إختفـاء أختـي في يـوم العـزومة ج 2 حكـايات منـي الـسـيد

## الجزء الرابع: طريق بنها الزراعى والعيون السودا
العربية السودا كانت ماشية ورايا أنا وشريف زي الخيال. شريف كان سايق وعينيه كل دقيقة تقلب على المراية الصالون، وإيديه على الدريكسيون كانت عرقانة لدرجة إنها بتزحلق. احنا كنا لسه مطلعناش على الدائري، والشوارع بتاعة كوبري القبة والوايلي كانت شبة فاضية، مفيش غير عربيات النقل الكبيرة اللي بتهز الأرض وهي معدية جنبنا.
— شريف.. العربية دي لسه ورايا — قولتله وأنا بلف راسي براحة وببص من الازاز الوراني — دي من ساعة ما نزلنا من باب العمارة وهي كبسة ورا ديلنا.. مغيرتش حارتها ولا سبقتنا حتى لما الطريق فضي!
شريف داس بنزين سنة، وصوته طلع مخنوق ومكتوم:
— شايفها يا نادين.. شايفها وعارفها. دي مش عربية ممرضة.. الممرضة قالت إنها سايقة على الطريق ورايحة المنصورة ومعاها بسنت. العربية دي فيها حد تاني.. حد كان واقف مستنينا تحت البيت.
— حد مين؟ — سألته وروحي بتنسحب — شريف.. أنت مخبي عليا حاجة تانية؟ الست الممرضة دي، بسنت جابتها منين؟ وأنت عرفت منين إنها قلبت عليها؟
شريف أخد نفس طويل، وفضل باصص قدامه كأنه بيطرد فكرة سودا من دماغه:
— بسنت مكنتش بتتحرك من دماغها يا نادين.. أختك عقلها كان تعبان، بس مكنتش تعرف تزوّر كارنيه مستشفى ولا تجيب بالطو دكاترة، ولا تعرف تأجر شقة في المنصورة بالسرعة دي ومن غير ما حد يحس بيها. فيه شبكة.. فيه ناس شغلانتهم كدا. بيشوفوا الحريم اللي مش عارفين يخلفوا ومستعدين يدفعوا دم قلبهم، ويشوفوا البنات الغلبانة اللي زي هناء ويظبطوا الليلة. بسنت شكلها اتعاملت مع الوسيط.. والممرضة دي مجرد إيد بتنفذ. والظاهر كدا، إن اللي ورايا في العربية السودا دول هما الكبار بتوع اللعبة!
الرعب خلاني مش قادرة أبلع ريقي. الجري..مة وسعت لدرجة إننا بقينا وسط عصابة تجارة بشر حقيقية! يعني أختي مكنتش مجرد مريضة تاهت، دي رمت نفسها في جحر تعابين.
طلعنا على منزل الدائري ومنه على طريق بنها الزراعي. الطريق ده بالليل بيبقى كحل.. الشجر على الجانبين عامل زي خيالات سودا مرعبة، والإضاءة ضعيفة، وكل شوية تلاقي مقطورة معدية جنبك بتعمل هوا يرج العربية رج. شريف كان بيمشي على سرعة ١٢٠، والعربية السودا وراه.. مثبتة المسافة، لا بتقرب تكسر علينا ولا بتبعد تسيبنا.
— شريف.. تليفونك بيرن — قولتله وأنا بشاور على الموبايل اللي كان محطوط في النص وبيتهز.
بصينا على الشاشة.. كان نفس الرقم المجهول بتاع الممرضة. شريف فتح السبيكر بسرعة وحط التليفون بيننا:
— ألو! إحنا على الطريق الزراعي اهو.. ومعايا الفلوس!
صوت الممرضة جيه ومعاه صوت لغوشة هوا جامد، كأنها منزلة إزاز العربية وهي سايقة:
— حلو يا سي شريف.. بس شكلكم كدا مسمعتوش الكلام. أنا مش قولتلك بلاش حركات ذكاء؟ مش قولتلك بلاش شرطة وبلاش لمة؟
— شرطة إيه ولمة إيه؟ — شريف زعق وهو بيخبط الدريكسيون — أنا معايا نادين أختها بس! ومفيش مخلوق يعرف!
— أمال مين اللي ماشي وراك بالعربية الجيب السودا دي من أول ما طلعت من مدينة نصر يا روح أمك؟ — الممرضة صوتها قلب وبقى حاد ويخوف — تفتكرني مغفلة؟ أنا معايا ناس على الطريق ومراقبينك خطوة بخطوة! لو العربية دي مجمعتش ومشت بعيد عنك، أنا هرمي العيل من الشباك وأنا على السرعة دي، وهخلص من أختك في أقرب ملاحات!
— وربنا ما نعرفهم! — أنا صرخت في التليفون بدموع وانهيار — وحياة أغلى حاجة عندك يا شيخة اسميعنا! العربية دي واقفلنا تحت البيت من قبل ما ننزل! دول هما اللي ماشيين ورايا وعايزين يجروا شكلنا! احنا ملناش ذنب!
الست على الخط سكتت ثواني.. صوت النفس بتاعها كان عالي، وبعدين قالت بنبرة فيها شك وخوف هي كمان:
— هما كدا عرفوا.. ولاد الكلب عرفوا إن بسنت قفلت الليلة معايا أنا وهربت بالواد من غير ما تديهم نصيبهم. اسمع يا شريف.. الكبار بتوع الشغلانة شموا خبر. هما مش عايزينك أنت.. هما عايزين الفلوس وعايزين الواد عشان يبيعوه لزبون تاني بضعف الرقم اللي بسنت دفعته!
شريف عرق وبدأ يفرمل سنة من الخوف:
— طب والعمل؟ هنعمل إيه؟
— دير عربيتك واطلع على طريق طنطا.. اتهرب منهم في الزحمة والتفرعات بتاعة المراكز.. لو فضلوا وراك لحد مدخل المنصورة، احنا كلنا هنروح في داهية. اخلص!
الخط قفل تاني.
شريف بصلي وعينيه كانت زي الفنجان:
— نادين.. امسكي نفسك. أنا هكسر بالدريكسيون حالا وندخل في أول تفرعة زراعية تقابلنا.. لازم نتدارى عن عيون العربية دي.
وقبل ما شريف يلحق يلف العربية عند ملف جاي، العربية السودا ورايا خدت غرزة سريعة وبقت جنبنا بالظبط! الإزاز بتاعهم نزل براحة، وشفت اتنين قاعدين قدام.. أشكالهم متسرّحة، لابس قمصان سودا وشكلهم أصحاب سوابق. اللي قاعد جنب السواق طلع إيده من الشباك.. وكان ماسك في إيده مسد..س ميري أسود وضربه في الهوا!
صوت الطلقة عمل بوم في وداني لدرجة إني صرخت وحطيت إيدي فوق راسي وانكمشت تحت التابلوه:
— يالاهوي يا شريف! هيموتونا! هيموتونا يا شريف!
— اجهزي يا نادين! اجهزي! — شريف زعق بأعلى صوته وداس بنزين لأخر دواسة. العربية صرخت وطلعت القدام بسرعة جنونية. العربية السودا كبست ورايا وبقت بتخبط في إكصدام عربيتنا من ورا عشان تقلبنا على الطريق.
شريف كان سايق كأنه في سباق موت.. يمين في شمال وسط العربيات النقل، الهوا كان بيصفر، وأنا كنت بموت من الرعب وبقرأ التشهد. فجأة، شريف لمح دخلة ترابية ضيقة وسط غيط قصب، كسر الدريكسيون جامد.. العربية لفت بينا لفة كاملة ودخلت وسط القصب، والنور بتاعها كان مطفي. العربية السودا من سرعتها ملمحتش الدخلة، وعدت بسرعة الصاروخ على الطريق السريع مكملة لقدام.
العربية وقفت وسط القصب. السكوت رجع تاني.. بس كان سكوت يرعب. مفيش غير صوت أنفاسنا العالية وصوت ورق القصب وهو بيخبط في جسم العربية مع الهوا.
شريف ساند راسه على الدريكسيون وبيترعش كله:
— ضعنا.. احنا ضعنا يا نادين. الناس دي مش ه تسيبنا.. والست الممرضة لو حست إننا اتأخرنا هتقتل بسنت.
أنا قعدت أعيط وصوتي مكنش طالع:
— كله بسبب أختك.. كله بسبب الكدبة السودا دي. العزومة اللي كانت أمي عاملاها عشان تفرح بيها.. انقلبت بدم ومسد..سات وعصابات. احنا لازم نكلم الشرطة يا شريف.. وربنا ما حد هيحمينا من الناس دي غير الحكومة. سجن بسنت أهون من موتها وموتنا كلنا!
شريف مبصليش.. فتح درج العربية وأخرج الـ ٤٠ ألف جنيه وحطهم في جيبه، وبصلي ونظرته كانت غريبة.. نظرة واحد مابقاش باقي على حاجة:
— مفيش شرطة يا نادين.. أنا هكمل للمنصورة لواحدي لو أنتِ خايفة. انزلي هنا واستني أي عربية ترجعك مصر الجديدة.. بس أنا مش هسيب مراتي تموت في غيط ولا تترمي في مصرف.
بصيت له ودموعي نازلة.. مكنش ينفع أسيبه لوحده.. دي أختي أنا كمان، لحمي ودمي مهما عملت.
— مش هسيبك يا شريف.. دور العربية واطلع من طريق تاني.. الفجر قرب يِشَقشَق والوقت بيجري ضدنا.
شريف دور العربية براحة، وخرج من وسط غيط القصب، وبدأ يمشي في المدقات الترابية الجوانية اللي بين القرى.. مكنش بيمشي على الطريق السريع عشان العربية السودا متلمحناش تاني. الطرق دي كانت مكسرة وضلمة وبتاخد وقت ضعف.. بس كانت أمان.
الساعة كانت داخلة على ٤ الصبح لما بدأت مآذن الجوامع في القرى تأذن لصلاة الفجر. النور الأبيض الخفيف بدأ يظهر في السماء من بعيد ويزيح السواد. التليفون بتاعي رن تاني.. المرة دي مكنش رقم الممرضة.
المرة دي.. كان رقم “بسنت” نفسه!
فتحت الخط بلهفة وصدمة:
— بسنت؟! بسنت أنتِ سامعاني؟ أنتِ فين يا حبيبتي؟
صوت بسنت جيه من الناحية التانية.. بس مكنش صوتها الطبيعي. كان صوت واحدة بتنهج، وبتعيط بانهيار ورعب، وصوت دقات قلبها كأنها طالعة من السماعة:
— نادين.. الحقيني يا نادين.. أنا في الشقة بتاعة المنصورة.. الممرضة ربطتني وأخدت الشنطة والفلوس والعيل وسابتني.. والباب مقفول عليا.. وأنا سامعة صوت ناس تحت البيت بيكسروا القفل الأرضي.. الحقيني يا نادين.. دول جايين يموتوني وياخدوا الواد.. الحقيني!
الخط قطع.. وصوت صرخة عالية من بسنت كانت آخر حاجة سمعتها قبل ما الشبكة تقع تماماً.
شريف أول ما سمع الصرخة، داس بنزين بكل قوته، والعربية طارت على الأسفلت وهي بـ تسابق أول خيوط النهار.. وإحنا عارفين إننا لو وصلنا متأخرين دقيقة واحدة.. مش هنلاقي حد نلحقه.
**[يتبع في الجزء الخامس…]**
