المطبخ حكايات روماني مكرم ج 2

– التسجيل مش متفبرك يا أمي.. لأن الشنطة دي بتاعتك، والتليفون ده تليفونك، والكلام ده اتقال وأنا طالع عيني في الشوارع بلف على أصحاب المحلات عشان يرضوا يدوني أكل بالدين عشان أكرم ضيوفك.. ضيوفك اللي كنتِ بتستغلي وجودهم عشان تكسري ضهري.

ثم التفت إلى أعمامه وقال بمرارة:

– نورتوني يا عمامي، على راسي من فوق، والأكل ده حقكم.. لكن أنا بيتي كان بيتهد تحت رجليا وأنا مش داري.

هنا، لم تحتمل حماتي المواجهة. خطفت حقيبتها وعباءتها بعنــ,,ـــــف من على المقعد، ونظرت إليّ بنظرة تشتعل غيظًا وتوعدًا، وقالت وهي تتجه نحو الباب:

– ماشي يا ندى.. بقا حتة بت حتة وعايزة تكسري هيبتي قدام قرايبي؟ وعهد الله ما هسيبك، والبيت ده مش هتعمري فيه يوم واحد!

خرجت حماتي وصوت رزع الباب خلفها زلزل أركان الشقة. ساد هرج ومرج بين الضيوف، وحاول أعمام ممدوح تهدئته، لكن النفس لطعام العزومة كانت قد سُدت تمامًا. غادر الأعمام وعائلاتهم تباعًا بعد وقت قصير، وهم يدعون لممدوح بالصلاح والستر، ويعتذرون عما بدر من والدته.

أصبح البيت فارغًا، وبقيت أنا وممدوح وسط السفرة المليئة بالطعام والحلل التي ما زالت ساخنة. جلس ممدوح على الأريكة ووضع رأسه بين يديه، غارقًا في صمت طويل. اقتربت منه، جلست بجواره ووضعت يدي على كتفه وقلت:

– أنا أسفة إني عملت كدة قدام الناس يا ممدوح.. بس كان لازم الكل يعرف، وكان لازم تفوق قبل ما نلاقي نفسنا في الشارع.

رفع رأسه ونظر إليّ، ولم يكن في عينيه غضب مني، بل كان فيهما امتنان ممزوج بكسرة نفس:

– أنتِ حميتي بيتنا يا ندى.. أنا اللي كنت أعمى. بس تفتكري أمي هتمشيها كدة؟ أمي مش هتسكت، وأم فهد السمسارة دي مش هتاكل قلم زي ده وتعديه.

هززت رأسي وقلت له:

– وأنا مش مستنية لما يتحركوا.. إحنا اللي هنتــ,,ـــــحرك الأول.

في اليوم التالي، وهو اليوم السابع من رمضان، ظننا أن الأجواء ستهدأ قليلًا، لكن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن. عند العصر، رن جرس الباب بعنــ,,ـــــف متواصل ينم عن شر قادم. فتح ممدوح الباب، لنجد أمامنا والد حماتي (جده لشدة مفاجأتنا) ومعه اثنان من خيلانه، وملامح القسوة ترتسم على وجوههم، وخلفهم كانت تقف حماتي وعلى وجهها ابتسامة تشفي خبيثة.

دخل خال ممدوح الأكبر دون استئذان، وتوجه نحو ممدوح مباشرة وقال بنبرة جافة وخالية من أي رحمة:

– اسمع يا ممدوح.. إحنا ما يصحش عندنا إن عيل لسه مكملش تلاتين سنة يكسر كلام أمه ويفضحها قدام الناس عشان خاطر مراته. أمك خط أحمر، والشقة دي.. طالما هي سبب المشاكل، فالأصول بتقول إنك تكتبها باسم أمك برضاك، أو هنعرف ناخد حقها وحق كرامتها بطريقتنا!

وقفت وراء ممدوح وجسدي يرتجف، لكن ليس خوفًا، بل ترقبًا للخطوة القادمة.. فالصراع لم يعد مجرد عزومة وأكل، بل أصبح معركة وجود على الشقة والبيت.

لكن المفاجأة التي لم تكن تتوقعها حماتي ولا خيلانه، هي ما حدث في الدقيقة التالية.. عندما ظهر شخص من خلفنا في الممر، شخص لم يحسبوا له أي حساب، وقلب الموازين تمامًا.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *