شقتي الجديدة ج 2 حكايات زهرة الربيع

مردتش عليه ناديت على ناهد فورا
وقولتلها:
“لمي الشنط دي يا ناهد.. بس مش عشان نقعد هنا، عشان هننقل شقتنا الجديدة دلوقتي حالا، واللي يحصل يحصل!”
​الكلمة نزلت على ناهد زي طوق النجاة، بصتلي وعينها برقت بالفرحة والدموع نزلت من كتر الارتياح. مكدبتش خبر، وبسرعة البرق كانت مجهزة العيال والشنط، امي بصتلي وقالت بحده.. أنا مش حلفت وقولت الشقة لأخوك الصغير؟ أنت بتكسر كلمتي يا ابن بطني؟!”
​وقفت قدامها وراسي مرفوعة، وقولت بنبرة قوية وناشفة مفيهاش تراجع:
“لأ يا أمي، أنا عمري ما أكسر كلمتك في حقك أنتِ، لكن في حقي وحق مراتي وعيالي؟ لأ! الشقة دي شقتي، شقى عمري وغربتي وتعب مراتي اللي كانت بتصحى من النجمة في البرد والمطر تبيع لبن وجبنة عشان القرش يمسك القرش. أحمد عايز يتجوز؟ يشقى زي ما أنا شقيت، ويعمل لنفسه زي ما أنا عملت.”
​أحمد وقف وبصلي بغل وقال: “يعني إيه يا حودة؟ هتفضحني قدام الناس؟ والفيزا بتاعتي اللي أنت أخدتها وسافرت بيها؟”
​رديت عليه وصوتي رج البيت كله: “الفيزا دي أنا سددتلك تمنها قرش ينطح قرش من أول سنة، ومشتلتش جميلك! أنت اللي اخترت تقعد هنا وتتدلع، وأنا اللي اخترت الغربة والمرارة. وعشان تبقوا عارفين بقا.. لو عروسة أحمد دي وأهلها مش صابرين معاه من الأول على ظروفه، ومستحملينه في أوضة وصالة لحد ما يبني نفسه زي ما ناهد صبرت معايا على المر.. يبقى البت دي متستاهلهوش وم تلزمناش من الأساس!

ناهد عاشت معايا في علبة كبريت، ومشتكتش، وطفحت التراب عشان تقف جنبي.. البت اللي تلاوي بوزها من أولها على شقة جاهزة من شقى غيرها، بكره في أول أزمة تبيعك يا أحمد!”
​أمي صرخت وشقت جيبها وقالت: “أنا غضبانه عليك يا محمود ليوم الدين لو خرجت من البيت ده وروحت الشقة!”
الكلام وجعني وقطع في قلبي، بس قولت ونفسي حزين: “ربنا ما يرضاش بالظلم يا أمي، وغضبك ده في باطل عشان بتنصري الطمع.. أنا ماشي، ويوم ما تعرفوا إن معاكم حق، هتعرفوا فين طريقي.”
​أخدت ناهد والعيال وخرجنا من بيت العيلة، وأمي وأحمد قاطعوني وزعلوا مني زعل كبير، وكنت ماشي والكسرة في قلبي من زعل أهلي، بس أول ما وصلنا الشقة الجديدة وشوفت فرحة عيالي وهم بيجروا في الوسع، وناهد وهي بتبكي من الفرحة وبتسجد لربنا شكر في الصالة.. حسيت إن الحمل اتمزح من على ضهري.
​قفلت علينا بابنا، وبصيت لناهد وقولتلها: “مبروك عليكي شقاكي يا بنت الأصول.. كرامتك وكرامة عيالنا فوق أي حد.” عشنا أول كام شهر في جنة، فرحانين بالوسع ونظافة الشقة اللي كل حيطة فيها واخدة من عرقنا.
​أما ناهد، فبعد كام يوم من الفرحة، لقيتها بتلم هدومها وبتقولي: “محمود، أنا عايزة أروح أقعد عند أهلي كام يوم أريح دماغي من كلام الناس والمشاكل اللي حصلت.”
وقفت قدامها ومنعتها وقولت بلهجة حاسمة: “لأ يا ناهد.. مفيش مروح عند أهلك. إحنا دخلنا شقتنا بكرامتنا، ورجلك برا البيت ده لأ لأي سبب يخص الزعل مش هسمح بيه. أنا وقفت قدام الدنيا كلها عشانك وعشان بيتنا، وعايزك جنبي هنا، نقفل بابنا علينا ومالناش دعوة بحد لحد ما النفوس تصفى. خروجك دلوقتي هيخلي الناس تقول إننا اختلفنا، وأنا مش هسمح لأي حد يشمت فينا.”
ناهد بصتلي وحست بقوتي وخوفي عليها وعلى شكلنا قدام الناس، وفهمت دناغي واقتنعت، وقالتلي: “حاضر يا محمود، اللي تشوفه.. أنا جنبك ومش هسيب بيتي.”
​في الناحية التانية، الدنيا مقعدتش في بيت العيلة. أمي راحت لأم العروسة وقالتلها إن الشقة مصلحتش، وإن أحمد هيتجوز في الأوضة لحد ما ربنا يسهل. أم العروسة لوت بوزها وقالت بلؤم: “إحنا بنتنا متقعدش في أوضة وحمام مشترك، والجوازة دي م تلزمناش!” وفعلًا، فسخوا الخطوبة ورموا لأحمد دبلته.
​أحمد انكسر كسرة عمره، وقعد في الأوضة يبكي على حاله وعلى البت اللي سابته في أول محطة عشان مفيش شقة تمليك جاهزة. وفي وسط وجعه، افتكر كلامي ليه لما قولتله: “لو مصبرتش معاك من الأول زي ناهد، تبقى متستاهلكش.. والبت اللي تلاوي بوزها على شقى غيرها تبيعك في أول أزمة.”
​أحمد قعد يفكر في كلامي ويقارن بين خطيبته اللي باعته في ثانية، وبين ناهد اللي استحملتني 5 سنين غربة وشقى وبتبيع لبن وجبنة عشان تبني معايا. راح لأمي وهو بيبكي وقالها: “محمود كان معاه حق يا أمي.. محمود ظلمناه وتعدينا على شقاه وشقى مراته، والبت اللي كنت هموت عليها باعتني عشان حتة حيطة، وعرفنا قيمتنا عندها.. محمود كان بيدور على مصلحتي وأنا اللي كنت أعمى بالطمع.”
​أمي ندمت ندم ملوش آخر، وعرفت إن الظلم مبيثمرش، وإن ربنا جاب حق محمود وناهد لحد عندهم.
​بعد حوالي ست شهور، وأنا قاعد في شقتي مع ناهد والعيال، لقيت الباب بيخبط. فتحت، لقيت أمي واقفة ودموعها مغرقة وشها، وجنبها أحمد ومنزل رأسه في الأرض من الكسوف.
​أمي أول ما شافتني ارتمت في حضني وقالت وهي بتعيط بحرقة: “سامحني يا محمود يا ابني.. قطع لسانها اللي تقول عليك كلمة وحشة، أنت اللي كان معاك حق، وأنا اللي عمياني الدلع والطمع.. البت باعت أخوك في أول محطة، وعرفت إن مرتك ناهد دي جوهرة ومش موجود منها في الزمن ده.. سامحني يا ابني ومتزعلش مني.”
​أحمد جيه مسك إيدي وباسها وقال: “حقك عليا يا أخويا الكبير.. أنت فوقتني من وهم كبير، وعرفتني إن اللي مبيتعبش في الحاجه مبيحسش بقيمتها، والست اللي متصبرش على ضيق حال جوزها متستاهلش تشيل اسمه.. أنا أسف يا محمود، وأسف لست الخلاق ناهد.”
​ناهد طلعت بسرعة ورحبت بأمي وبست إيدها، وأنا خدت أمي وأخويا في حضني وقولتلهم: “أنا عمري ما أزعل منكم، أنتم أهلي ولحمي ودمي.. بس الحق كان لازم يظهر، وعشان أحمد يتعلم ويبقى راجل بجد يعتمد على نفسه.”
​يومها البيت اتملى فرحة ولمة حقيقية، وأحمد بدأ يدور على شغل بجد، وأمي بقت تحلف بنزاهة ناهد وأصلها قدام الطوب الأحمر. وعرفت ساعتها إن الصبر آخره جبر، وإن الراجل اللي يقف في الحق ربنا بينصره ويصون بيته وأهله في الآخر.
شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *