أهـلي عامـلوني كخـدامة ببـلاش ج 1 حكـايات منـي الـسـيد

الكلمة نزلت عليا زي جردل مية ساقعة في عز الشتا. “والدتك مماتتش.. هي عايشة”.
حسيت إن الحيطان بتلف بيا، وصوت الراجل اللي لابس بدلة ده بيتردد في ودني زي صدى صوت في مغارة غريقة. بصيت لأحمد، لقيت وشه جاب مية لون، وعروق رقبته برزت وهو بيبص للمحامي برعب حقيقي، لأول مرة أشوفه في عينه. أما حماتي، فربطت ايديها لورا وسندت على الحيطة، ونفسها بقى عالي ومكتوم كأنها بتنازع.
الراجل اللي واقف على الباب خطى خطوتين لجوه الشقة بكل ثقة، عدل نضارته الطبية وبصلي بنظرة كلها أسف وعطف، وقال:
— أنا الأستاذ رفعت الدمنهوري، محامي الست والدتك، الحاجة فاطمة عبد العال. وأنا بقالي تلات سنين بقلب عليكي مصر حارة حارة يا بنتي، لحد ما ربنا أراد والورق ده قادنا لمكانك.
أحمد صوته طلع لعلع فجأة، كأنه بيحاول يطرد الخوف اللي جواه بالزعيق:
— إنت مين إنت عشان تخش تقتحم بيوت الناس كده؟ واطلع بره بدل ما أطلبلك البوليس! دي شقتي ومراتي، وإنت جاي تخرف وتقول كِلام مالوش أساس من الصحة!
المحامي رفعت ابتسم ببرود قاتل، وفتح الشنطة الجلد اللي في إيده، طلع منها ملف أزرق و حطه على السفرة فوق شنطة ندى اللي كانت لسه مرمية. وقال وهو بيبص لأحمد من فوق النضارة:
— تطلب البوليس؟ يا ريت والله يا أستاذ أحمد، عشان بالمرة نقدم البلاغ اللي معانا بخصوص تزوير إعلام الوراثة، واستغلال توكيل رسمي عام ملغي بوفاة الموكل، وسحب مبالغ تخطت الـ 4 مليون جنيه من حسابات الآنسة هبة.. أقصد المدام هبة، من غير علمها. تحب أطلب أنا البوليس ولا هتسمعني بالذوق؟
في اللحظة دي، ندى خرجت من أوضتها على الصوت، وشها كان أصفر زي الليمونة، وبصت لأخوها وقالت بصوت بيترعش:
— أحمد.. هو فيه إيه؟ مين الراجل ده؟ والورق ده إيه؟
أنا كنت واقفة في نص الصالة، ماسكة المستندات في حِضني كأني خايفة يسرقوا مني عيالي. كنت ببصلهم واحد واحد.. الناس دول أنا عشت معاهم ست سنين. ست سنين وأنا بغسل رجلي الست دي، وبمسح وراهم، وبطبخ بلقمتي، وبيتمنوا عليا بالهدوم القديمة. ست سنين وأحمد بيبصلي على إني حتة لقمة سايغة جابها من الشارع وبيصرف عليها لله وللوطن. طلعوا كلهم عارفيين؟ طلعوا كلهم بيمثلوا عليا فيلم هابط بقاله سنين؟
زعقت فيهم، ولأول مرة صوته يطلع في البيت ده.. صوتي طلع شرخ مكتوم من وسط دموعي:
— فهموني في إيه! يعني إيه أمي عايشة؟ وإنتوا قايلين لي إنها ماتت في المستشفى وأنا عندي 16 سنة؟ يعني إيه عقد كفالة باسم أحمد؟ هو أنا مين؟ أنا بنت مين فيكوا؟
حماتي قعدت على الكنبة بتعب مصطنع، وبدأت تنهج وتقول:
— آه.. يا راسي.. الحقني يا أحمد، البت دي هتموتني، جايبة لنا رجالة غريبة البيت تتهجم علينا وعايزة تتبلى علينا بعد ما لِميناها واعتبرناها واحدة مننا!
المحامي رفعت ما اتهزش، بصلي وقال:
— هبة يا بنتي.. ركزي معايا وسيبك من التمثيلية دي. والدتك فاطمة عبد العال، سابتك وإنتِ عندك 16 سنة مش بمزاجها. والدتك اتعرضت لحادثة زمان، ولما فاقت لقت نفسها في وسط دوامة تانية خالص، والناس دول—وشاور على حماتي وأحمد— استغلوا إنك قاصرة، وإن مالكيش حد، وقدموا ورق للمحكمة يثبت إنهم الأوصياء عليكي بصفتهم قرايب من الدرجة الثالثة لوالدك المتوفي.
أنا قاطعت كلامه وأنا بمسح دموعي بكم العباية:
— بس أنا متجوزة أحمد! إزاي كفالة وإزاي جوزي؟
رفعت تنهد تنهيدة طويلة وقال:
— هنا بقى قمة الفجر والتدبير.. هما عملوا عقد الكفالة وإنتِ صغيرة عشان يحطوا إيديهم على أملاكك اللي سايباها والدتك، ولما كبرتي وبدأتي تفهمي، وخافوا إنك تطالبي بحقك أو تخرجي بره طوعهم، أحمد اتجوزك! اتجوزك عشان يفضل مسيطر عليكي قانونياً، وعشان لو فكرتي في يوم تسألي عن أي حاجة، يقولك “إحنا أهل والفلوس واحدة”.. وفي نفس الوقت، حطوكي هنا كخدامة، عشان تتهدي وميبقاش حيلتك صحة ولا وقت تفكري في نفسك أو في أصلك وفصلك.
الكلام كان بينزل على دماغي زي المطارق. بصيت لأحمد، عينيه كانت في الأرض، مش قادر يرفعها في عيني.
— الكلام ده صح يا أحمد؟ —سألته بصوت واطي، صوت ميت مالوش أي روح.
ما ردش.
— رد عليا يا أحمد! —زعقت بأعلى صوت عندي وشديته من قميصه— رد عليا يا اللي كنت بتقولي نامي على الأرض عشان مفيش مكان على السرير، يا اللي كنت بتستخسر فيا تمن طقم لبس جديد في العيد وبتقولي “البيت أولى بالقرش”! إنت كنت بتاخد ملاييني وتصرفها على أختك وعلى نفسك ومقعدني هنا بلقمتي؟
ندى اتدخلت بوقاحة غريبة قالت:
— جرى إيه يا هبة؟ اتهدي كده ولمي نفسك! ملايين إيه وبتاع إيه؟ إنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟ ده إحنا اللي عملنا منك بني آدمة بعد ما كنتِ هترمى في الملاجئ! وبعدين تعالي هنا يا أستاذ إنت، فين إثباتك إن أمها عايشة؟ الكلام ده كله بلح!
المحامي رفعت طلع من شنطته شهادة تحركات، وصورة من بطاقة رقم قومي سارية، وحطهم قدام ندى:
— دي بطاقة الحاجة فاطمة، وده عنوان بيتها الحالي في التجمع الخامس. والحاجة فاطمة بره مصر كانت بتتعالج، ورجعت من شهرين بس، وأول ما رجعت بدأت تفتح الملفات القديمة. وجلسة المحكمة بخصوص بطلان كل التصرفات المالية اللي عملها أحمد وأمه محدد ليها الأسبوع الجاي.
أحمد أول ما سمع كلمة “التجمع الخامس” و”المحكمة الأسبوع الجاي”، وشه جاب فزع حقيقي. قرب من المحامي وقال بصوت واطي وفيه رجاء:
— يا أستاذ رفعت.. طب صلي على النبي كده.. إحنا ممكن نحل الموضوع ده ودي.. إحنا برضه أهل، وهبة دي مراتي وحبيبتي، وأنا عمري ما أذيتها، الفلوس كلها كانت بتتشال عشان نأمن مستقبلها..
ضحكت.. ضحكت بهيستيريا لدرجة إن المحامي نفسه بصلي بقلق.
— بتأمن مستقبلي؟ —قلت له وأنا بوريه إيديا المشققة— بتأمن مستقبلي بالصابون السايل الرخيص والمواعين اللي من النجمة؟ بتأمن مستقبلي لما كنت بتسيب أختك تشتمني وتهينني وتقولي “معلش أختي الصغيرة واستحمليها”؟ بتأمن مستقبلي وإنت واخد دهب أمي وشايل فلوسي في البنوك باسمك وباسم أمك؟
حماتي وقفت فجأة، وبان على وشها غضب مغلول، وقالت:
— خلاص.. طالما عرفتي، مفيش داعي للمسكنة دي. آه يا هبة، أمك عايشة، وأمك هي اللي رمتك لينا زمان عشان تشري دماغها وتشوف حياتها، وإحنا اللي شيلنا قرفك. والفلوس دي حقنا.. حق تعبنا وتربيتنا ليكي طول السنين دي. وأحمد جوزك على سنة الله ورسوله، ومالكيش مليم عندنا، وأعلى ما في خيلك وخيل محاميكِ اركبوه!
الأستاذ رفعت بص لحماتي بكل احتقار، وقال:
— الكلام ده هتقوليه قدام وكيل النيابة يا ست فاطمة.. أقصد يا ست أم أحمد. هبة.. المي هدومك وحاجتك المهمة، ويلا بينا من هنا. والدتك مستنياكي بره في العربية.
جملة “والدتك مستنياكي بره في العربية” زلزلتني. أمي بره؟ على بعد خطوات مني؟ الست اللي كنت بشوفها في أحلامي وببكي على صورتها القديمة اللي مخبياها تحت مرتبة سريري؟
مشيت ناحية الأوضة بخطوات تقيلة كأني ماشية في مية. دخلت الأوضة الصغيرة اللي مفيهاش غير سرير ودولاب مخلع. فتحت الدولاب، ملقيتش فيه غير عبايتين قدام وطرحتين. مفيش حاجة حيلتي.. مفيش حاجة تخليني أتأخر في البيت ده ثانية واحدة. خدت كيس بلاستيك أسود، حطيت فيه العبايتين، وطلعت صورتي مع أمي وأنا صغيرة من تحت المرتبة، حطيتها في حِضني مع ورق المحامي.
وأنا خارجة من الأوضة، أحمد وقف في طريقي. كان بيحاول يمسك إيدي، بس أنا نفضت إيده بقرف عمري ما حسيته تجاه بني آدم قبل كده.
— هبة.. عشان خاطري ما تضيعيش بيتنا.. أنا بحبك.. والله العظيم بحبك، والفلوس دي كنا هنعمل بيها مشروع لينا إحنا الاتنين ونمشي من هنا.. —قالها وعينيه مدمعة، بس دموع تماسيح، دموع خوف على الفلوس والملايين اللي هتترافع منه، مش خوف عليا.
بصيت له من فوق لتحت وقلت له بكلمات واضحة وزي السكاكين:
— بيتنا؟ البيت ده عمره ما كان بيتي.. ده كان سجن، وإنت كنت السجان بتاعي يا أحمد. طلقني.. طلقني بالذوق بدل ما أخلعك وأفضحك في المحاكم وأشيلك هدومك في وسط منطقتك.
ندى زعقت:
— تخلعي مين يا بتاعة إنتِ؟ إنتِ صدقتي نفسك ولا إيه؟ غوري في داهية.. والبيت ده مش هتعرفي تعتبي عتبته تاني!
المحامي رفعت ابتسم وقال:
— هي فعلاً مش هتعتب عتبته تاني، لأن البيت ده نفسه وكل العقارات اللي باسم الأستاذ أحمد معمل عليها حجز تحفظي من الصبح بناءً على أمر المحكمة. يعني من الآخر كده.. إنتوا اللي احتمال تتردوا بره البيت ده في أي لحظة. يلا بينا يا هبة.
خرجت من الشقة.. مشيت في السلم اللي ياما مسحته وهديت حيلي فيه. كنت حاسة إن الهوا بره الشقة دي مختلف.. أنقى.. بس قلبي كان بيدق بسرعة رهيبة. نزلت ورا الأستاذ رفعت لحد ما طلعنا على الشارع الرئيسي اللي بره الحارة.
وهناك.. كانت واقفة عربية سودا كبيرة، فخمة جداً، شكلها غريب على المنطقة الشعبية دي. الأستاذ رفعت قرب من الباب اللي ورا وفتحه.
بصيت جوه العربية.. وشفتها.
ست في أواخر الخمسينات، ملامحها هادية وفيها طيبة، بس وشها عليه علامات تعب وسنين من الفراق. كانت لابسة نظارة شمس، وأول ما شافتني، قلعت النظارة بإيد بتترعش.. عينيا كانت شبه عينيها بالظبط. نفس الرسمة، ونفس الحزن اللي ساكن جوه النن.
دموعها نزلت في ثانية، ومدت إيديها ليا وقالت بصوت مخنوق مليان شوق السنين:
— هبة.. بنتي.. يا حبيبتي.. أخيرًا يا هبة!
أنا وقفت في مكاني، جسمي كله بيترعش، الكيس البلاستيك وقع من إيدي على الأرض. السنين كلها مرت قدام عيني.. ست سنين من العذاب والإهانة.. وقبلهم سنين من اليتم المصطنع. كنت عايزة أجري في حِضنها، بس فيه حيطة خوف وجدار من الصدمة كان واقف بيني وبينها.
قعدت على ركبي في الأرض وبدأت أعيط بحرقة.. عياط سنين مكبوته. أمي نزلت من العربية بسرعة وجت قعدت في الأرض معايا، خدتني في حِضنها وكلبشت فيا كأنها خايفة أختفي تاني. ريحتها كانت غريبة عليا بس دافية.. دافية لدرجة خلتني أغمض عيني وأستسلم لحضنها.
— سامحيني يا بنتي.. ظلموني وظلموكي وحرموني منك.. بس والله ما هسيبهم.. هاخد حقك وحقي من عيونهم —كانت بتهتف في ودني وهي بتبوس راسي وتعيط.
في اللحظة دي، لمحت من بعيد أحمد وأخته ندى واقفين على أول الحارة، بيبصوا علينا بملامح كلها غل وخوف وترقب. أحمد كان ماسك تليفونه وبيكلم حد بسرعة وعينيه مش مفارقة العربية.
فهمت وقتها إن الموضوع مش هيخلص بسهولة.. وإن الناس دول مش هيسيبوا الملايين تضيع من إيديهم ببساطة كده. الحرب يلا بدأت.. وأنا لسه مش عارفة أصل الحكاية إيه، ولا إيه اللي خلا أمي تسيبني زمان وتختفي.. وإيه السر التاني اللي مخبياه حماتي في عقد الكفالة القديم ده؟
*تابع في الفصل القادم…*

