خطوبة اخت جوزي ج 2
اماني سيد
وفجأة سمعنا صوت زعيق . حماتي طلعت، وشها أحمر من الغضب، وعينيها بتطق شرار، وبصت لأبويا وقالت بصوت عالي: “إنت جاي تتهجم علينا في بيتنا؟ بنتك دي هي اللي بتعمل مشاكل، وهي اللي مستفزة، وإحنا أحرار في بيتنا ناخد اللي ناخده، واللي مش عاجبه يخبط دماغه في الحيط!”.
أمي كانت واقفة ورايا، طول الوقت ده كانت كاتمة غيظها ودموعها، بس لما سمعت حماتي وهي بتجيب سيرتي بالسوء وبتقلل مني قدام أهلي، لقيت أمي بتتحرك زي الإعصار. ملامحها الهادية اختفت تماماً، وراحت ناحية حماتي بخطوات سريعة وثابتة.
حماتي حاولت تكمل صراخها وتقول: “انتي فاكرة نفسك فين؟ دي مرات ابنى عندي، أعمل فيها اللي أنا عايزاه…”، بس قبل ما تكمل جملتها، أمي كانت وصلت عندها، مسكتها من دراعها بقوة وقالتلها بصوت واطي بس مرعب: “خدامه عندك؟ بنتي مش خدامة عندك عشان تضربيها وتاخدي حاجتها، وبنتك اللي مدت إيدها دي، كان لازم تتربى، وبما إنك ما ربيتيش، أنا اللي هربيكي”.
حماتي حاولت تزق أمي، بس أمي -اللي كانت شايلة وجع قلبي كله- ما سكتتش، ووقعت حماتي في “خناقة” ما كانش حد يتوقعها، وبدأت أمي تضربها وهي بتصرخ: “دي بنتي اللي ما شفتش منها غير كل خير، تمدوا إيدكم عليها؟ تاخدوا تعبها وشقاها؟ البيت ده اللي مفروض يكون أمان، خليتوه جحيم؟”.
الصالة انقلبت فجأة لساحة معركة. دلال صرخت، وإمام وقف مش عارف يعمل إيه، كان واقف متجمد في مكانه، باصص لأمه وهي بتتهاجم، وباصص ليا وأنا واقفة بدموعي، ومش قادر ينطق.
أول مرة أشوف “جبروت” حماتي بيتهد في دقيقة، وأول مرة أحس إن ليا ظهر قوي بيحميني، مش بس بالكلام، لأ، برد الفعل اللي بيحفظ الكرامة.
البيت كان بيترج من صريخ دلال وتوسلات إمام وهو بيحاول يفك الاشتباك، لكن أمي كانت زي النمرة اللي بتدافع عن بنتها، ما سابتش حماتي غير لما “دلال” وأبوها وأخواته اتدخلوا بقوة وفصلوهم عن بعض. الصالة بقت فوضى، قطع العفش متحركة من مكانها، والجو مكهرب بكلمات مش ممكن تتنسي.
حماتي كانت بتنهج وشعرها منكوش، وقعدت على الكرسي وهي بتشتم وتتوعد، ودلال كانت بتعيط وتصرخ: “شفت يا إمام؟ مراتك وأهلها عملوا إيه في أمك؟ طلقها يا إمام، دي ما بقتش عيشة!”.
إمام كان باصص لي بنظرة انكسار وخزي، لأول مرة أشوف الدموع في عينيه. وقف في نص الصالة، ما بين أمه وأخته اللي بيصرخوا، وبين أبويا وأمي اللي واقفين كالجبل ورايا.
أبويا تقدم خطوة، وبص لإمام ودلال وحماتي بنظرة حازمة وقوية وقال بصوت جهوري هز أركان الشقة: “كفاية.. كفاية لحد هنا! اللي حصل ده عيب في حقنا كلنا، وإمام لو ما كانش عارف يربي أهله، فأنا اللي هربيهم. دلال، القلم اللي مديتيه على هالة في بيتها، رجعلك في سمعتكم قدام كل الناس.. دهب هالة يرجع، وكل حاجتها اللي اتخدت ترجع فوراً، والبيت ده له حرمة مش مسموح لأي حد يتخطاها، إمام أو غيره!”.
إمام حاول يتكلم، بس أبويا قاطعه بلهجة مافيهاش هزار: “يا إمام، احنا مش جايين نخرب بيوت، بس جايين نحط النقط على الحروف. بنتي مش مادية، بس كرامتها أغلى من كل عفش الدنيا. لو الحاجة دي ما رجعتش النهاردة قبل ما نمشي، اعتبروا إن في كلام تاني خالص بيننا، والقانون هو اللي هياخد حقنا في كل اللي حصل ده”.
إمام أخد دلال من إيدها، ودخلوا يلموا حاجتي من أوضتهم، والبيت ساد فيه صمت الموت. كنت واقفة وأنا حاسة بانتصار، بس في نفس الوقت بوجع كبير.. أنا استرديت حقي، بس عرفت إن الثقة اللي بيني وبين جوزي اتشرخت، وإني عمري ما هنسى نظرة أهله ليا، ولا نظرة إمام ليا وأنا “مهانة” في بيتي
إمام كان واقف مش عارف ينطق، ودلال بتلم الحاجة وهي بتبرطم بكلمات حقد، وحماتي قاعدة بتتوعد، لكن جوايا كان فيه صوت بيقولي: “مش هينفع تكملي هنا تاني”.
بصيت لإمام، اللي كان باصص للأرض، وشفت فيه صورة الراجل اللي ساب أهله يكسروني، الراجل اللي خيّرني بين كرامتي وبين شقة فوق، الراجل اللي ما دافعش عني في لحظة القلم.
أبويا بصلي، وكأن كان قارىء اللي بيدور في عقلي، مسك إيدي وقال بصوت هادي بس حازم: “هالة، إنتي عايزة تكملي؟”.
رديت من غير تفكير، وصوتي كان طالع واثق لأول مرة: “لأ يا بابا، أنا مش هطلع الشقة دي تاني. البيت اللي ماحسيتش فيه بالأمان، والراجل اللي ما صانش كرامتي، ما يلزمنيش”.
إمام رفع عينه بصدمة: “هالة؟ إنتي بتقولي إيه؟ ده مجرد سوء تفاهم!”.
أبويا سكت إمام بنظرة حادة، وطلع تليفونه وكلم حد، وبعد دقايق سمعنا صوت عربية نقل كبيرة وقفت قدام العمارة. أبويا بص لإمام وقاله: “بنتي كلمة واحدة، والبيت اللي دخلته عزيزة، هتخرج منه عزيزة. اطلب عربية تنزل العفش ده كله، والدهب والحاجات اللي هما خدوه يرجع، وأنا جاي أخد بنتي وأطلقها، لأن الجوازة اللي بتبدأ بالبلطجة وإهانة الكرامة، ما فيهاش خير”.
حماتي قامت وقفت بتحدي: “والله ما هي واخدة مسمار، دي جاية بشنطة هدومها!”.
أبويا ضحك بسخرية: “دي عفش بنتي، ولو لمستوا مسمار، المحاضر هتملي القسم. يا إمام، قدامك دقيقتين تاخد قرارك، يا إما تخلصنا بالذوق، يا إما القانون هياخد مجراه في كل دهب وحاجة اندفعت”.
إمام كان واقف بين نارين، بس كان واضح إنه خايف من الفضيحة أكتر ما هو خايف على بيته. نزلوا الشباب يلموا العفش، وأنا وقفت في نص الصالة، بصيت للبيت اللي كنت فاكراه “مملكتي”، ولقيته مجرد جدران باردة، وحمدت ربنا إن دمي ما بقاش مرتبط بدم الناس دي.
ركبت العربية وأنا باصة قدامي، وأبويا جنبي، وإمام واقف في البلكونة بيبصلي بكسرة.. لكن الكسرة دي ما حركتش فيا شعرة، لأني عرفت إن اللي باع كرامتي مرة، هيبيعني كل مرة.
عدت الأيام وأنا في بيت أبويا، كنت حاسة إني اتولدت من جديد، رغم مرارة التجربة ووجع الفراق. إجراءات الطلاق بدأت، وإمام في الأول حاول يبعت ناس يوسطهم، ويقول إني “مراته وحبيبته” وإنه مكنش يقصد، بس كان كلام متأخر جداً.
أبويا كان رافض أي وساطة، وقالي: “اللي ميعرفش يحمي مراته في بيتها، ميعرفش يبني أسرة”. إمام لما لقى إن الطريق مسدود، بدأ يضغط عليه أهله، خصوصاً “دلال” اللي كانت بتحرضه كل يوم إن “المرأة اللي أهلها يقتحموا البيت، لا تستحق الرجوع”. إمام في الآخر استسلم تماماً، وطلقني في هدوء، وكأن كل الوعود والحب اللي كان بينا كان مجرد وهم اتبخر في أول اختبار حقيقي.
بعد الطلاق بشهرين، بدأت ألملم شتات نفسي. رجعت لشغلي في التدريس، وبدأت أركز في حياتي اللي كانت متوقفة تماماً. الغريب إني في يوم كنت بتمشى في المنطقة، وشوفت “إمام” بالصدفة، كان باين عليه الانكسار، (حماتي السابقة) كانت ماشية جنبه وبتزعق له زي ما كانت بتعمل معايا، شفته وهو ساكت ومطأطأ رأسه، وكأنه “الخادم” الجديد في البيت. استغربت انا ازاى من الاول استحملت وقبلت انى ارتبط بشخص زى ده
حسيت وقتها بشفقة عليه، بس كانت شفقة بعيدة، شفقة على راجل باع رجولته وكرامة بيته عشان يرضي “سطوة” أمه وأخته، وفي الآخر ملقاش لا البيت اللي كان بيحلم بيه، ولا التقدير اللي كان بيتمناه من أهله.
دلوقتي، أنا بقيت “هالة” اللي اتعلمت الدرس القاسي، عرفت إن الكرامة هي اللي بتبني البيوت، وإن الراجل اللي مش بيحط “حدود” لأهله في بيته، هو أول واحد بيخسر بيته. بدأت أكتب قصتي دي، يمكن تكون درس لأي واحدة بتمر بنفس اللي مريت بيه، عشان تعرف إن “الركنة” أو “الدهب” ممكن يتعوضوا، لكن الكرامة لو ضاعت، صعب جداً ترجع.
