200 جنيه ج 1 حكايات روماني مكرم
بعد ولادتي، جوزي معتز حدف في إيدي 200 جنيه، وشاورلي على موقف الميكروباصات اللي في أول الشارع، وقال لي خدي ابننا الجديد ده وروحي البيت لوحدك.
وورا ضهره بالظبط، كانت واقفة عربية كيا سبورتيدج زيرو، مكنتها دايرة وبتطلع ريحة الفابريقة.
بس العربية دي مكنتش عشاني..
ولا عشان ابنه اللي لسه حبل السُرّة بتاعه منشفش.
دي كانت عشان أمه وأخته.
كنت واقفة على بوابة المستشفى، شايلة الكاريكات والبيبي جواها، ومش قادرة أصلب طولي، كل خطوة بمشية كانت بتفكرني بوجع غرز القيصرية اللي لسه طرية.
أنسيال المستشفى البلاستيك كان لسه ملفوف حوالين معصم إيدي.
وشريط شيل الكيتوفان والمسكنات في شنطتي.
ومع كل ده، الباشا معتز كان واقف ينفخ ومتغاظ إني بمشي براحة وبجر في رجلي.
بص في ساعته وقال لي ببرود:
“إخلصي يا صابرين، الميكروباص مبيقفش وبيمشي بسرعة.”
بصيت له ودموعي محبوسة في عيني..
في الأول افتكرته بيهزر، يعني مين يعمل كده؟
لقيته بيطبق الفلوس ويحطها في جيب جلابيتي بالعافية، وقال:
“خدي بس ومتعمليش حوار.”
هنا بس الصدمة خبطت في دماغي.. ده بيتكلم جد!
على بعد خطوتين، كانت أمه، الحاجة صفية، بتركب في الكرسي القدامي وهي بتعدل عبايتها السيرما.
وأخته الصغرى شيريهان قاعدة ورا، مأنتخة وبتلعب في الآيفون بتاعها.
محدش فيهم حتى قال لي “هاتي أشيل عنك الواد”، ولا حد قال لي “حمد الله على سلامتك يا بنتي”.
كل اللي عملته أمه، إنها نزلت زجاج العربية وقالت بلوية بوز:
“يلا يا معتز، هنتأخر على حجز المحشي والبط في المطعم، الشوربة هتبرد.”
يعني حجز الغدا كان أهم بكتير من السِت اللي شالت ابنه تسع شهور في بطنها وتبهدلت في غرف العمليات.
عدلت الكوفرتة الشاش حوالين وش ابني وقلت له بصوت مخنوق:
“أنتوا بجد هتسيبونا هنا في الشارع وتمشوا؟”
معتز ضرب كف على كف وقال بزهق:
“هو أنتِ ليه دايماً غاوية نكد وبتصعبي الأمور؟”
بتصعب الأمور…
الكلمة رنت في ودني وزهقتني.
يعني مش الحمل اللي كان صعب؟
ولا الولادة وفتح البطن؟
ولا الليالي اللي مشفتش فيها النوم؟
لأ.. أنا اللي كنت “صعبة” وتقيلة على قلبهم.
أخته شيريهان ضحكت من ورا بخبث وقالت:
“سيبك منها يا أبيه، دي بتعمل شو كعادتها عشان تلوي دراعك.”
بصيت لها.. وبعدين بصيت له.. وبعدين بصيت للعربية الزيرو اللي واقفة على بعد مترين.
طول ثلاث سنين جواز، كنت بكدب على نفسي وأقول معلش، الكلمة التجرح دي طيش ولاد، الإهانة دي عشان مضغوط في الشغل، التطنيش ده قلة فهم منه.
بس وأنا واقفة في الشمس دي، شايلة حتة اللحمة الحمراء دي بين إيديا، الغشاوة شالت من على عيني وشفت الحقيقة واضحة زي الشمس.
ده مكنش يوم وحش.. ده أصلهم وطبعهم الندل.
قرب مني معتز وقال بقلة ذوق:
“روحي البيت بقى من سكات، أمي مش ناقصة طاقة سلبية ونكد على الغدا النهاردة.”
طاقة سلبية..
ده الوصف الجديد للأم اللي لسه قايمة من الولادة وبتنزف!


