المطبخ حكايات روماني مكرم ج 2

جاء وقت العصر، والمطبخ كان يتحول لخلية نحل، لكن الغريب إن الحركة فيه كانت هادية ومشحونة بغموض غريب. حماتي كانت رايحة جاية، تفتح الحلل وتبص بنظرات فاحصة، وعينها بتلمع بانتصار وهي شايفة كميات الأكل الكبيرة اللي طلبتها بتتحضر. كانت فاكرة إن كل ده بيترسم على حساب ديون جديدة هتقطم ضهر ممدوح وتجبره يبيع الشقة.
نزلت فوق دماغي تعليقاتها المعتادة:
– أيوة كدة، كتروا الرز.. وعايزة الفراخ دي تتحمر بالزبدة البلدي، مش عايزين فضايح قدام أعمام ممدوح.
كنت ببص لها وأنا ببتسم بكل برود وأقول:
– من عينيا يا حماتي، كله هيبقى تمام وزي ما خططتي بالظبط.
وقبل المغرب بساعة، لما ممدوح جه ووشه أصفر من الهم وشايل باقي الطلبات، استغليت لحظة دخول حماتي الحمام عشان تجهز وتلبس عبايتها لاستقبال الضيوف. سحبت ممدوح من إيده ودخلت بيه الأوضة وقفلت الباب. ممدوح بصلي بخوف وقال:
– في إيه يا ندى؟ سحبتيني كدة ليه؟ الأكل قصر معاكي؟ أقسم بالله الراجل بتاع السوبر ماركت رفض يديني بالشكك تاني لولا إني حرجته قدام الناس.
طلعت موبايلي، وكنت مجهزة المفاجأة اللي هتقلب الموازين. في اليوم اللي فات، لما سمعت مكالمة حماتي مع “أم فهد” السمسارة، ما سكتش.. أنا كنت مشغلة مسجل الصوت على تليفوني القديم وحطاه جنب شنطتها وسجلت المكالمة كاملة، صوت وصورة للشنطة والصوت طالع منها بوضوح.
شغلت التسجيل قدام ممدوح.
صوت “أم فهد” وهو بيقول: “كل ما تزنقها في مصاريف العزومات.. كل ما هيطلب البيع أسرع.. المشتري جاهز يدفع كاش في الشقة.. ونصلحه على بنتي هند”.
ممدوح كان بيسمع والصدمة مجمداه في مكانه. ملامح وش بتبدل من الذهول للغضب، لعينه اللي بدأت تدمع وهو مش مصدق إن أمه، اللي بيستلف من طوب الأرض عشان يرضيها ويرفع راسها قدام قرايبه، هي اللي بتخطط عشان تخرب بيته وتبيعه شقته اللي شقي فيها.
بصلي وهو مش قادر ينطق، شفايفه بتترعش وقال:
– أمي؟ أمي تعمل فيا أنا كدة؟ عايزة تخرب بيتي وتبيع شقتي عشان الفلوس وتجوزني هند؟
حطيت إيدي على كتفه وقلتله بقوة:
– ممدوح، أنا وأنت تعبنا في البيت ده، وأبويا دفع نص ثمن الشقة دي من شقاه. أنا مش هسيب حقي، وأنت لازم تفوق. العزومة دي مش هتعدي كدة، والناس اللي برة دول أعمامك ولازم يعرفوا حقيقة اللي بيحصل. أنا رتبت كل حاجة، وعايزاك تقف وتتفرج بس.
الناس بدأت توصل، أعمامه وولادهم، الصالة اتملت، وحماتي كانت قاعدة على رأس المجلس تتكلم بفخر وكأنها هي اللي دافعة تمن العزومة من جيبها. ممدوح خرج وسلم عليهم، لكن نظراته لأمه كانت متغيرة تمامًا، كانت نظرات مكسورة ومليانة عتاب وغضب مكتوم.
أذن المغرب، وبدأنا ننقل الأكل للسفرة. السفرة كانت حرفيًا “ملكّية”، أصناف وألوان من كل ما لذ وطاب. حماتي كانت بتبص للأكل وعينها بتلمع، وبتقول لأعمام ممدوح:
– كلوا يا جماعة، ممدوح ومراته مجهزينلكوا الأصناف دي مخصوص، ممدوح مبيستخسرش في أهله حاجة واشتراكم بكل غالي.

