي، وخرجت من المحل بخطوات ثابتة ورأسي مرفوع إلى السماء، تاركة خلفي شيماء غارقة في دموع ذلها وخوفها من الفضيحة التي كادت تنهي مستقبلها المهني والاجتماعي.
​الجزء الخامس: المواجهة الكبرى في عرين الأسد
​في طريق العودة بالسيارة، كان حازم يقود وهو ينظر إليّ بين الحين والآخر بفخر وإعجاب:
— “والله وبقيتي قوية يا فريدة، وخالتو الله يرحمها أكيد فخورة بيكي دلوقتي. إنتي عملتي الصح. بس تفتكري المواجهة الجاية في البيت هتمشي إزاي؟”
​— “المواجهة الجاية يا حازم هي نهاية الحكاية دي كلها. أنا مش هقعد في البيت ده ولا دقيقة تانية بعد اللي شفته. بس لازم أحمد وأمه يعرفوا إنهم خسروا كل حاجة.. خسروا الفلوس، وخسروا الذهب، وخسروا الإنسانة اللي كانت مستعدة تستحمل معاهم البرد والفقر لو كانوا صانوها.”
​وصلنا إلى العمارة في تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً. طلب حازم أن يصعد معي ليكون بجانبي ويحميني من أي تهور قد يصدر من أحمد أو أمه، لكنني رفضت بحسم:
— “لا يا حازم. ده بيتي، ودي معركتي الشخصية. أنا لازم أواجههم لوحدي عشان أثبت لنفسي وليهم إني مبقتش فريدة الضعيفة المستسلمة. خليك مستنيني تحت الشارع، وأول ما هخلص هنزل بشنطتي ونمشي.”
​هز حازم رأسه متفهماً، ودعا لي بالتوفيق والصلابة.
​صعدت السلم بخطوات ثقيلة ولكن ثابتة. أخرجت مفتاحي، وفتحت باب الشقة بهدوء ودخلت.
​بمجرد دخولي، سمعت صوت حركة غريبة في الصالة. كانت حماتي تجلس على الأريكة، وبجانبها أحمد الذي كان قد عاد فجأة من المدرسة بناءً على اتصال طارئ من أمه على ما يبدو. كانت وجوههما تحمل مزيجاً غريباً من الترقب والقلق والارتباك. لم تكن شيماء قد عادت بعد، وكانا ينتظران بفارغ الصبر أن تتصل لتبشرهما بنجاح عملية البيع واستلام الـ 80 ألف جنيه.
​عندما رأياني أدخل، اعتدل أحمد في جلسته وحاول التظاهر بالهدوء، لكن عيونه كانت تزوغ بريبة:
— “فريدة؟ إنتي رجعتي؟ مش كنتِ بتقولي وراكي مشاوير كتيرة في السوق والبنك؟”
​أغلقت باب الشقة خلفي ببطء، ومشيت نحو منتصف الصالة. وقفت أمامهما مباشرة، وأنزلت حقيبتي عن كتفي ببطء شديد يثير الأعصاب.
— “آه يا أحمد، رجعت. المشاوير طلعت أسهل وأسرع بكتير من اللي كنت متخيلة.”
​تدخلت حماتي بصوتها الأجش وهي تحاول إخفاء توترها ببرطمة بحراوية معتادة:
— “يا مرحب يا بنتي.. وجبتي الطلبات ولا نسيتي؟ الشارع حر النهاردة والواحد مش طايق نفسه.”
​نظرت إليها مباشرة، ومددت يدي داخل حقيبتي ببطء، ثم أخرجت العلبة القطيفة الحمراء اللامعة، ووضعتها بعنف وقوة على الطاولة الخشبية في المنتصف، لتصدر ضجة رنت في أرجاء الصالة الساكنة.
​في تلك اللحظة، تحجرت الوجوه. اتسعت عينا أحمد خلف نظارته السوداء، وانفتح فم حماتي ببلاهة وصدمة تامة، كأن صاعقة من السماء قد هبطت عليهما.
​قالت حماتي بنبرة مرتعشة خافتة:
— “إيه.. إيه العلبة دي يا فريدة؟”
​— “دي علبة ذهب أمي وجدتي يا ماما. العلبة اللي إنتي دخلتي غرفتي في غيابي وسرقتيها من وسط ملاءات سريري، وسلمتيها لبنتك شيماء الصبح عشان تروح تبيعها في المول وتاخدوا الـ 80 ألف جنيه عشان تمولوا بيهم مشروع الأستاذ أحمد!” صرخت بصوت قوي اهتزت له جدران الشقة.
​وقف أحمد مسرعاً، ووجهه قد تحول إلى اللون الليموني الشاحب من كثرة الصدمة والخزي:
— “فريدة! إنتي بتقولي إيه؟ سرقة إيه وكلام إيه؟ إنتي فاهمة غلط بالكامل! الذهب…”
​— “أنا مش فاهمة غلط يا أستاذ أحمد يا مدرس اللغة العربية المحترم يا صاحب المبادئ والقيم الموزونة!” قاطعته بحسم وقوة لم يعهدها فيّ أبداً. “أنا سمعتكم بودني هنا.. في الصالة دي إمبارح بالليل وأنا واقفة ورا الباب. سمعت مامتك وهي بتحرضك على سرقة ذهبي وبتسميه ‘ستر لبيتك ومستقبلك’، وسمعتك وإنت بتوافقها وبتقول ‘الموضوع فيه ريسك كبير بس هعمله عشان المشروع والمستقبل’.”
​أخرجت هاتفي المحمول، وضغطت على زر التشغيل؛ فجأة، ملأ صوت أحمد وصوت أمه الخفيض الهامس أرجاء الصالة من جديد وهو يقول: “مش عارف يا أمي.. الموضوع ده فيه ريسك كبير. بس الصراحة أنا حاسس إن مستقبلي بيضيع…” ورنين الذهب وهو يرتطم ببعضه بوضوح تام.
​كنت قد سجلت المحادثة بهاتفي من خلف الباب الموارب ليكون دليلي القاطع والنهائي الذي لا يمكن لأي كاذب أن ينكره.
​انحنى أحمد على الأريكة كمن تلقى لكمة قوية في بطنه. لم ينطق بحرف واحد. ظل ينظر إلى الهاتف ثم إليّ بنظرات انكسار وخزي تام.
​أما حماتي، فبدأت تصرخ وتلطم خدودها بعصبية في محاولة يائسة لقلب الطاولة وإظهار نفسها كضحية:
— “يا خيبتي السودا! بتسجلي لنا في بيتنا يا فريدة؟ بتعملي على جوزك وأمه جاسوسة؟ يا قلة الأصول ويا خراب البيوت! إحنا كنا بنعمل كدة عشان نستر البيت وعشان ابننا مش عشان نفسنا! الذهب ده كان هيتباع وهيرجع لك مكانه ذهب أحسن وأشيك لما المشروع ينجح! إيه الطمع والقلب الحجر ده؟”
​التفتُّ إليها وقلت باحتقار شديد:
— “الطمع والقلب الحجر ده هو اللي خلاكي تسرقي أمانة ست ميتة وهي لسه في قبرها مكملتش شهور! الطمع هو اللي خلاكي تخربي بيت ابنك وتسرقي مراته اللي استقبلتك في بيتها وخدمتك بعيونها! أنا اللي قليلة الأصول يا ماما؟ ولا الست اللي بتعلم ابنها السرقة والخيانة وبتسميها رجولة وشطارة؟”
​ثم التفتُّ إلى أحمد، الذي كان واقفاً عاجزاً لا يجرؤ على النظر في عيني.
— “وأنت يا أحمد.. يا أستاذ أحمد اللي كان بيلف بيا شوارع أطول في المطر عشان متبهدلش.. يا أستاذ أحمد اللي وقف ساعتين تحت المطر عشان يعجبني ويقنعني بطيبته وأصوله.. طلعت كداب وخاين! كل اللي عملته كان تمثيل وتخطيط عشان توصل لفلوس أمي وتعب عمرها! إنت مستحقش لحظة واحدة من الحب أو الدفء اللي كنت بفتش عليه معاك.”
​حاول أحمد الاقتراب مني، ومد يده برعشة وتوسل:
— “فريدة.. أرجوكي اسمعيني. أنا غلطت.. الشيطان شاطر وأمي ضغطت عليا بكلامها عن المستقبل والمدير الجديد في المدرسة. أنا مكنتش عايز أسرقك والله.. أنا بحبك وعايز بيتنا يكمل. الذهب أهو رجع ومحصلش حاجة.. بلاش نهدم كل حاجة في لحظة غضب!”
​تراجعت خطوة إلى الخلف برفض قاطع:
— “متقربش مني يا أحمد. اللمسة دي مبقتش بتدفي، اللمسة دي بقت بتوجع وبتفكرني بالخيانة. والبيت ده خلاص اتهدم من اللحظة اللي وافقت فيها تسرقني وتخون ثقتي. والذهب مرجعش بفضلك ولا بفضل ندمك، الذهب رجع لأني رحت ورا أختك شيماء في المول ومسكتها متلبسة في محل ‘مجوهرات الأمانة’ مع التاجر وخليتها تمشي تعيط وتتوسل عشان مدخلهاش السجن!”
​صرخت حماتي فجأة بذعر:
— “بنتي! شيماء بنتي! عملتي فيها إيه يا فريدة؟ بلغتِ عنها الشرطة؟”
​— “مبلغتش عنها عشان أثبت لكم إني بنت أصول بجد، ومتربية في بيت خياطة شريفة علمتني يعني إيه كرامة وشرف. أخذت ذهبي وسبتها تمشي، بس من اللحظة دي.. علاقتي بيكم انتهت تماماً.”
