روماني مكرم ج الأخير

أغلقت أمي الخط ببطء، وظل صوت الرجل الغريب يتردد في أرجاء الصالة كأنه نذير شؤم. نظرتُ إليها وركبتي ترتعشان من الخوف: “ماما.. مين ده؟ ومحل إيه اللي بيتكلم عنه؟ هما ناوين يقطعوا عيشنا؟”

نظرت إليّ أمي بملامح جامدة كالرخام، وقالت وهي تضع هاتفها على الطاولة: “فوزية طول عمرها جبانة ومبتعرفش تضـ,ـرب إلا في الظهر، والراجل اللي كلمني ده ميكونش إلا أخوها الكبير.. ‘المعلم غريب’!”

انق,,بض قلبي وسألتها: “المعلم غريب؟ أنتِ مش قولتِ إن خال حسام اسمه رشاد وهو اللي جه القسم؟”

ردت أمي وهي تتنحنح وتجلس على الأريكة: “رشاد ده الخال الطيب اللي عايش في حاله وبيمشي جنب الحيط، إنما غريب ده قصة تانية خالص.. ده راجل عايش في المحافظات برة القاهرة، وتقيل في سوق التجارة وله معارف وناس واصلين، وظاهره رجل أعمال وباطنه بلطجة مقنّعة بالقانون. الظاهر فوزية كلمته وعيطت له وشحنتّه ضدنا بعد فضيحة الميكروفون.”

لم ننم ليلتنا تلك. كنت أتحرك في الشقة كالممسوسة، وأمي تجلس على سجادة الصلاة تدعو الله وتستغفر، لكن عينها كانت تلمع بذكاء امرأة مرت عليها من وعثاء الدنيا ما يكفي لتهد جبالًا.

في الصباح الباكر، ونحن نستعد للنزول لمحل البقالة الخاص بنا، وهو مص,,در رزقنا الوحيد الذي تركه لنا والدي رحمه الله، فوجئنا بصوت جلبة شديدة أمام المحل. ركضنا لأسفل، وكانت الصدمة بانتظارنا.

سيارة ضخمة تابعة لـ “شرطة المرافق” وتقف أمام المحل، ومعها موظفون من الحي، ويقومون بتشميع المحل بالشمع الأحمر، وينقلون بعض البضائع وصناديق العرض إلى سيارة النقل!

ركضت أمي نحو الموظف المسؤول وصاحت بهدوء ممزوج بقوة: “خير يا فندم؟ بتشمعوا المحل بأمارة إيه؟ أنا ورقي سليم ورخصتي مجددة وبأدفع ضرايبي أول بأول!”

نظر إليها الموظف ببرود وقال وهو يكتب في أوراقه: “جالنا بلاغ رسمي وشكوى كيدية مدعومة من جهات عليا بوجود مخالفات في التنظيم، وبروز غير قانوني للمحل على الرصيف، بالإضافة لشكوى صحية.. المحل مشمع لحد ما يتم التحقيق، والغرابة المطلوبة خمسين ألف جنيه!”

في هذه اللحظة، ظهر من بعيد حسام، وكان يقف على ناصية الشارع وبجانبه رجل ضخم، يرتدي جلبابًا صعيديًا فاخرًا وعقيدًا من الذهب يلتف حول رقبته، وعيناه تقطران شرًا وشم,,اتة.. كان هو “المعلم غريب”.

نظر إلينا حسام بابتسامة نصر صفراء، بينما أشار المعلم غريب بيده لأمي بـ “تحية” ساخرة، كأنه يقول لها: *أهو ده أول الغيث!*

تجمع الجيران حولنا يواسون أمي، والبعض قال بغض,,ب: “دي كوسة يا حاجة سناء! المحل ده بقاله عشرين سنة عمره ما خالف.. ده شغل المعلم غريب، الراجل ده نفوذه واصلة للحي.”

عدنا إلى الشقة والدموع تعمي عيني. انهرت تمامًا وقلت: “خربوا بيتنا يا ماما! المحل اتقفل والبضاعة راحت، والناس دي مش هترحمنا.. أنا السبب في كل ده، لو كنت استحملت ضـ,ـرب فوزية مكنش حصل فينا كدة!”

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *