كنت ضامة بنتي الوليدة لصدري ج 1 حكـايات منـي الـسـيد

كنت ضامة بنتي الوليدة لصدري، لسه حتة لحمة حمرا بين إيديا، لما خالى “إسماعيل” خطى عتبة أوضة المستشفى. عينه لقطت علامات صوابع زرقا وغامقة مطبوعة حوالين رقبتي. في نفس اللحظة، جوزي “باهر” كان ساند ضهره على الكرسي المريح المخصص للزوار، وحاطط رجل على رجل، ومبتسم ببرود وثقة كأنه عامل إنجاز تاريخي.
باهر بص لخالي وقال بنبرة مليانة غطرسة: “بنسمّعها الكلمة بس يا حاج، وبنعرفها مين اللي بيمشي البيت ده من النهاردة، عشان تعقل.”
خالي إسماعيل صوتُه ما عليش ولا نبرة واحدة.. ولا اتنفض ولا جِري ناحيته في الأوضة. كل اللي عمله إنه مشي بخطوات هادية وموزونة، قفل ستارة السرير الطبية عشان يعزلنا عن ممر المستشفى، وبعدين رفع إيديه بهدوء، قلع سماعات الودن الطبية بتاعته، وحطها براحة وبنظام شديد على الصينية الاستانلس اللي جنب سريري.
التفت لي، وبص في عيني بنفس النبرة الحنينة الدافية اللي كان بيطمني بيها وأنا عيلة صغيرة يكسرها الخوف: “غمضي عينيكي يا قلب خالك.”
في اللحظة دي بالظبط، حمايا “عاصم بيه” عينه جت على كم قميص خالي المشمّر.. لمح الوشم القديم الباهت بتاع الصاعقة المصرية على دراعه. ملامح الراجل اتقلبت في ثانية، وشه بقا لونه رمادي كأنه لسه شايف ملك الموت، هيبته والبدلة الغالية اللي لابسها وكل المظاهر دي اتهدت في لحظة.. وفجأة، اترمى على باسكيت الزبالة اللي في ركن الأوضة وجاتله حالة غثيان رهيبة وقعد يرجع من الرعب.
دي كانت اللحظة اللي باهر فهم فيها—أو المفروض يفهم—إنه مش بس مد إيده على الست الغلط.. ده اتحدى العيلة الغلط تماماً!
قبل الكلام ده بست ساعات كاملة، كنت لسه خارجة من ليلة ولادة صعبة جداً.. تسعتاشر ساعة في غرفة العمليات والولادة بمستشفى استثماري نظيف على أطراف القاهرة. جسمي كله كان بيتفض من التعب والإرهاق، شعري كان ملزق على وشي من العرق، وإيديا كانت حاضنة “فاطمة”.. حتة من روحي اللي قضيت تسع شهور بحميها جوه أحشائي.
باهر طول الساعات دي مكنش وراه غير الشكوى.. القهوة باردة، ركنة العربية صعبة، والوقت اتقدم وهو زهقان من الانتظار.
أما أمه، أول ما بصت في وش البنت، قالت بلؤم: “الحمد لله.. البنت واخدة ملامح وسحنة عيلة المنياوي.. مفيهاش حاجة غريبة.”
محدش فيهم فكر يقولي حمد لله على سلامتك.
محدش طلب لي بق ميه.
محدش اهتم بإن إيديا لسه بتترعش وأنا بحاول أثبت بنتي في حضني عشان ما تقعش وأنا بكتم دموعي.
ولما الأوضة فضيت شوية، باهر قرب مني لدرجة إن أنفاسه المقرفة كانت في ودني، وهمس بـغل: “الشقة باسمي، والحسابات في البنك باسمي، والبنت دي هتكبر في خيري.. إنتي هنا عشان تسمعي الكلام وبس، وهتربي وتتأدبي من أول وجديد يا “أميرة”.”
لما قلت له إن خالي إسماعيل في الطريق وجاي يطمن عليا، ضحك باستهزاء ولوا بوزه.
وقال بتريقة: “الأسطى إسماعيل الميكانيكي اللي مبيسمعش؟ كويس والله.. خليه يجي يتفرج عليكي وأنتي شاطرة وبتسمعي الكلام.. يمكن يتعلم إزاي الأسياد بيمشوا بيوتهم.”
خالي إسماعيل مش أبويا بالدم، بس هو الراجل الوحيد اللي عرفته في حياتي كأب. بعد ما أبويا وأمي ماتوا في حادثة طريق صعبة على المحور وأنا عندي تسع سنين، خالي خدني في حضنه ومن غير تفكير ولا تردد ثانية واحدة. هو اللي كان بيعملي سندوتشات المدرسة، هو اللي صلح لي أول عربية ركبتها، وهو اللي علمني إزاي أغير فردة الكاوتش بنفسي، وإزاي أحسب ميزانيتي، وإزاي أقرأ أي عقد وأفلي بنوده، والأهم من ده كله.. علمني إزاي أسكت وأجمد لما ناس مؤذية تحاول تخليني أخاف وأتهز.
الناس برا مكنتش بتشوف منه غير قميصه الكاروهات البسيط، إيديه اللي دايماً فيها أثر شحم وعفرة ورشة، وسماعات الودن. محدش فيهم كان بيبص بذكاء عشان يعرف مين الراجل اللي واقف ورا المظهر ده، وتاريخه كان إيه.
لما خالي إسماعيل دخل الأوضة، كان شايل في إيده شنطة هدايا صغيرة لونها بينك، وفيها دبدوب فراء صغير لفاطمة. لأول ثانية، عينيه لمعت بحنان رهيب ووشه نور.
همس وهو بيبص للبنت: “بسم الله ما شاء الله.. شبه أمك الله يرحمها يا أميرة.”
باهر نفخ بقلة ذوق وهو قاعد على الكرسي: “مشهد مؤثر فعلاً.. بس أميرة لازم تفهم إنها بقت من عيلة المنياوي، والبنت دي مننا.. وإحنا في عيلتنا بنعرف إزاي نلم الحريم اللي بتعمل دراما وتتدلع.”
عاصم بيه المنياوي، حمايا، كان واقف جنب الشباك، لابس بدلة كحلي متفصلة مخصوص ومكوية بالمسطرة، تمنها يعدي تمن أول عربية ركبتها في حياتي. مكنش باين عليه الصدمة ولا الكسوف من كلام ابنه؛ كان باين عليه بس الضيق لإن باهر دلق الكلام كله قدام راجل غريب.
عاصم بيه قال بنبرة حاسمة وصارمة: “خلاص يا باهر.. الموضوع ده يتلم في بيتنا وبيننا وبين بعض.”
في اللحظة دي، خالي إسماعيل لف وشه وبص له بطول قامته.
مع حركته، كم القميص ارفع شوية.. وبان الوشم القديم الباهت على ذراعه. علامة فرقة الصاعقة المصرة، وجنبها رقم الفرقة “المستحيلة” في سينا.. علامة قديمة بس واضحة زي الشمس للي يفهم في خطوط النار.
عاصم بيه شاف العلامة دي.. وفي ثانية، كل حاجة فيه اتهدت.
الدم هرب من عروقه، وشه بقى أبيض زي القماش. إيده اتمدت على الحيطة يسند عليها كأن الأرض بتلف بيه. جزمه الجلد الغالية اتزحلقت على أرضية المستشفى، وفجأة، عاصم بيه المنياوي—الملياردير، رجل الأعمال الحوت، صاحب النفوذ اللي مبيقفش قدامه حد—انحنى على ركبه ورجع في الباسكيت بكل رعب وقرف.
باهر ضحكته المريضة اختفت، وبص لأبوه بذهول وصدمة: “جرى إيه يا بابا؟! في إيه مالك؟!”
بس عاصم بيه مكنش قادر ينطق كلمة واحدة.. كان بيبص لخالي إسماعيل كأنه كابوس قديم من أيام الحرب طلع له من تحت الأرض، ولابس جزمة سيفتي وقميص بسيط.
خالي إسماعيل، بكل برود أعصاب وثبات، شد الستارة قفلها تماماً. شال السماعات من ودنه وحطها على الترابيزة.
أنا كنت فاهمة الحركة دي كويس جداً..
خالي مش عاوز يسمع مبررات.
مش عاوز يسمع رجاء أو توسل.
مش عاوز يسمع كدبة واحدة تانية من الناس دي.
بص لي النظرة الأخيرة الطيبة وقال بصوت هادي: “غمضي عينيكي يا قلب خالك.”
ضميت فاطمة لصدري أكتر، وغمضت عيني وأنا مطمنة.. لأول مرة من شهور، عرفت وفهمت إني مش لوحدي، وإن باهر المنياوي هيتعلم النهاردة إن في ستات مبتتكسرش في السكات.
الستات اللي زينا بيجمعوا الأدلة.. بيحموا عيالهم.. ولما الباب الصح بيفتح، بيسيبوا العدالة والحق يدخلوا برجليهم.
** حكايات مني السيد***


