البنت كبيرة مالهاش حق تتعب ج 3 حكايات مني السيد

## الفصل الخامس
الكلمة نزلت على ودنها زي مية ساقعة في عز كشكشة الشتا. “عمك التالت.. عاصم السيوفي”.
البنت اتسمرت مكانها، وعينيها راحت لملامحه. كان فيه شبه من حسن، نفس العينين الواسعة الجاحظة، بس على أخبث.. الوش أرفع، والبدلة الشيك والنضارة الماركة كانوا بينطقوا فلوس، عكس حسن اللي كان دايمًا مبهدل وروتينه باين عليه. لكن النبرة الباردة والابتسامة المسمومة كانت واحدة.. نفس ريحة الطمع اللي شمتها في حسن وأمينة ليل ونهار.
— “عمي؟” البنت همست والكلمة خرجت من بوقها بالعافية: “أنا ماليش عمام غير حسن.. ومحبوس.”
عاصم ضحك ضحكة واطية، وبص حوليه في ممر المستشفى اللي كان مقلوب بسبب حالة تيتة، وقال:
— “حسن؟ حسن ده طول عمره هفأ.. حمار وبيرفس، وافتكر إنه لما يزور ورقة ولا اتنين هيقش الليلة لوحده. أنا كنت مسافر يا شاطرة، ولسه راجع لما لقيت فضايركم مسمّعة في الجرايد والفضائيات. بس الظاهر كده إنك مش سهلة.. بنت عندها 14 سنة تقلب التربيزة على حسن وأمينة وتوديهم المزرعة؟ لاء.. طالعة لأبوكي كريم.. كان برضه ناشف ومابيرجعش في كلمته.”
المستشار أحمد اللي كان واقف بيتكلم مع دكتور على جنب، لمح الراجل الغريب وهو واقف قريب من البنت وملامحها المخطوفة. خطى بسرعة ووقف حيطة سد بين عاصم وبين البنت:
— “أفندم؟ مين حضرتك؟ والزيارة ممنوعة في الممر ده.”
عاصم رجع خطوة لورا، وحط إيده في جيب بنطلونه بكل برود:
— “أهلاً سيادة المستشار أحمد الهواري.. المحامي الكبير اللي مقوم الدنيا ومقعدها. أنا عاصم السيوفي.. الأخ الأصغر لكريم وحسن. وجاي بصفتي واحد من العيلة.. ومن حقي أطمن على ولاد أخويا.”
المستشار أحمد عينه صغرت وبصله بشك وكأنه بيفتكر الاسم:
— “عاصم السيوفي؟ انت مش اللي برضه كنت بره مصر من سنين وعليك قضايا شيكات بدون رصيد؟”
وش عاصم اتشنج للحظة، بس رجع رسم الابتسامة الباردة تاني بسرعة:
— “يا سيادة المستشار، الحاجات دي قضايا قديمة وتصفية حسابات شغل.. المهم دلوقتي إن حسن وأمينة في السجن، والحاجة فاطمة الله يرحمها بقى.. أو يسهلها.. بتفرفر جوه. والعيال دول قُصّر.. ومحدش أولى بدمه من عمه. والوصاية اللي انت فرحان بيها دي، مؤقتة.. وأنا هقدم طلب للمجلس الحسبي وبصفتي العم الشرعي الحر الطليق.. أنا اللي أولى بالولاد.. وبأملاكهم طبعاً.”
في اللحظة دي، باب العناية المركزة اتفتح، والدكتور خرج ووشه حزين، وبص للبنت وللمستشار أحمد:
— “شدوا حيلكم.. البقاء لله. الحاجة فاطمة عمرها انتهى.. عملنا كل اللي نقدر عليه بس قلبها مأستحملش الصدمات.”
الدنيا لفت بالبنت.. حست إن الحيطان بتطبق عليها، وصوت صرخة مكتومة خرج من قلبها قبل بوقها. وقعت على الركبة ومحمود جري عليها وهو بيعيط وبيققول: “تيتة ماتت يا أبله؟ تيتة سابتنا زي بابا وماما؟”
المستشار أحمد نزل على ركبه وطبطب على كتاف البنت وعينه مدمعة، لكن عاصم.. عاصم السيوفي ملقاش في قلبه رحمة يداري بيها وساخته في اللحظة دي. بص لجث..ة الست اللي جوه، وبعدين بص للبنت وقال بنبرة خبيثة:
— “البقاء لله يا شاطرة.. أهي السند الوحيد اللي كان ليكم طار. جهزي نفسك بقى.. عشان اللعبة الجد لسه هتبدأ.”
ولف ضهره ومشي بخطوات واثقة، وجزمتها بتعمل صوت رنان في الممر الفاضي، كأنه بيعلن بداية كابوس ألعن من اللي فات.
الجنازة كانت حزينة وصغيرة. مفيش حد مشي فيها غير البنت ومحمود، والمستشار أحمد والأستاذة نجوى بتاعة الشؤون اللي صممت تيجي تقف مع البنت. الجيران في حي مصر القديمة طلعوا وبصوا على النعش بحزن.. الست الطيبة راحت، وسابت وراها سبع عيال يتامى للمرة التانية، وعالم مابيرحمش.
بعد الصوان والدفن، رجعوا الشقة القديمة. الأطفال الستة كانوا قاعدين زي الفراخ المذبوحة، مش فاهمين حاجة بس حاسين إن السقف اللي كان حاميهم اتهد. يوسف مكنش بيبطل عياط، وسلمى انكمشت في نفسها أكتر، وكريم الصغير مكنش فاهم يعني إيه موت، وكل شوية يسأل: “هي تيتة راحت تشتري لبن وليه غابت؟”
البنت كانت قاعدة وسطهم، لابسة أسود في أسود، عينيها وارمة ومنفخة، بس جواها كان فيه نار قايدة. نار مخلتهاش تضعف.. مكنش ينفع تضعف.
المستشار أحمد قعد معاها في الصالة والأستاذة نجوى معاهم:
— “بصي يا بنتي.. عاصم السيوفي ده مش ساهل. أنا سألت عليه وعرفت إنه رجع مصر من أسبوعين بس، وباع كل اللي وراه بره عشان يدخل في الليلة دي. هو عرف بإن تركة أبوكي كريم كبيرة جداً وتساوي ملايين، وحسن غبائه ضيعها من إيده، فهو جاي يقش. عاصم هيستغل إن تيتة ماتت، وإنك لسه 14 سنة، وهيتقدم بكرة الصبح للمجلس الحسبي يطلب الوصاية الشرعية والمالية عليكم.”
الأستاذة نجوى هزت راسها بقلق: “والقانون في الحالات دي يا سيادة المستشار بيفضل الأقارب من عصب الأب.. يعني العم بيبقى له الأولوية لو مفيش جد أو جَدة.”
البنت رفعت راسها وعينيها بتطق شرار:
— “على جثتي.. الراجل ده لو دخل البيت هنا، هياكلنا صاحيين. حسن وأمينة كانوا بيشغلوني ويسرقوا من ورايا، ده شكله هيبيعنا إحنا شخصياً عشان الفلوس.. أنا مش هسيب إخواتي ليه.”
المستشار أحمد قال بثبات: “وإحنا مش هنسيبه يا بنتي. أنا صفتي وصي مالي مؤقت بقرار المحكمة الأخير، وده هيديني مساحة أتحرك. بكره الصبح هقدم طعن في النيابة والمجلس الحسبي، وهثبت إن عاصم ده غير أمين على أموال القصر.. وهجيب الدفاتر القديمة بتاعته وقضايا النصب اللي كانت عليه بره وجوه مصر.”
تاني يوم الصبح، الحرب بدأت رسمي.
البنت مكنتش قادرة تقعد في البيت مستنية الأخبار. سابت الأطفال مع الأخصائية النفسية مروة، وأخدت محمود وراحت على مكتب المستشار أحمد. ومن هناك، طلعوا كلهم على مجمع المحاكم في التجمع الخامس، حيث جلسة المجلس الحسبي العاجلة اللي طلبها عاصم.
الممر كان زحمة، وعاصم كان واقف مع اتنين محامين شكلهم من الغيلان الكبار اللي بياخدوا ألوف مؤلفة عشان يقلبوا الحق باطل. أول ما شاف البوليس والمستشار أحمد ومعاهم البنت، عدل جاكت بدلته وقرب بابتسامته المقرفة:
— “منورة يا بنت أخويا.. جاية تشهدي لعمك ولا إيه؟”
البنت وقفت ومردتش عليه، بس بصتله بنظرة خلت المحامين بتوعه نفسهم يستغربوا من قوة عين بنت في سنها.
دخلوا غرفة المجلس الحسبي. رئيس المجلس كان راجل وقور، لابس وش جاد وبيدقق في الأوراق اللي قدامه.
عاصم بدأ يتكلم بنبرة كلها تمثيل وتباكي:
— “يا سيادة المستشار.. الأطفال دول ولاد أخويا الغالي كريم.. دموعي مجفتش عليه من يوم ما مات. وحسن أخويا للأسف ضل الطريق وعما الطمع قلبه.. وأنا لما عرفت باللي حصل، سبت شغلي وحياتي في الخليج ورجعت فوراً عشان ألم شمل العيلة. الأطفال يتامى، والجدة ماتت، ومفيش حد أولى بيهم من عمهم الشقيق.. أنا بوفرلهم شقة كبيرة في التجمع، ومدارس إنترناشيونال، وهدير أملاكهم بكل أمانة لحد ما يكبروا.”
المستشار أحمد وقف وضرب بملف تقيل على المكتب:
— “كلام مرسل ومحاولة رخيصة للاستيلاء على تركة قُصّر يا فندم! السيد عاصم السيوفي بيتكلم عن الأمانة وهو هارب من مصر من سبع سنين بسبب قضايا نصب وتبديد شيكات! معايا هنا حافظة مستندات فيها الأحكام الصادرة ضده، وصور من قضايا في دبي والرياض بتهمه بخيانة الأمانة مع شركائه بره!”
رئيس المجلس الحسبي مسك النضارة وبدأ يفرز الأوراق اللي قدمها المستشار أحمد، وملامحه اتقلبت.
محامي عاصم اتدخل بسرعة: “يا فندم، دي قضايا تجارية وتمت تسويتها بالكامل والموكل معاه رد اعتبار.. القانون بيدي الأولوية للعم الشرعي، والبنت الكبيرة طفلة لا تملك أهليّة قانونية لإدارة حياتها أو حياة إخواتها.. بقاء الأطفال بدون وصي من عصب الأب بيعرضهم للتشتت في دور الرعاية والشؤون الاجتماعية!”
كلمة “الشؤون الاجتماعية ودور الرعاية” رنت في القاعة وزلزلت قلب البنت. التهديد القديم بتاع أمينة بيرجع تاني بس على لسان محامي شاطر.
رئيس المجلس بص للبنت الكبيرة: “انتي اسمك إيه يا بنتي؟”
— “اسمي فرح يا فندم..” (لأول مرة ينطق اسمها الحقيقي في السرد بعد ما كانت طول الوقت “البنت الكبيرة”).
القاضي بص لها: “يا فرح.. انتي شايفة إن عمك عاصم غير مؤهل يرعاكم؟”
فرح خطت لقدام، وصوتها مكنش فيه رعشة واحدة:
— “يا فندم.. عمي عاصم أنا ماشوفتش وشه من يوم ما اتولدت.. ميعرفش إخواتي أساميهم إيه ولا عندهم كام سنة.. هو رجع مصر أول ما عرف إن فيه ملايين وعمارات هتتوزع. أنا عشت 6 سنين بخدم إخواتي وعارفة هما بياكلوا إيه وبيشربوا إيه وبيخافوا من إيه.. حسن وأمينة حبسوني وزوروا ورقي عشان الفلوس.. وعاصم جاي يكمل اللي هما مالحقوش يعملوه.. لو حكمت له بالوصاية، إحنا هنبقى عبيد عنده لحد ما الفلوس تخلص وبعدين يرمينا في الشارع.. أنا بطلب من المحكمة تسيبنا في حالنا.. المستشار أحمد وصي علينا، وأنا هخدم إخواتي بدمي زي ما كنت بعمل، بس بلاش الراجل ده.”