​الجزء السادس: الحرية والولادة الجديدة
​مشيت بخطوات ثابتة نحو غرفتي. أحضرت حقيبتي السفر الكبيرة، وبدأت أضع فيها ملابسي وأشيائي الخاصة الأساسية بعناية وهدوء. لم تكن يدي ترتجف هذه المرة. كنت أشعر بقوة غريبة تسري في عروقي، كأن روح أمي “زهرة” كانت تحيط بي وتحميني وتربت على كتفي قائلة: “عفارم عليكي يا بنتي.. كدة أقدر أرتاح في تربتي وأنا عارفة إنك قوية وتقدرى تقفي في وش الدنيا” .
​أثناء قيامي بجمع أشيائي، دخل أحمد الغرفة ووقف خلفي يتوسل بدموع حقيقية هذه المرة:
— “فريدة.. بلاش تمشي. أنا مستعد أعملك أي حاجة تطلبيها. هطرد أمي وأرجعها البلد حالا لو ده هيرضيكي! هكتب لك الشقة باسمك! بس بلاش تسبيني وتمشي.. أنا ضايع من غيرك.”
​التفتُّ إليه ونظرت في عينيه الباكيتين ببرود تام واشمئزاز:
— “تطرد أمك اللي حرضتك على السرقة عشان ترضيني؟ اللي ملوش خير في أمه ملوش خير في حد يا أحمد. إنتو شبه بعض وتستحقوا بعض. والشقة دي إيجار أصلاً ومفيش حاجة تملكها هنا غير طمعك وخيانتك. ورقت طلاقي تجيلي في أقرب وقت بهدوء وبدون فضايح، وإلا التسجيل اللي معايا ده وصور الفاتورة ومحضر التلبس هيكونوا في النيابة وفي وزارة التربية والتعليم عشان المدرسة كلها تعرف حقيقة الأستاذ الفاضل اللي بيربي الأجيال.”
​سكت أحمد تماماً، وأدرك أن كل محاولاته للضغط أو التوسل قد تحطمت أمام صخرة قوتي وحسمي.
​أغلقت حقيبتي الكبيرة، وسحبتها ورائي خارج الغرفة. مررت بالصالة حيث كانت حماتي تجلس منكمشة على نفسها كقطة عجوز ضبطت وهي تسرق الطعام، ونظراتها تملؤها الهزيمة والانكسار.
​وقفت عند باب الشقة، والتفتُّ إليهما للمرة الأخيرة. أخرجت مفتاح الشقة من حقيبتي، ووضعته على الطاولة بجانب العلبة القطيفة الحمراء الفارغة (حيث كانت الغوايش تستقر بأمان داخل حقيبتي الآن).
​— “المفتاح ده ملوش لزوم معايا تاني. والبيت ده خلاص مابقاش بيتي. أشوف وشكم بخير.. لو كان للخير في وشكم مكان.”
​فتحت الباب وخرجت. نزلت السلالم وأنا أشعر بحمل ثقيل يزول عن كاهلي مع كل درجة أنزلها. نزلت إلى مدخل العمارة، فوجدت عم مصطفى البواب واقفاً بانتظاري وعيناه تدمعان فرحاً وفخراً:
— “نورتي الدنيا يا ست فريدة يا بنتي.. الله ينور عليكي وعلى أصلك الطيب. خالتو الله يرحمها كانت ست صالحة ودعوتها ليكي هي اللي حمتك النهاردة.”
​ابتسمت له بشدة وقلت: “تسلم يا عم مصطفى، طول عمرك صاحب أصول وجدع. شكراً على وقفتك معايا.”
​خرجت إلى الشارع، وكانت الشمس قد توسطت السماء، تملأ الدنيا بنور ساطع دافئ. تذكرت كلمات أمي: “الجواز لقمة حلوة وعشرة بتهون الأيام”، وعرفت الآن أن تلك اللقمة الحلوة لم تكن لتأتي من يد خائنة، وأن الدفء الحقيقي ليس في أحضان كاذبة، بل في ضمير مستريح وكرامة مصونة ووصية محفوظة بأمان الله.
​مشيت نحو سيارة حازم التي كانت تنتظرني برأس الشارع. وضعت حقيبتي في الحقيبة الخلفية للسيارة، وركبت بجانبه. نظر إليّ وابتسم وقال:
— “على فين يا بطلة؟”
​ابتسمت ونظرت إلى السماء الصافية وقلت براحة لم أشعر بها منذ سنوات:
— “على بيت أمي يا حازم.. البيت اللي ريحته لسه مليانة طيبة وأمان. هناك هبدأ من جديد، بفلوس أمي اللي هتبنيلي مشروعي الحقيقي، وبدهب جدتي اللي هيفضل يزين إيدي ويفكرني دايماً بأصلي وقوتي. يلا بينا.”
​انطلقت السيارة بنا في شوارع القاهرة الرحبة، وأنا أشعر بأن زهرة الربيع التي زرعتها أمي في قلبي قد تفتحت أخيراً، ولن تموت أبداً مهما اشتدت العواصف أو قست الأيام.
​تمت بحمد الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *