رجعت من المستشفى من غير رجل ج 1 حكـايات منـي الـسـيد

وفي اللحظة دي…
بدأت أفكر إن الحادثة يمكن ما كانتش حادثة أصلًا.
لكن اللي ما كنتش أعرفه…
إن اللي هكتشفه بالليل هيكون أبشع بكتير من كل اللي سمعته.
## الجزء الثاني
أم حسن مشيت بعد ما رمت القنبلة دي في نص الصالة، وسابت وراها نار قايدة في قلبي. أحمد قفل الباب وراها بسرعة، ووشه كان جايب ألوان، باصص في الأرض ومش قادر يحط عينه في عيني. أما منى، فكانت واقفة تنهج، وعينيها بتلف في الصالة زي الديب المحبوس، وبتحاول تلملم شتات نفسها بعد ما اتفضحت.
نزلت دموعي حامية على خدي، مش من وجع جسمي ولا من قهرتي وأنا مرمية على الأرض، لأ… الدموع دي كانت دموع الصدمة في ابن عمري، اللي ساب مراته تمد إيدها عليا وتوقعني، والظاهر كده إنه عارف بلاوي تانية تشيب الراس.
سندت على الكنبة بكل قوتي، ورفعت نفسي بالعافية وأنا بصرخ فيهم بصوت مبحوح من الوجع:
— شيلوني… رجعوني أوضتي!
أحمد جه يجري عليا، وشه باين عليه الندم بس ندم ممزوج بالخوف، مسكني من إيدي وقال بصوت واطي وهو بيترعش:
— تعالي يا أمي.. تعالي هسندك.
لكن منى زعقت فيه بغل:
— سيبها! هي مش كانت بتدلع وعايزة تعمل شو قدام الست أم حسن؟ خليها تقوم لوحدها بقى عشان تعرف إن زمان أول تحول، والبيت ده خلاص مبقاش بتاعها!
بصيت لأحمد ومستنية يزعق، مستنية يضربها، مستنية ياخد بحق أمه اللي اتهانت في بيتها اللي بنته بطوبة طوبة من شقا عمرها وعمر أبوه الله يرحمه. لكن أحمد وطى راسه وخدني من تحت باطي وسندني من سكات، ودخلني الأوضة وقفل الباب وراه بسرعة من غير ما ينطق كلمة واحدة في حق مراته.
قعدت على السرير، وجع عمليتي كان هيموتني، بس وجع قلبي كان أشد. بصيت لأحمد وهو واقف جنب الباب زي العيل المغلطان، وسألته بصوت مكسور:
— الملف الأزرق ده فيه إيه يا أحمد؟ ومين الراجل اللي دخل بيتي وأنا بيموت في المستشفى؟ إنت عارف حاجة؟ رد عليا يا ابن بطني!
أحمد بلع ريقه وبص يمين وشمال، وفرك إيديه ببعض وقال بتلعثم:
— يا ماما… أم حسن ست خرفة وبتحب تعمل مشاكل وتألف قصص. مفيش ملفات ومفيش رجالة دخلت. إنتِ بس تعبانة من تأثير البنج والعملية وبيتهيألك حاجات. ارتاحي دلوقتي وكل حاجة هتبقى تمام.
وسابني وخرج قبل ما أرد عليه، وقفل الباب وراه.
الساعات مرت عليا في الأوضة دي وكأنها سنين. الدنيا ضلمت، والليل جه، وجاب معاه هدوء مرعب في الشقة. كنت قاعدة في الضلمة، مش عايزة أولع النور، دموعي نشفت وحل محلها خوف وتفكير مش ملاحقة عليه.
الملف الأزرق… افتكرت! ده الملف اللي فيه عقد الشقة، وعقد المحل اللي سابهولي جوزي الله يرحمه، وشوية دهب كنت شايلاهم للزمن تحت مرتبة السرير.
حسيت برعب هز طولي. حطيت إيدي تحت المرتبة بالراحة وبقيت أدور… أدور… ومفيش! المكان فاضي! الذهب اختفى، والملف اللي كان متشال في الدولاب ورا الهدوم ملوش أثر.
