كنت ضامة بنتي الوليدة لصدري ج 2 حكايات مني السيد

(الفصل الثاني)
لما قفلت عيني وزقيت راسي في المخدة وضميت فاطمة لصدري، الدنيا حواليا اتحولت لظلام دامس، بس السمع عندي بقى حاد لدرجة مرعبة. في اللحظة دي، الغرفة مكنتش مجرد أوضة مستشفى استثماري، دي كانت ساحة حساب مؤجل من سنين طويلة.
أول حاجة سمعتها كانت حركة رجلين باهر المحتارة، جزمه الشمواه كانت بتزيق على الأرضية وهو بيتحرك ناحية أبوه عاصم بيه اللي كان لسه متكوم جنب باسكيت الزبالة، نفسه طالع داخل كأن صدره شغال وبور تكييف باظ فجأة.
“يا بابا في إيه؟ إنت تعبان؟ أطلب لك الدكتور؟” باهر كان صوته مرعوب، بس مش رعب خوف على أبوه، ده رعب الولد الأنيق السطحي اللي متعود إن ضهره وسنده حوت كبير مبيتهزش، وفجأة لقى الحوت ده بيتهد قدام عينيه من مجرد نظرة لراجل ميكانيكي.
عاصم بيه مكنش بيرد، كنت سامعة شحرجة في زوره وهو بيحاول يبلع ريقه الناشف.
في نفس الوقت، كانت خطوات خالي إسماعيل هادية جداً.. مفيهاش أي جِري ولا عصبية. خالي راجل طويل، عريض المنكبين، الشغل في الورشة ورفع المواتير والفتيسات خلى عضلات إيديه وجسمه زي حديد المسلح، ورغم إنه عدا الخمسين، إلا إن لسه فيه هيبة العساكر اللي مبتتمحيش.
سمعت صوت باهر وهو بيلف وشه لخالي، ونبرة صوته المذعورة اتحولت لـ “شبحنة” كدابة عشان يداري خيبته: “إنت واقف عندك بتعمل إيه؟ إنت عملت في أبويا إيه؟ إطلع برا.. أنا هطلب الأمن يرميك برا المستشفى دي خالص!”
خالي إسماعيل مكنش سامعه أصلاً.. هو قلع السماعات، يعني بالنسبة له، كلام باهر زي عدمه، مجرد هوا بيتحرك في الأوضة. خالي مبيقرأش غير حركة الشفايف ولغة العيون، وفي اللحظة دي، عين خالي كانت قارية كل حاجة.
سمعت صوت “تكة” قوية.. صوت كرسي الزوار الخشب التقيل وهو بيتحرك من مكانه. خالي سحبه وحطه ورا الباب بالظبط، وقعد عليه. قعدته دي معناها حاجة واحدة: محدش هيخرج من الأوضة دي، ومحدش هيدخل.
“إنت اتجنيت يا راجل إنت؟” باهر صرخ، ومشيت خطواته السريعة ناحية خالي.
أنا مأجبرتش نفسي إني أفتح عيني، بس كنت قادرة أتخيل المشهد بالمسطرة. باهر مد إيده عشان يمسك كتف خالي أو يزقه. في ثانية واحدة، سمعت صوت “كتمة نفس” مكتومة من باهر، وبعدها صوت خبطة جسمه وهو بيترزع في الحيطة اللي جنب الباب. خالي مسكه من ياقة قميصه الستان الغالي بـإيد واحدة، وبمنتهى السهولة رفعه كام سنتي عن الأرض وثبته في الحيطة.
باهر كان بيحاول يفلت، رجله بتخبط في الحيطة، وصوته طالع مخنوق: “سيبني.. سيبني يا متخلف يا بيئة..”
هنا وبس، عاصم بيه المنياوي نطق. صوته كان طالع مرعوب، نبرة مكسورة تماماً مفيهاش أي أثر للـ “بيه” اللي كان واقف من دقيقتين يتمنظر ببدلته الكحلي.
“إسماعيل.. إسماعيل بيه.. بلاش إسماعيل بيه.. عشان خاطري.. الولد ميعرفش.. الولد جاهل ميعرفش إنت مين!”
عاصم بيه كان بيتكلم وهو بيزحف على ركبه على أرض المستشفى.. الراجل اللي عنده شركات ومصانع، وبيهابه مئات الموظفين، كان بيترجى راجل لابس قميص كاروهات وبنطلون جينز قديم.
خالي إسماعيل مبصش لعاصم بيه، فضل مثبت عينه في عين باهر اللي وشه بدأ يزرق من الخنقة، وشه اللي كان من شوية مليان ضحك وتريقة على علامات رقبتي. خالي حرك شفايفه ببطء وكلمات واضحة وقاطعة زي السكينة: “الرقبة اللي إنت علمت عليها دي.. أنا اللي مربيها.. أنا اللي سهرت عليها لما كانت بتسخن وهي عيلة صغيرة.. صباع واحد منك يلمسها تاني.. هقصهولك من لغاليغه يا باهر.. سامعني؟”
باهر مكنش قادر يهز راسه، بس عينيه كانت مليانة دموع الرعب والذل. خالي سابه فجأة، فـباهر وقع على الأرض زي شوال الرز، قعد يكح وينهج وهو ماسك رقبتي اللي وجعاه.
خالي إسماعيل التفت لعاصم بيه اللي كان لسه واقف على ركبه. خالي مشي خطوتين، وقف قدامه بطوله الفارع، وبص له من فوق لتحت. عاصم بيه رفع إيديه الاتنين كأنه بيطلب الأمان، وقال بشفايف تترعش: “والله العظيم ما كنت أعرف إن أميرة تخصك.. والله العظيم يا فندم لو كنت أعرف ما كان باهر اتجوزها ولا لمس شعرة منها.. أنا أسف.. أنا هصلح كل حاجة.”
خالي إسماعيل قرأ شفايف عاصم، وملامح خالي اتقلبت بسخرية باردة. وطى عليه، مسكه من فود توب البدلة الغالية، ووقفه على رجله كأنه بيوقف عيل صغير. خالي شاور على دراعه، على الوشم الباهت، وقال بصوت جهوري وهادي في نفس الوقت: “عاصم.. إنت نسيت المعسكر؟ نسيت لما كنت بتسرق التعيين بتاع العساكر وبتكتب تقارير كدبة في زمايلك عشان تاخد إجازة؟ نسيت لما سيبت فصيلتك في الضلمة وهربت ورا الساتر الترابي؟ إنت فاكر الفلوس والبدل دي هتغطّي ريحة الخوف والندالة اللي في دمك؟”
عاصم بيه وشه بقى زي الجثة، وعينيه زاغت: “يا فندم.. ده ماضي.. إحنا ولاد النهاردة.. إنت عاوز إيه وأنا هعمله؟ عاوز فلوس؟ عاوز شقق؟ أميرة تاخد اللي هي عاوزاه.. بس بلاش تفتح القديم.. بلاش تودينا في داهية.”
خالي إسماعيل ساب ياقته، وبص في الأوضة ببرود، وبعدين بصلي وأنا لسه مغمضة عيني. هو عارف إني مش نايمة، وعارف إني سامعة ومستنية. خالي مد إيده لـجيب قميصه، طلع نوتة صغيرة وقلم، وكتب كلمتين واداهم لعاصم بيه.
عاصم بيه مسك الورقة، وقرأ اللي فيها، وعينيه وسعت من الصدمة. باهر اللي كان لسه على الأرض، بيحاول يقوم وهو ساند على الكرسي، بص لأبوه وقال بصوت مبحوح: “في إيه يا بابا؟ كاتب إيه الميكانيكي ده؟”
عاصم بيه التفت لابنه وضربه بالقلم على وشه قلم طير الباقي من كرامته في الأوضة. “اخرس! اخرس خالص يا غبي.. إنت هتودينا في داهية وتضيع شقانا كله بسبب غباوتك ومد إيدك دي!”
باهر حط إيده على وشه بذهول، مكنش مصدق إن أبوه اللي كان بيشجعه ويقوله “لم لجام مرتك” هو نفسه اللي بيلطشه دلوقتي قدام مراته وخالها.
عاصم بيه بص لخالي إسماعيل وهز راسه بسرعة: “حاضر.. حاضر يا فندم.. اللي مكتوب هيتنفذ بالملي.. بس أرجوك.. الملف اللي مع سيادة المستشار.. بلاش يترفع للمدعي العام.. أرجوك.”
هنا أنا فتحت عيني بالراحة. بصيت لحمايا وباهر.. باهر كان منظره يصعب على الكافر، القميص الستان مقطوع من عند اللياقة، وشه أحمر وعينه مدمعة، وجواكيت البدلة الغالية مبهدلة. وأبوه، الحوت الكبير، واقف وظهره محني كأنه كبر عشرين سنة في عشر دقايق.
بصيت لخالي إسماعيل، اللي كان واقف زي الجبل الصامد، باصص لي بنظرة فخر وكأنه بيقولي: “ارفعي راسك يا بنت إسماعيل.”
أنا سحبت نفسي شوية، سندت ظهري على ظهر السرير، وظبطت اللفة بتاعة فاطمة في حضني. بصيت لباهر وقلت له بصوت واثق ومسموع، مفيش فيه أي رعشة تعب: “الملف اللي مع المستشار يا عاصم بيه.. مش هيقفل. الملف ده فيه كل تقرير طبي، وكل شتيمة، وكل تهديد ابنك بعتهالي. وفيه كمان العقود اللي المحامي بتاعكم كان عاوزني أمضي عليها عشان أتنازل عن بنتي قبل ما تتولد.”
باهر بصلي بغل مكتوم بالخوف: “إنتي.. إنتي عملتي كل ده؟ من ورايا؟”
“وأكتر من ده يا باهر،” أنا ردت بابتسامة باردة. “الدبدوب البينك اللي خالي جابه لفاطمة؟ فيه كاميرا صغيرة بتسجل لايف لـتليفون المستشار ولـتليفون المحامية بتاعتي. يعني كل كلمة إنت قلتها عن ‘الأسياد’ والتعليم والأدب، وكل قلم أبوك لطهولك، وكل كلمة رعب قالها أبوك لخالي.. متسجلة صوت وصورة بجودة عالية جداً.”
عاصم بيه حط إيده على قلبه وكأنه هيجيله جلطة، وبص لخالي إسماعيل برجا: “يا إسماعيل بيه.. إحنا وافقنا على كل طلباتك اللي في الورقة.. الشقة ه تتنازل عنها باهر لأميرة تنازل نهائي وبيوع وشراء، والحساب البنك اللي فيه مؤخرها ومتجمد هيفك، ومفيش مخلوق من عيلة المنياوي هيقرب من البنت دي.. بس بلاش الفضايح.. وبلاش النيابة العسكرية!”
النيابة العسكرية؟ الكلمة رنت في ودني. أنا كنت عارفة إن خالي كان راجل مهم في الجيش وزمان شارك في عمليات صعبة، بس مكنتش أعرف إن نفوذه وتاريخه القديم يقدر يرعب راجل بمليارات زي عاصم المنياوي كده. وافتكرت كلام خالي ليا زمان: *”يا أميرة.. الندل لما بيكبر وتكبر فلوسه، بيفضل جواه حتة جبانة وخايفة من اللي عارف أصله.”* وأصل عاصم المنياوي كان قدام خالي كتاب مفتوح ومتهان.
خالي إسماعيل مشي لحد الترابيزة، مسك سماعات الودن بتاعته بالراحة، وركبها في ودنه. وبمجرد ما ركبها وشغلها، التفت لعاصم وباهر، وكأنه رجع للدالمس المعتاد بتاعه بس بنبرة صوت جديدة، نبرة راجل رجع يسمع الدنيا.
بص لعاصم بيه وقال بـلهجة مصرية ناشفة وواضحة: “الورقة دي معاك.. قدامك ٢٤ ساعة بالثانية. المأذون هيروح لكم لحد البيت، باهر يطلق أميرة غيابي طلقة بائنة، وكل الحقوق والشقة باسم البنت وبنتها تخلص في الشهر العقاري الصبح. لو الساعة جت زي دلوقتي بكرة وكل ده مخلصش.. الميكانيكي اللي مبيسمعش هيسمّع مصر كلها حكايتكم القديمة والجديدة.”
خالي التفت ليا، وشال الشنطة الهدية والدبدوب من على الكرسي، وجه وقف جنبي. مد إيده الكبيرة الخشنة، المسها بحنان على راس بنتي فاطمة، وبعدين بصلي وقال: “يلا يا أميرة.. حاجتك جاهزة، والـعربية تحت مستنيانا. المستشفى دي مفيهاش أمان ليكي ولا لبنتك.”
أنا قمت من على السرير، شايلة بنتي في حضني، حاسة إن الوجع والتعب بتاع الـ ١٩ ساعة ولادة اختفوا تماماً. وقفت على رجلي، وخطيت أول خطوة برا السرير الطبية.
باهر كان واقف باصص للأرض، مكسور ومذلول، مش قادر حتى يرفع عينه في عيني. وعاصم بيه كان بيلمم نفسه وبيمسح عرق جبينه بمنديل قماش غالي، وهو بيترعش ويقول: “كله هيخلص الصبح يا فندم.. كله هيخلص الصبح.”
إحنا خرجنا من الأوضة، وخالي إسماعيل كان ماشي جنبي، كتفه في كتفي، حاميني بوجوده وكبريائه. وأنا ماشية في ممر المستشفى، وسط الممرضات والدكاترة اللي كانوا بيبصوا لنا بـإعجاب، كنت حاسة إن الهوا اللي بنفسه نقي وصافي، كأني كنت مسجونة وخرجت للنور.
بس وأنا بركب العربية الجيب القديمة بتاعة خالي، ورا في المقعد المريح اللي جهزهولي بملايات نظيفة عشان أرتاح أنا وفاطمة، بصيت لخالي وهو بيدور الموتور، الموتور اللي صوته كان قوي ومنتظم زي دقات قلبه.
قلت له: “خالي.. إنت بجد كنت هتعمل إيه لو عاصم بيه ملوش تاريخ معاك في الجيش؟”
خالي بصلي في المراية، وابتسم ابتسامة هادية وجميلة، وقال بالعامية الصافية بتاعته: “يا قلب خالك.. الحق دايماً له ضهر يحميه. وعاصم المنياوي مش خايف من تاريخه معايا وبس.. هو خايف من الورق اللي إنتي جمعتيه بقالك تلات شهور. إنتي البطلة في الحكاية دي يا أميرة.. إنتي اللي حميتي بنتك، وأنا مجرد السند اللي ربنا بعته في وقته.”
العربية اتمشت بينا في شوارع القاهرة الواسعة، والمساء كان بدأ يدخل، وأنوار المدينة بدأت تنور. كنت عارفة إن بكرة الصبح هيكون فيه معركة قانونية وورق بيمضي وتنازلات، وإن عيلة المنياوي مش هيسكتوا بالسهولة دي.. عاصم بيه ممكن ينفذ عشان خايف، بس باهر؟ باهر جواه غل ونقص، والنوع ده من الرجالة لما بيتكسر قدام مراته، بيتحول لـوحش أعمى ممكن يعمل أي حاجة عشان يرد اعتباره.
وأنا ببص لـفاطمة وهي نايمة في حضني بسلام، عرفت إن الحكاية لسه منتهتش.. دي يادوب البداية، وباهر المنياوي لسه بيفكر في طريقة تانية يوجعني بيها.
**حكايات مني السيد***

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *