جُـوزي جـاب ضُـرّة عَليّـا، ووِقِـف قُـدّام أهـلُه ج 3 والاخير

### الفصل الأخير: شمس جديدة بعد ليل طويل
مرت ست شهور كأنها دهر. الدنيا بره اتغيرت، والناس اللي كانت بتبص لي بنظرة شفقة أو شماتة، بقت بتبص لي بتقدير. سامي وعمر والحج منصور وكل الشلة اللي كانت بتنهش في لحم الغلابة، خدوا أحكام مشددة. السجن بقى بيتهم الجديد، والشركة اتقفلت وبقت ذكرى سيئة في تاريخ البلد.
أنا هناء.. بقيت ست تانية. نقلت من البيت اللي كان شاهد على خديعتي، وسكنت في شقة صغيرة هادية في منطقة تانية، بدأت شغل بسيط، مكنتش أحلم بيه قبل كده، بس كفاية إنه بيكفي بيتي بالحلال. عيالي بدأوا يتأقلموا، وبقوا هما سندي في الدنيا.
ليلى.. الست اللي قلبت حياتي، اختفت تماماً بعد ليلة القبض عليهم. مكنش حد يعرف هي راحت فين، ولا حتى المحامي عادل كان عارف مكانها. بس في يوم، لقيت جواب مبعوت لي في البريد، من غير عنوان مرسل.
فتحت الجواب، لقيت فيه صورة ليلى وهي صغيرة مع أبوها، ومعاها مفتاح قديم وشيك بمبلغ مالي كبير. كان مكتوب في الجواب: “يا هناء، الفلوس دي مش صدقة، دي حقوق أبويا اللي المحكمة حكمت لي بيها. أنا خدت حقي، والباقي من حقك إنتي وولادك، عشان تبدأوا حياة كريمة بعيد عن أي شبهات. أنا سافرت، هبدأ حياة جديدة بعيد عن الانتقام والماضي. حافظي على نفسك.”
قعدت فترة طويلة باصة للمفتاح وللشيك. ليلى كانت أذكى مما كنت أتخيل، قدرت تخلص من الماضي وتفك قيدها، وسابت لي فرصة أعمل نفس الشيء.
لكن التهديد اللي كان في الورقة اللي حرقتها.. كان لسه بيطاردني في أحلامي. “الشخص اللي بره البلد”. فضلت شهور خايفة، بفتح باب الشقة وأنا مترددة، وببص ورايا في الشارع، لحد ما في يوم، خبط حد على الباب.
قلبي وقع في رجلي. بصيت من العين السحرية، لقيت راجل غريب، لابس لبس عادي، مش ملامح مجرمين. فتحت الباب بحذر، الراجل بص لي بابتسامة باهتة، وطلع كارت صغير. كان كارت محامي دولي.
قال لي: “مدام هناء، أنا جاي بطلب من الشخص اللي كان ورا الحج منصور. هو حالياً في الخارج، ومطلوب في قضايا دولية أكبر بكتير من قضايا غسيل الأموال بتاعة سامي. هو بعتني عشان يبلغك.. إنه مش هيرجع، وإنه خسر كل حاجة، وإنه بيعتذر، مش ليكِ، لكن عشان هو عارف إن اللعبة اللي لعبها دمرت ناس مالهمش ذنب.”
وقفت مصدومة. اعتذار؟ من مجرم دولي؟ ضحكت بسخرية، وقلت له: “قول له الاعتذار مابيرجعش السنين اللي ضاعت، ومابيمسحش نظرة الانكسار في عين عيالي. خليه يروح لحاله، وإحنا.. إحنا في طريقنا للنسيان.”
الراجل مشي، وقفلت الباب ورايا، وحسيت بإيد تقيلة كانت على كتفي اتزاحت. أخيراً.. أخيراً كل الخيوط اتقطعت.
بدأت صفحة جديدة فعلاً. قدمت أوراقي في شغل إداري كنت بتمناه، واشتغلت على نفسي. الست اللي كانت محبوسة في أوضتها 14 سنة، بقت ست بتخرج وتشتغل وتواجه الدنيا.
في يوم، وأنا راجعة من الشغل، شوفت واحدة واقفة بعيد، لابسة نظارة شمسية، بتبص لي وبتلوح بإيدها. لمحت ملامحها تحت الشمس.. كانت ليلى. كانت باصة لي بابتسامة رضا، وبعدين ركبت عربيتها ومشت. دي كانت المرة الأخيرة اللي أشوفها فيها، بس عرفت وقتها إنها بخير، وإني كمان بقيت بخير.
بقيت أنا هناء.. اللي عاشت، واتوجعت، واتكسرت، بس قامت تاني من وسط الرماد. الدرس اللي اتعلمته إن العمر مش بالسنوات اللي بنقضيها مع ناس، العمر باللحظة اللي بنقرر فيها نكون “إحنا”. سامي كان مجرد غلطة في كتاب حياتي، بس أنا اللي كملت الكتاب، وأنا اللي كتبت النهاية.. نهاية سعيدة، لينا إحنا.
بصيت لولادي وهما بيذاكروا، وابتسمت. الحياة لسه قدامنا، والشمس اللي طالعة كل يوم الصبح، مابقتش بتذكرني بالوجع، بقت بتذكرني إن لسه فيه أمل، ولسه فيه بكرة أحلى بكتير من إمبارح.
حطيت القلم، وقررت إني مش هكتب عن قصص تانية فيها وجع، هكتب عن قصص البدايات.. قصص الستات اللي زايا، اللي بيعرفوا يقوموا بعد كل انكسار، ويحكوا حكايتهم للعالم، مش كـ ضحايا، لكن كـ بطلات.
دي كانت حكايتي.. حكاية “هناء”، اللي جُوزها جاب ضرة عليها، بس القدر كان شايل لها مفاجأة، مش عشان تدمر، لكن عشان تبني نفسها من جديد.
**وإلى هنا تنتهي حكاية هناء.. أتمنى تكون القصص دي لمست قلوبكم، وعلمتكم إن مهما طال الليل، أكيد الشمس هتطلع، وإن القوة موجودة جوانا، بس محتاجة بس إننا نؤمن بيها. شكراً لكل حد تابع القصة دي من بدايتها لنهايتها، كانت رحلة مليانة بالمشاعر، والدروس، والحكايات اللي بتعيش جوانا!**