عرفت ساعتها إن أم حسن ما بتخرفش. إن فيه مصيبة سودا بتحصل من ورا ضهري، وإن ابني يا إما شريك فيها، يا إما مغمى عينيه ومساق ورا مراته زي الأعمى.
على الساعة اتنين بالليل، والشقة هسس ومفيش فيها صوت، سمعت خروشة برة الأوضة. حركت جسمي بالراحة خالص، ومسكت العكازة من غير ما أعمل أي صوت، وابتديت أتسحب على رجلي الواحدة وأنا سانة ضهري على الحيطة لحد ما وصلت لباب الأوضة.
فتحت الباب سنة صغيرة… خرم إبرة بس أشوف منه الصالة.
الصالة كانت ضلمة، بس كان فيه نور خفيف جاي من المطبخ، وصوت همس واطي جداً. اتسحبت أكتر لحد ما بقيت قريبة من المطبخ، وبقيت سامعة كل كلمة بتتقال بوضوح.
كانت منى وأحمد واقفين بيتكلموا بصوت شبه مسموع.
منى كانت بتقول بغضب مكتوم:
— بقولك إيه يا أحمد، متبقاش خيبان وخوفك ده هيضيعنا! أم حسن شافتني وأنا بحرق العقد القديم، والراجل المحامي استلم مننا التنازل الجديد اللي عليه بصمتها وهي غايبة عن الوعي في العناية المركزة. يعني الشقة والمحل بقوا بتوعنا رسمي وقانوني!
أحمد رد عليها وصوته كان بيرتعش من الخوف:
— يا منى بس أم حسن لو اتكلمت وقالت إن فيه راجل دخل، والمحكمة شكت في البصمة، هنروح في داهية! دي أمي برضه، وأنا قلبي واجعني عليها بعد اللي حصلها في الحادثة…
ضحكت منى ضحكة صفرا خبيثة وقالتله:
— قلبك واجعك؟ هههه، ما تنساش يا حيلتها إن الحادثة دي هي اللي ريحتنا وخليتها تمضي وهي مش حاسة بالدنيا. لولا سواق الميكروباص اللي إدينا له القرشين عشان يزنق عليها بالعربية وهي تعدي الشارع، ما كناش هنعرف ناخد منها العقود ولا نلوي دراعها! دبرنا كل حاجة ونجحنا، جايلك قلب تضعف دلوقتي وتضيع شقا عمرنا اللي خبيناه؟
في اللحظة دي، الدنيا لفت بيا.
حسيت إن الأرض بتهتز تحتيا، والنفس اتكتم في صدري.
الحادثة… ما كانتش حادثة!
ابني… ابني الوحيد اللي كبرته وعلمته وجوزته من شقايا، اتفق مع مراته عشان يموتوني أو يعجزوني؟ دفعوا فلوس لسواق عشان يخبطني بالعربية عشان ياخدوا الشقة والمحل؟
جسمي كله ساب، ومبقتش قادرة أقف على رجلي التانية. العكازة أفلتت من إيدي وخبطت في الأرض بعنف، وأنا وقعت على ركبي وصرخت صرخة طلعت من جحيم قلبي:
— ياااااا رب!! يااااا رب ارحمني!
الصوت هز الشقة. أحمد ومنى جريوا من المطبخ وهما مخضوضين. أول ما شافوني مرمية على الأرض وسامعة كل حاجة، وش أحمد بقى أبيض كأنه ميت، ووقع على ركبه قدامي وبدأ يعيط ويقول:
— يا ماما… والله العظيم ما كان قصدي أموتك! هي اللي قالتلي هنخوفها بس عشان ترضي تكتب لنا البيت! والله العظيم أنا بحبك يا أمي!
أما منى، فملامحها اتغيرت وبقت زي الشيطان. قربت مني وبصتلي بكل جبروت، وزقت أحمد في كتفه وقالتله:
— قوم يا خايب! طالما عرفت يبقى خلاص، اللعب بقى على المكشوف!
بصتلي وقالت بنبرة كلها تهديد ووعيد:
— اه يا حماتي… إحنا اللي عملنا كده. وبصمتك الجميلة منورة على عقد بيع الشقة والمحل. ودلوقتي إنتِ ست عاجزة، برجل واحدة، مالكيش أي قيمة ولا تقدري تعملي أي حاجة. لو فتحتي بقك أو حاولتي تشتكينا، هنرميكي في دار مسنين ومحدش هيسأل فيكي، وهيقولوا ست خرفت بعد الحادثة. البيت ده مبقاش بيتك، وإنتِ هنا مجرد ضيفة لحد ما نموتك بالبطيء!
بصيت لأحمد ومستنياه ينطق، مستنياه يدافع عني، لكنه كان قاعد في الأرض بيعيط زي الحريم وساكت، مسلم لمراته كل حاجة.
في اللحظة دي، وسط الدموع والكسرة والوجع اللي ملوش آخر، حسيت بقوة غريبة بتدخل قلبي. القوة دي مش من جسمي، دي قوة من عند ربنا.
بصيت لمنى ولقطت عيني في عينها، وقولت بصوت قوي، ثابت، هز جدران الأوضة:
— البيت ده بيتي… واللي خلقني وخلقكم مش هيسيب حقي. إنتوا فاكرين إنكم كسرتم رجلي فبقت عاجزة؟ لأ… أنا لسه فيا نفس، وربنا حي مش بيموت.
رميت نظرة أخيرة على أحمد، نظرة كانت بمثابة إعلان وفاته في قلبي، وقولتله:
— خسارة فيك اللقمة اللي طفحتها لك من شقايا يا أحمد. من الساعات دي، إنت مش ابني، وأنا خصيمتك ليوم الدين قدام ربنا.
منى ضحكت وقالت:
— وريني بقى هتعملي إيه يا ست العريفة! وريني مين هيصدقك ومين هيقف معاكي!
الليل عدا وأنا نايمة في الأرض في الصالة، محدش فيهم هان عليه يشيلني أو يسندني. منى دخلت نامت وأحمد دخل وراها يقفل على نفسه وهو بيبكي في صمت.
فضلت باصة للسقف، وجع رجلي المبتورة كان بيصرخ، بس عقلي كان شغال زي الساعة. مش هستسلم. مش هسيب حقي للي حاولوا يموتوني وسرقوا شقا عمري.
أول ما الشمس بدأت تطلع ونور ربنا ملى الشقة، سمعت حركة خفيفة برة الباب. كان صوت كنس في السلم… ده صوت مقشة أم حسن جارتي! الست دي بتصحي كل يوم الساعة ستة الصبح تكنس قدام شقتها.
استجمعت كل قوتي، وزحفت على بطني وعلى إيديا ورجلي الواحدة لحد ما وصلت لباب الشقة. رفعت إيدي بالعافية وبدأت أخبط على الباب بكل ما أوتيت من عزم وأنا بنادي بصوت مخنوق:
— أم حسن… الحقيني يا أم حسن!
الصوت كان واطي، بس الجار الوفي بيبقى قلبه حاسس. سمعت صوت المقشة وقع على الأرض، وخطوات أم حسن بتجري على بابي.
— أم أحمد؟ إنتِ بتنادي يا حبيبتي؟ مالك؟ فيكِ إيه؟
قولت لها والدموع مغرقة وشي:
— افتحي الباب يا أم حسن.. السلسة مش محطوطة، لفي المفتاح وافتحي الحقيني!
أم حسن فتحت الباب بسرعة، وأول ما شافتني مرمية على الأرض بالمنظر ده، صرخت وحطت إيدها على بوقها:
— يا مصيبتي! إيه اللي عمل فيكِ كده؟ فين أحمد؟ فين الزفتة مراته؟
مسكت في جلابيتها وقولت لها وعيني بتلمع بشرر:
— وطي صوتك يا أم حسن مش عايزة حد يحس بينا… اسمعيني كويس، أحمد ومنى هما اللي عملوا فيا الحادثة، وسرقوا عقودي وبصموني وأنا غايبة عن الوعي. أنا محتاجة موبايلك حالا.. ومحتاجة تروحي تجيبي لي حد… حد هما مش هيموتوا من الخوف منه وبس، ده هيوديهم ورا الشمس!
أم حسن بصتلي والغل ملى عينيها وقالت:
— قوليلي مين وأنا أطير أجيبهولك حالا، الشياطين دول لازم يتربوا!
قولت لها والابتسامة بدأت تترسم على وشي رغم الوجع:
— كلمي…
