حصاد الايام حكايات مني السيد ج 1

بصتلي بخضة:
— “متأكدة؟”
— “النهارده آه.”
الساعة 10 ونص كنت في البنك.
مش في الطابور…
في مكتب مدير الفرع.
حطيت قدامه التقرير الطبي، وأوراق الوصاية، وكشوف الحساب، وصورة قديمة لأبويا وهو شايل أحفاده على كتفه.
قرأهم كلهم وساكت.
وبعدين قال:
— “يا أستاذة نادية… إنتِ مدركة خطورة اللي بتقوليه؟”
— “وعشان كده أنا هنا.”
بره كان يوم قبض عادي:
عواجيز مستنيين دورهم.
ستات بيعدوا الفكة.
والموظفين بينادوا بالأرقام.
بصيت على الساعة.
11:10.
11:18.
11:27.
وبعدين شوفته.
سامح داخل وهو بيزق كرسي بابا بعصبية، حاطط نضارة شمس فوق راسه وريحت البرفان مالية المكان.
أبويا كان قافل البلوفر غلط، وفي جيبه نص بسكوتة، عامل زي طفل مش فاهم هو رايح فين.
سامح ركنه جنب الطابور وقال:
— “استنى هنا يا ريس… هنجيبلك عصير دلوقتي.”
أبويا ابتسم وقال:
— “القطر وصل؟”
سامح حتى ماسمعلوش.
راح على الشباك، وطلع البطاقة ودفتر المعاش وقال بصوت واطي:
— “سحب كامل… أبويا تعبان شوية بس دي إمضته.”
الموظف بدأ يراجع.
رجلي كانت بتترعش… بس ماتحركتش.
مدير الفرع قام.
والظباط قربوا بهدوء.
وسامح ماخدش باله.
كان مركز مع الفلوس وهي بتتعد.
ساعتها خرجت من المكتب.
وقفت وراه مباشرة.
أبويا أول واحد شافني.
عنيه لمعت شوية وقال:
— “ماما…”
قلبي اتقطع.
سامح لف بضيق…
ولما شافني واقفة ومعايا مدير البنك والظباط…
وش “الراجل المهم” اختفى مرة واحدة.
الموظف كان ماسك الفلوس في إيده.
مدير الفرع حط إيده على الكاونتر وقال:
— “عملية السحب دي مش هتتم.”
سامح بلع ريقه:
— “في إيه؟!”
فتحت شنطتي…
وطلعت الملف اللي عليه اسمه.
وقبل ما يلحق يألف كدبة جديدة…
مدير البنك بص لكل اللي في الطابور وقال
تجمدت الدماء في عروق سامح، وبدت النظارة الشمسية الموضوعة فوق رأسه وكأنها ثقل يوشك أن يطيح بوقاره المزيف. نظر إليّ، ثم إلى ضابط المباحث الذي خطى خطوة واسعة ليصبح على بُعد سنتيمترات قليلة منه.
قال سامح وصوته يرتجف محاولاً استعادة نبرة الاستعلاء:
— “نادية؟ إيه المخروبة اللي أنتِ عاملاها دي؟ ومن امتى وأنتِ بتدخلي في شؤون أبويا المادية؟”
لم أرد عليه. نظرتُ فقط إلى يديه اللتين كانت تفركان دفتراً صغيراً، نفس اليدين اللتين طالما امتدتا لتأخذ المصروف من رجل كان يحرم نفسه من اللقمة ليعلمّه.
تقدم مدير الفرع، وبنبرة حاسمة هزت أركان صالة الانتظار قال:
— “يا أستاذ سامح، الأستاذة نادية مش بتتدخل. الأستاذة نادية هي الوصي القانوني والشرعي المعتمد من المحكمة على الحاج محمود. يعني بحكم القانون، أنت مالكش أي حق في السحب، ولا حتى توقيع الحاج محمود له قيمة قانونية بدون علمها وموافقتها.”
وقع الكلمات على سامح كان كالصاعقة. التفت يميناً ويساراً ليجد نظرات العواجيز والستات في الصالة وقد تحولت كلها إليه. لم تعد نظرات فضول، بل كانت نظرات احتقار لرجل يستغل عجز أبيه.
حاول سامح المناورة، فالتفت إلى الضابط وقال بصوت متهدج:
— “يا فندم دي مؤامرة… دي أختي وبتغير مني عشان بابا بيحبني أنا وبيضمنّي. اسألوا بابا بنفسكم.. يا بابا؟ مش أنت اللي مديني الكارت وقايلي اسحب؟”
التفتنا جميعاً إلى الحاج محمود. كان جالساً على كرسيه المتحرك، يلعب بأصابعه المرتعشة في طرف البلوفر البني الذي أغلقت أزراره بشكل خاطئ. نظر إلى سامح، ثم نظر إليّ، وبتلقائية شديدة، امتدت يده المرتعشة نحو جيبه، وأخرج نصف البسكوتة وقال بصوت طفولي نقي:
— “خدي يا نادية… خبي دي للقطر… عشان لما نسافر.”
في تلك اللحظة، انفجر أحد الشيوخ الجالسين في الصالة باكياً، وقال بصوت عالٍ:
— “حرام عليك يا ظالم! ده مش فاهم هو فين أصلاً! بتسرق أبوك وهو على شفا حفرة من الموت؟!”
### المواجهة القانونية
تقدم الضابط بخطوات ثابتة، وأخرج كلبشات حديدية من حزامه. لمحهما سامح فبدأ يصرخ:
— “أنت هتقبض عليا؟ بأي تهمة؟ ده أبويا! وفلوسه فلوسنا كلنا!”
تحدث الضابط ببرود قاتل وهو يمسك بيده:
— “التهمة هي الاستيلاء على أموال قاصر بالحجر، والتزوير في محررات رسمية باستغلال الحالة العقلية للمجني عليه، والسرقة. اتفضل معانا من غير شوشرة في مكان عام.”
عندما أحس سامح ببرودة الحديد تطوق معصمه، انهار تماماً. اختفت ريحة البرفان الغالي وصوت الهاتف الذي لا يهدأ، وبدأ يتوسل:
— “نادية! عشان خاطر ربنا كلميهم! أنا أخوكي… هيرفدوني من الشغل… هتحبس يا نادية!”
نظرتُ في عينيه مباشرة، ولأول مرة منذ سنوات، شعرتُ بالقوة والراحة:
— “أنا كلمتك بالذوق يا سامح، وقلتلك دي فلوس علاج أبوك، وأنت قلتلي (الراجل مش حاسس بحاجة). أديك أنت اللي هتحس دلوقتي.”
سحبه العساكر خارج الفرع وسط همسات واستنكار الحاضرين الذين أخذوا يدعون لي ولأبي بالستر والصحة.
### كرامة الحاج محمود
التفتُ إلى مدير البنك والموظف خلف الشباك، اللذين أظهرا تعاوناً كبيراً لنصرة الحق. تسلمتُ كشف الحساب الجديد، وتم إلغاء بطاقة السحب القديمة وإصدار بطاقة جديدة لا تفتح إلا ببصمتي وتوقيعي بصفتي الوصية القانونية.
انحنيتُ أمام الكرسي المتحرك، وعدلت أزرار البلوفر البني لأبي. مسحتُ شعره الأبيض وقبلت يده التي كانت تفوح منها رائحة الفازلين الطبي.
— “يلا يا حبيب قلبي… نروح البيت؟”
نظر إليّ بعينين غائمتين، لكن بدت فيهما مسحة من الطمأنينة، وقال:
— “القطر وصل يا بنتي؟”
ابتسمتُ والدموع في عيني:
— “وصل يا بابا… والرحلة بقت أمان خلاص.”
عدنا إلى البيت، ودخلت الفلوس في مجراها الصحيح؛ حيث الأكسجين، والحفاضات، والعلاج الذي يعيد لوجهه بعض الراحة. أما سامح، فقد نال جزاء جحوده، وبقيت قضية النيابة تلاحقه ليعلم أن كرامة الآباء ليست ماكينة صرافة تُستغل، بل هي قطعة من الجنة لا يفرط فيها إلا خاسر.