رئيس المجلس الحسبي تنهد، وبص لعاصم ولقضايا النصب القديمة، وقال:
— “المجلس قرر تأجيل البت في طلب الوصاية لمدة أسبوعين.. وتكليف وزارة التضامن الاجتماعي بعمل تقرير شامل ومعاينة ميدانية لبيت الأطفال الحالي، وبقاء الوصاية المالية المؤقتة للمستشار أحمد الهواري.. رفعت الجلسة.”
الخروج من القاعة كان نص انتصار.. بس أسبوعين دي مدة قصيرة جداً وعاصم مش هيقعد حاطط إيده على خده.
أول ما خرجوا للممر، عاصم قرب من فرح وعينيه بقت حمرة من الغل، وفحيحه كان زي التعبان:
— “أسبوعين يا فرح.. أسبوعين والعب غيرها. بس افتكري.. الشقة اللي انتوا قاعدين فيها دي في مصر القديمة.. والشارع هناك ملوش أمان.. والعيال الصغيرين دول وهما رايحين وجايين من المدارس.. ممكن يحصلهم أي حاجة.. أصل الحوادث كتير اليومين دول.. خدي بالك من إخواتك يا.. يا مامتهم الكبيرة.”
ومشي وسابها، والتهديد المرة دي مكنش سجن أو مصحة.. التهديد كان بالدم.. بحياة إخواتها!
الرعب دخل البيت مع فرح ومحمود. فرح بقت تقفل الأبواب بالترابيس والأقفال، ومابقتش تخلي عيل من إخواتها يخطى عتبة الشقة.. حتى المدارس منعتهم يروحوها الفترة دي من كتر الرعب. الأخصائية مروة لاحظت الحالة دي وقالت لفرح:
— “يا فرح.. انتي كده بتدمريهم نفسياً.. الحبس ده هيزود الرعب عندهم.. لازم نلاقي حل.”
فرح كانت قاعدة في المطبخ ماسكة سكين المطبخ وبتعيط بانهيار: “عايزاني أعمل إيه يا أبلة مروة؟ الراجل ده هيموتهم! هيموت يوسف ولا محمود عشان يكسرني! أنا شوفت عينه.. ده مابيرحمش!”
المستشار أحمد لما عرف بالتهديد، قدم بلاغ رسمي في القسم بعدم التعرض، بس البلاغات مابتمنعش رصاصة ولا مابتمنعش عربية تخبط عيل في الشارع. كان لازم حل بره الصندوق.. حل ينهي وجود عاصم في الليلة دي تماماً.
وفي ليلة من الليالي، الساعة كانت اتنين بعد نص الليل.
فرح كانت قاعدة صاحية في الصالة كالعادة، ماسكة تليفونها وبتبص في صور أبوها وأمها الحقيقيين اللي تيتة سابتهملها في الملف الأصفر. كانت بتبص لوش أمها “منى” الحنين، وبتقول في سرها: “يا رب.. أنا تعبت.. دلني أعمل إيه عشان أحمي ولادك.”
فجأة، الباب الأرضي بتاع العمارة رن.. جرس الانتركم ضرب.
فرح اتخضت وقامت وقفت، وجسمها كله بيترعش. مشيت بالراحة لحد السماعة ورفعتها وصوتها مرعوب: “مين؟”
صوت واطي ومبحوح جاوبها من تحت:
— “افتحي يا فرح.. أنا معايا الدليل اللي يودي عاصم في داهية.. ويخلصكم منه للأبد.”
— “انتي مين؟” فرح سألت.
— “أنا شادية.. مرات عاصم القديمة.. واللي هرب منها وسرق فلوسها بره.. افتحي قبل ما حد من رجالته يشوفني.”
فرح وقفت والتردد واكل دماغها.. هل دي مصيدة من عاصم عشان تفتح الباب ويدخلوا يعملوا فيهم حاجة؟ ولا ده طوق النجاة الجديد اللي ربنا بعتهولها من وسط الضلمة؟
بصت لأوضة إخواتها الستة وهم نايمين في سلام.. وأخدت القرار.. مدّت صباعها وضغطت على زرار فتح الباب الأرضي.. وصوت خطوات السلم بدأت تقرب.. تقرب..
والحكاية بدأت تدخل في ممر ملوش رجوع…
يتبع في الفصل السادس…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *