مساج للعضم ج 4 والأخير حكايات زهرة الربيع

بعد مرور سنتين على صدور الحكم، وبعد ما رجعت لحياتي وشغلي، بدأت أحس إن “نورا” القديمة اللي كانت بتدور على الرضا في عين جوزها وحماتها، ماتت واندفنت، وطلعت واحدة تانية خالص، واحدة بتعرف قيمتها، واحدة مابتقبلش بأقل من الاحترام، واحدة بقت بتعرف “تسمع” جسمها كويس، مش عشان هو بيوجعها، بس عشان هي بقت تحبه وتحترمه.
كان يوم خميس، زي كل يوم خميس كنت بختم فيه أسبوعي بالروتين اللي بحبه. قمت الصبح بدري، جهزت فنجان القهوة، وقعدت قدام الشباك اللي بيطل على شجر الجنينة، وبدأت أكتب في المذكرات اللي بقالي سنة بكتب فيها. الكتابة مكنتش مجرد تفريغ للي جوايا، كانت “تشريح” للماضي. كل صفحة كنت بكتب فيها، كنت بخرج منها حتة من وجعي. كتبت عن الخوف، عن الصدمة، عن لحظة الاكتشاف، وعن لحظة المواجهة في المحكمة. لقيت نفسي بكتب جملة واحدة في آخر الصفحة: *”أنا مش نتاج اللي عملوه فيا، أنا نتاج اللي اخترت أكونه بعد ما خلصت منهم.”*
في الوقت ده، جالي تليفون من مروة، صاحبتي اللي كانت السند الحقيقي في الرحلة دي. مروة دعتني على حفلة تخرج بنتها. روحت وأنا حاسة بسلام داخلي مكنتش بحلم بيه. وسط الزحمة والناس، لقيت واحدة من زميلاتنا القدام، اللي كانوا موجودين في المطعم يوم ما حكيت الحكاية لأول مرة. بصتلي نظرة غريبة، كانت ممزوجة بالخجل والندم. قربت مني وقالتلي بصوت واطي: “نورا.. أنا كنت عايزة أعتذرلك. يومها لما حكيتي، أنا كنت فاكراكي بتبالغي، أو إنك ‘حساسة زيادة’. معرفتش الحقيقة إلا لما قريت تفاصيل القضية في الجرائد. سامحيني إني وقتها كنت شايفة جوزك ‘لقطة’ ومكنتش شايفة وجعك.”
ابتسمت لها، مش ابتسامة تسامح كامل، بس ابتسامة تصالح مع حقيقة البشر. قلتلها: “مفيش داعي للاعتذار. المجتمع علمهوم إن ‘الراجل الحنين’ هو اللي مبيضربش، ومحدش علمنا إن فيه عنف أخطر بكتير من الضرب.. عنف بيبتدي بلمسة حنين وينتهي بدمار روح.”
رجعت البيت، ومن غير ما أحس، لقيت رجلي واخداني لنفس الأوضة اللي كنت مخبية فيها الدفتر والورق. فتحت الدرج، طلعت “التقرير الطبي” اللي كان سبب نجاتي. لمست الورقة بإيدي، الورقة دي مكنتش مجرد مستند قانوني، كانت “وثيقة ميلادي الجديد”. في اللحظة دي، حسيت إن السبع سنين اللي ضاعوا مكنوش ضايعين، كانوا “مدرسة”. مدرسة علمتني إن الثقة في حد غيري هي أكبر رهان خسران ممكن الواحد يدخله.
قبل ما أنام، فتحت التليفزيون، وجت سيرة عن “العنف النفسي والجسدي غير التقليدي”. سمعت دكتورة بتتكلم عن إن فيه رجالة بيستخدموا “الاهتمام المفرط” كأداة للسيطرة. قلبي دق، بس مش خوف، كان فخر. فخر إني كنت “الحالة” اللي كسرت الصمت. فخر إني مش بس نجوت، أنا كمان بقيت رمز—ولو بسيط—لأي ست تانية بتمر بنفس الوجع ومكسوفة تتكلم.
قررت في اللحظة دي إني مش هكتفي بالنسيان. بدأت أتواصل مع مؤسسات بتدعم الستات اللي بيتعرضوا لعنف أسري “غير مرئي”. بقيت أروح أحكي تجربتي، مش كضحية، بس كواحدة قدرت تقلب الطاولة. كنت بشوف في عينين الستات اللي بيسمعوني بريق أمل، وشجاعة مكنوش يعرفوا إنها جواهم.
عدت الشهور، ولقيت نفسي قدام تحدي جديد.. علاقة جديدة. أحمد كان ساب في قلبي “ندبة” مكنتش سهلة تروح. كان فيه “خالد”، زميل ليا في الشغل، كان بيحاول يقرب مني بكل ذوق واحترام. في الأول كنت بهرب، بخاف من اللمسة، بخاف من كلمة “حبيبتي”، بخاف من “المساج” اللي ممكن يتحول لفخ. بس خالد كان صبور. في يوم من الأيام، قاللي كلمة عمري ما هنساها: “يا نورا، أنا مش عايز أملكك، أنا عايز أشاركك. أنا مش عايز أصلحك، أنا بحبك زي ما أنتي، بكل ندوبك.”
الكلمة دي كانت مفتاح الجنة. يومها، عرفت إن فيه رجالة محترمين في الدنيا، وإن اللي حصل مكنش ذنبي، ولا كان ضعف مني، كان “اختيار غلط” في طريق كان مليان فخاخ. بدأت أدخل خالد حياتي بالتدريج، وبكل حذر، وبقوانين “أنا” اللي وضعتها—مش قوانين حد تاني.
في نهاية الرحلة دي، اكتشفت إن القوة مش في إننا ننسى الوجع، القوة في إننا نخليه “وقود”. أنا النهاردة مش ست بتدور على “ابن الحلال” اللي يطبطب عليها، أنا ست لقت “نفسها” اللي هي أغلى حلال. بقيت بحب نفسي، وبحب جسمي، وبحب قوتي.
أحمد وأمه بيقضوا أيامهم في السجن، بيحاسبوا على جنايتهم. أما أنا، فبقيت بحاسب على “عمري” اللي لسه باقي. كل يوم بفتح فيه عيني، بحمد ربنا إن الخديعة دي اتكشفت قبل ما أتحول لمجرد جثة هامدة في بيت كان مفروض يكون “جنتي”.
قفلت المذكرات، طفيت النور، وغمضت عيني وأنا حاسة براحة مالياني من جوة. لا خايفة من بكرة، ولا حزينة على اللي فات. أنا نورا، الناجية، القوية، اللي قررت إنها.. “تعيش”. مش عشان حد، بس عشان هي تستاهل.
وعرفت إن “جلسة العضم” اللي بدأت بكسر، انتهت بصلابة.. صلابة ماحدش يقدر يكسرها تاني أبداً. كل “تكة” وجع زمان، اتحولت لـ “نبضة” حياة النهاردة. الخاتمة ماكانتش “انتقام”، الخاتمة كانت “انتصار”. انتصار الروح على الغدر، وانتصار النور على الضلمة اللي عشت فيها سبع سنين. دلوقتي، أنا حرة.. والحلم اللي كنت بتمناه—الخلفة، العيلة—مبقاش محور حياتي. محور حياتي دلوقتي هو “أنا”، وهأفضل أحب “أنا” دي، وأكبرها، وأحميها من أي حد، مهما كان مين، ومهما كان “حنّين” في نظري.
النهاية مكنتش في المحكمة، النهاية كانت في اللحظة اللي قررت فيها إني أسامح نفسي على طيبتي السذاجة، وأبدأ عهد جديد مع نفسي.. عهد عنوانه الوحيد: “أنا أولاً، وبعدي الطوفان.”

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *