أخت جوزي ضربتني بالقلم ج 3 حكايات زهرة الربيع

مرت ثلاثة أشهر على تلك الليلة المشهودة التي تغيرت فيها خارطة حياتي. عادت المياه إلى مجاريها في الظاهر، لكنها لم تعد نفس المياه، ولا المجرى ظل كما كان. الشقة التي كنت أدخلها بقلب مرتجف يخشى غضب الزوج وتقلبات عائلته، أصبحت أدخلها اليوم وأنا أعلم أن جدرانها تشهد على حقّي الموثق بالقانون والأصول.
كريم تغير تماماً؛ أصبح رجلاً آخر، هادئاً، حذراً في تعاملاته، يزن الكلمة قبل أن تنطق بها شفتاه. لم يعد ذلك الزوج الذي يتركني في مواجهة العاصفة بمفردي، بل أصبح يحرص على راحتي بشكل مبالغ فيه أحياناً، وكأنه يحاول طوال الوقت محو آثار تلك الليلة من ذاكرتي. لكن الجروح الغائرة في النفوس لا تلتئم بمجرد اعتذار أو توقيع على ورق؛ بل تحتاج إلى وقت، وإلى مواقف حقيقية تثبت أن التغيير نابع من الداخل وليس مجرد خوف من الفضيحة أو خسارة الشقة.
كانت الحياة تسير بهدوء حذر، حتى جاء يوم الجمعة، وهو اليوم الذي اعتادت فيه عائلة كريم التجمع في بيت حماتي الكبيرة. منذ عودتي، لم أطأ بيت حماتي تجنباً للقاء شيماء، ورغم أن حماتي كانت تتصل بي يومياً وتدعو لي بالصلاح وتطلب رؤيتي، إلا أنني كنت أعتذر بلطف، وكان كريم يتفهم ذلك تماماً ولا يضغط عليّ.
لكن في ذلك الصباح، رن هاتف كريم، وكان المتحدث هو عمه الحاج صالح. سمعت كريم يقول بنبرة قلقة: “يا عمي، سمر لسه مش مستعدة، وأنا مش عايز أضغط عليها.. حاضر.. حاضر يا عمي، هنحصلكم على هناك.”
قفل كريم الخط والتفت إليّ وعلامات التردد واضحة على وجهه. اقترب مني وقال بصوت منخفض: “سمر.. الحاج صالح مكلمني وبيقول إن العيلة كلها متجمعة عند أمي اليوم، ومحمود جوز شيماء معاهم. الحاج صالح طالبك بالاسم، وبيقول إن قعدتنا النهاردة هي اللي هتقفل الصفحة دي تماماً قدام العيلة الكبيرة عشان القيل والقال ينتهي. لو مش عايزة تيجي، قوليلي وأنا هروح لوحدي وأعتذر لهم.”
نظرت إلى كريم، رأيت في عينيه رجاءً مكتوماً. لم يكن يطلب مني التنازل، بل كان يطلب مني مساندته ليظهر أمام عائلته بأنه استعاد بيته وزوجته، وأن الأمور استقرت. فكرت قليلاً.. سمر القديمة كانت سترفض خوفاً من المشاكل، لكن سمر الجديدة تعلم أن المواجهة هي التي تثبت القوة، وأن الهروب يجعل الآخرين يظنون أنكِ ما زلتِ مكسورة.
قمت ووقفت وقلت له بابتسامة هادئة: “بالعكس يا كريم، إحنا هنروح. الست الطيبة حماتي ليها حق عليا إني أزورها، والحاج صالح رجل أصول ومقدرش أكسر كلمته. جهز نفسك ويلا بينا.”
لمعت عين كريم بالفرحة، وشعرت لأول مرة منذ الأزمة بأنه ينظر إليّ بنظرة تقدير حقيقية، نظرة رجل يرى في زوجته سنداً وعقلاً راجحاً وليس مجرد تابعة.
وصلنا إلى بيت العيلة الكبير في وسط البلد. كانت السيارات واقفة برة، وصوت الضجة والحديث يملأ المكان. نفضت عن نفسي أي توتر، وأمسكت بإيد كريم ودخلنا.
أول ما دخلنا الصالة الكبيرة، سكتت الأصوات فجأة، والعيون كلها اتجهت نحونا. كانت حماتي قاعدة في الصدارة، وعن يمينها الحاج صالح، وعن شمالها محمود جوز شيماء، وفي ركن بعيد كانت تجلس شيماء، منكمشة على نفسها، تختبئ وراء زوجها ومبتنطقش بكلمة.
حماتي أول ما شافتني، وقفت على رجليها وفتحت دراعاتها وهي بتبكي: “نورتي بيتك يا سمر يا بنتي! يا ألف نهار مبروك، الرجل تدب فيها روحها لما تشوفي أولادك متجمعين حواليكي.”
