أخت جوزي ضربتني بالقلم ج 3 حكايات زهرة الربيع

وقف كريم مذهول في ممر المحكمة، الكلمات تاهت من على لسانه وهو شايف البنت الغلبانة، اللي كانت ماشية جنب الحيط وبتقول “يا رب استرها معايا”، واقفة قدامه بقوة وشموخ ومبتتهزش. حاول محاميه يجرّه بعيد وهو بيهمس له: “المنظر مش في صالحنا يا كريم يا ابني، الفيديوهات دي لو القاضي اعتمدها، قضية الطاعة بح، وهتتحكم لها بالطلاق للضرر والنفقة والمؤخر كامل، وهتخرج من المولد بلا حمص.. لازم نشوف حل ودي بسرعة”.
لكن كريم، من كتر الصدمة والعند اللي عمى عينيه، نفض إيد محاميه ومشي وهو بيبرطم بكلام مش مفهوم، وعينيه بتطق شرار. لفيت ضهري وبصيت لأبويا اللي كان ساند على عكازه، وابتسامة فخر مرسومة على وشه التعبان. طبطب على كتفي وقال: “عاش يا بنتي.. الراجل اللي ميعرفش يقيم مراته في الهنا، ملوش كلمة عليها في الزعل. يلا بينا نروح”.
رجعنا البيت، والبلد كلها مكنش وراها سيرة غير “سمر اللي وقفت لجوزها وعيلته في المحكمة”. الأرياف مفيهاش أسرار، وبمجرد ما المحامين والشهود رجعوا، الخبر انتشر زي النار في الهشيم. في وسط الأيام دي، بدأت أحس بإن ربنا سبحانه وتعالى بيعوضني عن كل ليلة نمت فيها مقهورة؛ الستات في البلد اللي كانوا بيشفقوا عليا امبارح، بقوا بيبصوا لي اليوم بنظرة إعجاب، والكل بقا يعمل حساب لـ “سمر بنت الحاج أحمد” اللي متقبلش العيبة.
بعد الجلسة بأسبوع، الباب خبط في وقت متأخر من السهرة. أمي فتحت، ولقينا الحاج صالح، عم كريم وكبير عيلتهم، داخل ومعاه راجلين من أعيان البلد، بس المرة دي كريم مكنش معاهم.
أبويا استقبلهم في الصالة بكل أدب، وقعد وهو حاطط رجله فوق رجله، ملامحه هادية بس حاسمة.
الحاج صالح اتنهد وقال: “يا حاج أحمد، إحنا جايين لك المرة دي وإحنا عارفين إن عيلتنا غلطت في حقكم، والولد كريم ركبه الشيطان وعمي عينيه العند. بس إحنا ولاد بلد واحدة، والمحاكم دي بتاكل من سمعة العيلتين، وميرضيش ربنا إن الأمور توصل للطلاق والخراب والمحاضر”.
أبويا رد بكل رزانة: “والله يا حاج صالح، الخراب ده ابنكم هو اللي جابه برجله لحد بيتنا. بنتي راحت عنده مصونة، وانضربت قدام أهله وناسه، وبدل ما ينصرها، حبس حقها بيمين طلاق. ولما جينا نعاتب بالأصول، جاب لي المحضر بإنذار طاعة عشان يكسر رقبتها. تفتكر بعد كل ده، لسه في مكان للأصول؟”
الراجل اللي مع الحاج صالح اتكلم وقال: “عندك حق يا حاج أحمد، وكريم غلطان ومحجوج، وإحنا جايين دلوقتي بـ ‘قعدة حق’.. قعدة عرب ورجالة، وشروطك اللي هتقولها هتمشي على رقبة كريم وعلى رقبتنا كلنا، بس بلاش المحاكم والفضايح، والست سمر ترجع بيتها مكرمة، وكريم يكتب لها الترضية اللي ترضيها”.
أبويا بص لي، وسألني برأيي بنظرة عين فهمتها. قومت وقفت ووقفت وسط الرجالة بكل أدب وقولت: “يا حاج صالح، أنتم على راسي من فوق، والأصول إحنا أولى الناس بيها. أنا مش غاوية محاكم ولا خراب بيوت، وأنا وافقت على قعدة الحق دي عشان خاطركم وخاطر بلدنا، بس شروطي مفيهاش فصال، ولو كريم موافقش عليها، يبقى القاضي هو اللي هيحكم بنا”.
الحاج صالح قال: “قولي يا بنتي وشروطك مجابة”.
قولت بثقة: “أولاً، كريم يطلقني يمين على يد مأذون عشان يمين الطلاق اللي رماه في الفرح نخلص من شبهته شرعاً، ويردني بعقد ومهر جديدين، عشان يعرف إن رجوعي مش ببلاش. ثانياً، شقة الزوجية تتكتب باسمي أو يتكتب لي وصل أمانة بقيمتها كضمان. ثالثاً، شيماء أخته متدخلش بيتي ولا تلمح وشي، وعلاقتي بحماتي الست الطيبة هتفضل على راسي، لكن شيماء خط أحمر. ورابعاً وأخيراً.. كريم يعتذر لي قدام عيلتي كلها في قعدة الرجالة دي، ويرد لي اعتباري زي ما ساب كرامتي تتداس في الفرح”.
الرجالة بصوا لبعض، الشروط كانت تقيلة وتكسر عين أي راجل مغرور، بس الحاج صالح هز راسه وقال: “حقك يا بنتي، واللي صان عرضه وصان كرامته يستاهل. أنا هروح لكريم وأقعد معاه، وإن شاء الله قعدة الحق هتكون الخميس الجاي في بيت أبوكي”.
لما كريم عرف بالشروط، البلد كلها عرفت إنه انهار وعلي صوته، وقال: “تكتب الشقة باسمها؟ وتخليني أعتذر لها؟ أنا كريم يتعمل فيا كده من حتة عيلة؟”
لكن الحاج صالح وقف له وقفة رجالة وقاله: “العيلة دي اللي تستهون بيها، كسبت قضيتها في المحكمة بالفيديوهات، والفضيحة هتبقى بجلاجل لو القاضي حكم بالطلاق للضرر. ده غير إن جوز أختك شيماء حالف ما يرجعها غير لما الأمور تصفى، يعني خراب بيتك هيبقى خراب لبيت أختك كمان! يا إما توافق وتنزل راسك للأصول، يا إما تنسى إن ليك عيلة تقف وراك”.
تحت ضغط العيلة، وخوفه من خسارة كل شيء في المحكمة، وخوفه الأكبر من كلام الناس اللي بقى يلاحقه في كل مكان، كريم وافق.. وافق وهو مكسور الجناح، والعند اللي كان سايقه اتهد تماماً.
وجاء يوم الخميس المشهود..
صالة بيت أبويا كانت مليانة من كبار البلد ورجالة العيلتين. كنت قاعدة في الأوضة الجوانية، وسامعة كل كلمة بتتقال برة. دخل المأذون الأول، وطلقني من كريم طلقة أولى بناءً على اليمين اللي فات، ورجع ردني بعقد جديد ومهر جديد وسط شهادة الكل.
بعد ما المأذون خلص ورقته، الحاج صالح نادى عليا: “اخرجي يا سمر يا بنتي، خدي حقك”.
خرجت ووقفت بكل ثبات. كريم كان قاعد، عينه في الأرض، وشه أحمر وعروقه بارزة، مش قادر يبص في عيني من الكسرة. قام وقف قدام الرجالة كلها، وبص لي وقال بصوت فيه بحة وندم حقيقي: “حقك عليا يا سمر.. أنا غلطت في حقك، وسيبت الشيطان يدخل بنا، ومحمتكيش في وقت كان لازم أكون أنا ضهرك وسندك. قدام كبار البلد وعيلتك، أنا بعتذر لك، وكرامتك من كرامتي، والي اللمسة اللي تمسك هقطعها”.
أبويا طلع دفتر الشروط، وكريم مضى على التنازل عن الشقة ووقع على الشروط الجديدة وهو ساكت تماماً. في اللحظة دي، حسيت إن الروح ردت فيا.. القلم اللي انضربت بيه في الفرح، اترد دلوقتي بس مش بالايد ولا بالضرب، اترد بالحق، بالأصول، وبـ إن الست لما ترفض الظلم، الدنيا كلها بتجبر بخاطرها.
بعد ما الرجالة مشيوا، فضلت أنا وكريم في الصالة لوحدنا. قرب مني بخطوات بطيئة، باين عليه إنه اتقدم في السن من كتر الهم اللي شافه في الكام أسبوع دول. بص لي وقال بنبرة رجاء: “ارتحتي يا سمر؟ خدتي حقك تالت ومتلت، وكسرتي عيني قدام البلد كلها؟”
بصيت له بكل هدوء وقولت: “أنا مكسرتش عينك يا كريم، أنت اللي كسرت نفسك يوم ما استهونت بيا. أنا دافعت عن نفسي وعن كرامتي اللي أنت حطيتها تحت رجل أختك. الشقة والورق والاعتذار ده كله مش عشان أذلك.. ده عشان تفتكر دايماً إن سمر مش غلبانة ولا ملهاش حد، سمر وراها راجل عرف يربيها وعرف يجيب لها حقها”.
سكت شوية، وبعدين قال: “يلا بينا نرجع بيتنا؟”
قولتله: “أنا هقعد في بيت أبويا أسبوع كمان.. عشان أرتاح، وعشان أنت كمان تقعد مع نفسك وتفكر في العقد الجديد اللي كتبناه. إحنا هنرجع يا كريم، بس مش سمر القديمة اللي هترجع معاك. هترجع معاك الست اللي هتشيلك في عينيها طالما صاينها، بس لو فكرت في يوم تيجي عليها، هتلاقيك بتخسرها وبتخسر كل حاجة في ثانية”.
هز راسه بالموافقة وهو مش قادر يتكلم، وخرج من البيت وهو عارف إن اللعبة اتغيرت، وإن المركب اللي كانت ماشية بالدادي، دلوقتي هتمشي بالعدل والأصول.
مر الأسبوع، ورجعت بيتي.. بس المرة دي دخلت وأنا رافعة راسي، الشقة شقتي بالقانون، وكريم بقى بيعمل لكل كلمة بقولها ألف حساب. شيماء أخته ا تلمت، ومبقتش تقدر حتى تجيب سيرتي بكلمة، بعد ما عرفت إن جوزها محمود رجعها بشرط إنها ملهاش دعوة بيا ولا ببيتي.
وقفت في بلكونة شقتي، وبصيت للشارع وللبلد، وأخدت نفس طويل ومليان راحة. الدنيا لفت بيا يوم الفرح وصدمتني، بس اللفة دي هي اللي صحّتني وعلمتني إن الست ملهاش غير كرامتها، طالما هي صح ومعاها الأصول، ربنا مبيسيبهاش مكسورة أبدًا.