ذهبت إليها وارتميت في حضنها وقبلت رأسها وإيدها، وقولت لها: “البيت منور بيكي يا أمي، وأنا مجيتش غير عشان خاطرك.”
الحاج صالح وقف ورحب بينا، وجلسنا في وسط المجلس. محمود، جوز شيماء، راجل موظف ومحترم ومعروف في البلد بكلمته الحق، وقف وسلم على كريم وعليا وقال بصوت جهوري يسمعه الكل: “نورتي يا ست سمر. أنا قولت للحاج صالح ولقرايبنا كلهم، الست سمر دي بنت أصول، واللي حصل معاها كان غلطة شنيعة وميرضيش ربنا، والنهاردة إحنا متجمعين عشان نأكد إن الكل بيحترمها ويقدرها في البيت ده.”
بصيت لشيماء، كانت باصة في الأرض ووشها أحمر من الخجل والكسرة. لم أكن أشمت فيها، بل كنت أشعر بالأسف على امرأة تركت الغيرة والحقد يقودانها لخراب بيتها وكسر هيبتها قدام عيلتها وجوزها.
أثناء الجلسة، قامت الستات يجهزوا الغدا. حماتي قالت لشيماء بنبرة حاسمة: “قومي يا شيماء يا بنتي، ادخلي المطبخ هاتي صواني الأكل مع مرات أخوكي.”
رأيت الرعب في عيون شيماء وهي بتبص لي، كانت خايفة من مواجهتي منفردين في المطبخ. قمت وقولت لحماتي: “خليها مرتاحة يا أمي، أنا هدخل أساعدهم.”
دخلت المطبخ وبدأت أنظم الأطباق والصواني. بعد دقائق، لقيت شيماء داخلة ورايا بخطوات مترددة، قفلت الباب ووقفت ورايا وهي بتفرك في إيديها. التفت إليها ببرود وقولت: “عايزة حاجة يا شيماء؟”
نزلت دموعها فجأة وقربت مني وقالت بصوت مخنوق ومكتوم عشان محدش برة يسمع: “سمر.. أنا عارفة إنك مسمحاني في الظاهر عشان خاطر الناس، بس أنا والله العظيم عايشة في جحيم. محمود جوزي من يوم الفرح وهو مبينظرش في وشي، ودايماً يعايرني ويقولي إنك أنتي بنت الأصول اللي عرفتي تحافظي على كرامتك، وأنا اللي فضحت عيلتي. قوليلي أعمل إيه عشان يسامحني بجد؟ أنا بيتي كان هيتخرب لولا إنك وافقتي على الصلح.”
نظرت إليها طويلاً. رأيت فيها الانكسار الحقيقي الذي يغير النفوس. قولت لها بنبرة هادئة وصارمة في نفس الوقت: “يا شيماء، أنا قولتلك قبل كده إني معنديش غل من ناحيتك. القلم اللي ضربتيهولي، ربنا ردهولي أضعاف في الدنيا قبل الآخرة بالحق والأصول. مشكلتك مع محمود مش بسببي أنا، مشكلتك إن محمود شاف فيكي طبع وحش، شاف الغيرة والغل والحسد اللي كانوا ماليين قلبك من ناحيتي بدون سبب. محمود مش هيصالحك ولا هيحترمك غير لما يشوف إنك اتغيرتي بجد، إنك سيبتِ الناس في حالهم وركزتي في بيتك وعيالك.”
بكت أكتر وقالت: “والله اتعلمت الأدب يا سمر، والله العظيم حرمت أتدخل في حياة حد.”
قولت لها وأنا بطبطب على كتفها براحة: “طالما حرمتي، يبقى ربنا غفور رحيم. ادخلي امسحي دموعك دي، واقعدي جنب جوزك، وأنا قدام محمود والكل هتعامل معاكي بكل أدب واحترام، عشان يبان قدامه إنك بقيتي كويسة والأمور صِفيت بجد. بس افتكري دايماً يا شيماء.. بيوت الناس مش لعبة، وكرامة الست خط أحمر.”
خرجنا من المطبخ، وقعدنا على طبلية الغدا الكبيرة. بدأت أتعامل مع شيماء بشكل طبيعي، أناولها الأطباق وأبتسم في وش عيالها. محمود جوزها كان بيراقب الموقف بعينه، ولمحت ابتسامة رضا على وشه. بعد الغدا، محمود التفت لكريم وقال: “الحمد لله يابو كرم، الغمة انزاحت، والنفوس صِفيت. وأنا قدام عمنا الحاج صالح والكل، بقول لشيماء مراتي: مرات أخوكي دي تشيليها فوق راسك، وتتعلمي منها الأصول، والبيت ده ملوش سيرة غير بالخير من هنا ورايح.”
شيماء هزت رأسها بالموافقة وقالت: “حقكم عليا جميعاً، وسمر دي أختي الكبيرة ومقامها على راسي.”
رديت عليها وقولت: “إحنا ولاد عيلة واحدة يا أبو عيالنا، والصلح خير.”
في اللحظة دي، بصيت لكريم اللي كان قاعد جنبي، شفت في عينيه نظرة امتنان عميقة جداً. كان عارف إن تصرفي ده، ومسامحتي لأخته في العلن ومساعدتها قدام جوزها، هو اللي قفل باب الفضيحة تماماً، وهو اللي رجع لعيلته هيبتها اللي تاهت في الفرح. كريم فهم إن الست القوية مش اللي بتستمر في الانتقام، الست القوية هي اللي بتعرف إمتى تضرب بالحق، وإمتى تعفو وتكبر من مكانة جوزها لما تلاقيه صانها بجد.
رجعنا بيتنا في سهرة اليوم ده. الشارع كان هادي، ونور شقتنا كان دافي ومريح. دخلنا، وكريم قفل الباب ورايا. التفت إليّ، وأمسك إيدي الاثنين، وبص في عيني ونزل على ركبه قدامي في وسط الصالة!
اتخضيت وقولتله: “في إيه يا كريم؟ بتعمل إيه؟ قوم!”
نظر إليّ وعينيه مغرورقة بالدموع وقال: “سمر.. أنا النهاردة بس حسيت إني رجعت راجل بجد. أنتي النهاردة كبرتي بيا قدام أهلي وعيلتي وعمامي كلهم. أنتي عفتِ عن أختي وساعدتيها في بيتها بعد ما كنتي تقدري تذليها وتذليني معاها. أنا عمري ما هنسى ليكي الموقف ده يا سمر. الورق والشروط اللي مضيت عليها في بيت أبوكي كانت حقك، لكن اللي عملتيه النهاردة ده فوق الحق.. ده أصل وفضل مش بيطلع غير من بنت أكابر بجد.”
قومت قعدت جنبه على الأرض، وأمسكت وجهه بإيدي وقولت له بصوت كله حنان: “يا كريم، أنا لما حاربت، محاربتش عشان أخرب بيتي، ولا عشان أذلك قدام الناس. أنا حاربت عشان أفوقك، عشان أعرفك إن مراتك دي شرفك وعرضك، واللي يقبل على مراته الإهانة، الناس بتهينه هو الأول. أنا النهاردة كبرت بيك لأنك بقيت جوزي وسندي بجد، والست لما تلاقي راجلها ضهر ليها، بتشيله فوق راسها وبتفدي أهله بعينها.”
بكى كريم في حضني مثل الطفل الصغير الذي وجد أمانه بعد طول غياب. في تلك الليلة، انمحت آخر نقطة سوداء كانت في قلبي من ناحيته. حسيت إن المركب اللي كانت بتغرق امبارح، النهاردة رست على بر الأمان، مش بالخوف ولا بالتهديد ويمين الطلاق، بل بالحب والاحترام والأصول المتبادلة.
مرت الأيام والشهور، وأصبحت حياتنا مثالاً يُحتذى به في البلد كلها. شيماء أصبحت حريصة على ودّي، وتأتي لزيارتي وهي محملة بالهدايا وتستشيرني في كل صغيرة وكبيرة في بيتها. وحماتي تفتح لي قلبها ودعواتها لا تنقطع عني وعن بيتي.
وفي صباح يوم مشمس، كنت واقفة في المطبخ بجهز الفطور لكريم وهو بيستعد للذهاب لشغله. شعرت بدوار خفيف، وتعب مفاجئ لم أعهده من قبل. ابتسمت في سري وأنا بفتكر الأيام اللي فاتت، وقولت في نفسي: “سبحان مغير الأحوال من حال إلى حال”.
خرجت للصالة ولقيت كريم لابس ومتأنق، جئت أضع له الفطور، فنظر إليّ بقلق وقال: “مالك يا سمر؟ وشك أصفر وتعبانة ليه كده يا بنتي؟”
أمسكت إيده وحطيتها على بطني وقولت له بابتسامة مليانة دموع وفرحة: “مفيش يا كريم.. شكل الشروط الجديدة اللي كتبناها في العقد، ربنا هيبارك لنا فيها بفرع جديد يملأ علينا البيت.”
كريم اتصدم، وساب الشنطة من إيده، وشالني ولف بيا في الصالة وهو بيصرخ من الفرحة ويدعي ربنا ويبكي. في اللحظة دي، بصيت للسماء وقولت: “الحمد لله يا رب.. الحمد لله اللي نصرني بالحق، وجبر بخاطري، وعوضني عن كل ليلة قهر عشتها. الكرامة غالية، والأصول مبتخسرش أبداً، والبيت اللي بيتبني على العدل، ربنا بيعمر فيه الخير والبركة لآخر العمر.”
