إختفـاء أختـي في يـوم العـزومة ج 2 حكـايات منـي الـسـيد

## الجزء الثالث: خيوط اللعبة الضايعة
صرخة البنت وهي واقعة على ركبها في الصالة الضلمة نزلت علينا زي السكين. شريف نزل السكي..نة من إيده وهو مبرق، وجسمه كله تيبّس مكانه. أنا جريت عليها ونزلت على ركبي، مسكت كتافها اللي كانوا بيترعشوا زي ورقة شجر في مهب الريح. العباية الواسعة اللي كانت لابساها—واللي أنا عارفاها كويس لأنها عباية بسنت البيتي—كانت متبهدلة ومبقعة بقع غامقة، ووش البنت كان خالي تماماً من أي نقطة دم، شفايفها زرقا وناشفة ومتشققة.
— اهدي.. اهدي يا حبيبتي، أنتِ مين؟ وبسنت فين؟ وابنك فين؟ — سألتها وأنا بنهج، وصوتي كان بيترعش من كتر الخوف واللخبطة.
البنت كانت بتتنفس بصعوبة، حاطة إيدها الاتنين على بطنها وبتصرخ صريخ مكتوم كأن الوجع بيمزق أحشاءها من جوة. عينيها الزايغة بصلتلي وبصلت لشريف اللي كان واقف زي الصنم فوق راسنا، وقالت بصوت مكسور وطالع بالعافية:
— أنا هناء.. أنا هناء اللي الست بسنت الله يسامحها أخدتني من قدام المستشفى.. قالتلي هتعطف عليا وتأكلني وتقعدني عندها لحد ما أولد.. وجابتلي الست الممرضة هنا الصبح.. ولدتني وأول ما الواد نزل وعيط.. أخدته.. أخدته وربطتني في البلكونة وقفلت عليا الشيش.. وجمعت حاجتها وهربت!
شريف حط إيده على بوقه وطلع منه صوت زي الأنين:
— ولدت هنا؟ الصبح؟ يعني بسنت عملت كل ده وأنا في الشغل؟
مسكت هناء من تحت باطها وحاولت أوقفها:
— شريف! سيبك من الصدمة دلوقتي وهات إيدك معايا! البنت بتموت في إيدينا، لازم ننقلها الصالة على الكنبة ونشوف جرحها ده! البنت لسه والدة الصبح وحالتها تضيع!
شريف فاق من توهانه وجيه شالها معايا، ونقلناها براحة لحد الكنبة الكبيرة اللي في الصالة. البنت كانت خفيفة زي الريشة، كأنها مكنتش بتاكل بقالها شهور. أول ما نامت على الكنبة، جريت على المطبخ جبت كوباية مية بمعلقة سكر وحاولت أشربها براحة. كانت بتشرب وهي بتشرق، ودموعها نازلة على كفوف إيدّيا.
— فهمينا يا هناء.. — قولت وحاولت أخلي صوتي حنين عشان متتخرعش مننا — إيه اللي حصل بالظبط؟ والست اللي كانت معاها دي مين؟
هناء بلعت ريقها وبدأت تتكلم وهي بتشهق:
— أنا ماليش حد يا أبلة.. أهلي طردوني من البلد لما عرفوا بموضوع الحمل.. وجيت القاهرة تيهة مش عارفة أروح فين. الست بسنت لقتني قاعدة بعيط قدام مستشفى المعادي.. تقربت مني وبقت تجيبلي أكل وتديني فلوس، وتقولي “أنتِ زي بنتي، وأنا هقف جنبك”. من أسبوعين جابتني هنا الشقة دي.. قالتلي “جوزي مسافر برة مصر ومبيجيش غير كل فين وفين، اقعدي في الأوضة الجوانية دي ومتطلعيش منها واقفيلي الباب عليكي عشان البواب مياخدش باله”.
شريف بصلي ونظراته كانت كلها خزي.. أختي كانت مأمنة نفسها ومفهماها إن جوزها مسافر، عشان كدا هناء مكنتش تعرف شريف ولا عمرها شافته.
هناء كملت وعينيها مليانة رعب:
— الصبح.. جالي الوجع.. وجع شديد مكنتش قادرة أستحمله. الست بسنت كلمت حد في التليفون، وبعد ساعة جت ست لابسة لبس ممرضين ومعاها شنطة كبيرة مليانة محاليل وحاجات. ولدوني هنا على السرير جوة.. وأنا بموت من الألم، مكنتش قادرة أفتح عيني. أول ما الواد نزل.. سمعت صوته بيعيط.. قولتيلها “هاتيه في حضني يا ست بسنت وحياة عيالك”.. لقيتها صرخت فيا وقالتلي “اسكتي خالص! ده ابني أنا! ده اللي أنا صابرة وعايشة بقالي شهور بسببه!”.
البنت بدأت تبكي بحرقة وتخبط على صدرها:
— الست الممرضة ادتني حقنة في دراعي.. حسيت إن جسمي كله ساب ومبقتش قادرة أتحرك ولا أصرخ. شفت بسنت وهي بتلف الواد في بطانية كحلي، وأخدت شنطة هدوم كبيرة كانت مجهزاها، والممرضة ساعدتها تشيل الحاجة.. وقبل ما ينزلوا، بسنت جرتني من دراعي وأنا دايخة ورمتني في البلكونة وقفلوا الشيش من برة بسلك جامد عشان مطلعش ومسمعش حد صوتي.. وقالتلي “لو نطقتي بحرف هبلغ عنك وأقول إنك رامية ابنك ومتبلية عليا”.. وسابوني ومشوا. أنا فضلت أحاول أفك السلك بظوافري لحد ما ضوافري اتخلعت وسالت دم.. ولما شفتكم داخلين الشقة وبتقلبوا الحاجة، استخبيت ورا الستارة كنت فاكراها رجعت تاني عشان تموتني!
أنا وشريف كنا بنسمع الكلام وجسمنا كله بيمور. الجري..مة مكنتش مجرد فكرة على تابلت.. الجري..مة اتنفذت بأبشع طريقة ممكنة. أختي تحولت لـ وحش كاسر عشان حلم الأمومة اللي عمى عينيها وعقلها.
— البطانية الكحلي.. — شريف قالها وهو باصص لبعيد وفاتح بوقه — دي البطانية اللي اشترتها معايا الأسبوع اللي فات.. كانت بتقولي دي عشان نلف فيها ابننا وإحنا راجعين من المستشفى.
— شريف! — زعقت فيه — فوق بقى! احنا دلوقتي قدام مصيبة سودا! البنت دي متبنجة ومخطوف ابنها ووالدة في حتة مش معقمة وممكن يجيلها حمى نفاس وتموت في صالتنا! احنا لازم نطلب لها الإسعاف حالا!
— إسعاف إيه يا نادين؟! — شريف مسكني من كتفي وزعق هو كمان وصوته كان مرعوب — أنتِ مش سامعة البنت بتقول إيه؟ بتقول إن بسنت أخدت الواد وهربت! لو الإسعاف جيه، هيبلغوا الشرطة.. والشرطة هتيجي تلاقي شاش بدم ومقص وبنت قاصر ملهاش أهالي ووالدة في شقتي! أنا اللي هلبس القض..ية دي! هيقولوا شريف وبسنت خاطفين بنت ومولدينها في البيت عشان يسرقوا ابنها! أنا هروح في داهية قبل أختك!
— طب والعمل؟ هنسيب البنت تموت عشان تحمي نفسك وتحمي بسنت المجرمة؟ — قولتله وأنا بزقه بعيد عني — أنا أختي غلطت ولازم تتحاسب! اللي عملته ده ميرضيش ربنا! دي سرقت ضنا بني آدمة غلبانة!
هناء وسط صياحنا كانت بتئن وبتفقد الوعي بالتدريج. وشها بدأ يقلب على بياض غريب، وإيدها سابت من على بطنها.
شريف بص للبنت وبصلي، وأخد نفس طويل كأنه بيقرر حاجة مصيرية:
— نادين.. أنا مش هسيب البنت تموت، ومش هسلم أختك للشرطة من غير ما أفهم هي فين والواد فين. أنا ليا واحد صاحبي دكتور، لسه مخلص نيابة في مستشفى حكومي، وفاتح عيادة تحت السلم في الزاوية الحمراء.. راجل جدع ومضمون وبيكتم السر. أنا هكلمه يجي هنا حالا يشوفها ويديها المحاليل والأدوية اللي تخليها تقف على رجليها وتعدي مرحلة الخطر.. ومن غير ما يبلغ حد. وفي الوقت ده، احنا لازم نوصل لبسنت قبل ما تختفي تماماً.
— ونوصل لبسنت ازاي يا ذكي؟ — سألته وأنا بمسح دموعي بطرف كمه — تليفونها مقفول، والصورة اللي جتلي من رقم مجهول مفيهاش أي علامة غير إنها في بنزينة على الصحراوي!
— الرقم المجهول! — شريف قالها وعينيه لمعت — الرقم اللي بعتلك الصورة.. جربي اتصلي بيه تاني كدا!
مسكت تليفوني بسرعة. صوابعي كانت بتهتز وأنا بفتح الرسائل. الرقم كان رقم خط كارت عادي ملوش اسم. دوست اتصال.. وحطيت التليفون على ودني. شريف قرب راسه مني عشان يسمع معايا.
الخط كان بيدي جرس.. جرس طويل.. وتاني.. وتالت..
وقبل ما يقلب بريد صوتي، الخط انفتح!
صوت نفس عالي ومكتوم كان طالع من السماعة. مفيش حد بيتكلم، بس صوت الهوا وحركة رجلين كأن حد ماشي في مكان مفتوح.
— ألو؟ — قولت بصوت مهزوز — ألو.. مين معايا؟ بسنت؟ بسنت أنتِ فين؟ رد عليا وحياة أغلى حاجة عندك!
صوت ضحكة خفيفة ومستهزأة طلعت من الطرف التاني.. مكنش صوت بسنت خالص. كان صوت ست تانية، صوتها خشن وناشف:
— بسنت نايمة في الكرسي اللي ورا يا شاطرة.. ومعاها الأمانة.
— أنتِ مين؟ — شريف زعق وهو بيخطف التليفون من إيدي ويصرخ في السماعة — أنتِ الممرضة اللي كانت معاها؟ عملتي إيه في مراتي؟ وأخدتيها ورايحة فين؟
— جرى إيه يا سي شريف؟ — الست ردت ببرود يفرس — صوتك عالي ليه؟ احنا مش متفقين على كدا! أخت مرتك هي اللي بوظت الخطة وفتحت الدولاب والتابلت.. احنا كنا مرتبين كل حاجة، والست بسنت دفعتلي الشهد عشان أخلص لها الليلة دي وأولد البنت وأسلمها الواد ونطلع على المنصورة سوا.. بس بما إن أختها عرفت وجريت وراكم على البنزينة، يبقى اللعب بقا على المكشوف.
شريف وشه جاب ألوان:
— أنتِ عايزة إيه؟ وعايزة مننا إيه؟
— مش عايزة منكم.. أنا عايزة من بسنت. بسنت معاها باقي الفلوس كاش في الشنطة.. بس أنا طمعت في حتة زيادة عشان المخاطرة اللي حصلت دي. أنا دلوقتي سايقة على الطريق.. ورايحة على العنوان اللي في المنصورة. لو عايزين أختكم ترجع لكم حية من غير ما أرميها في الملاحات هي والواد.. تجيبوا لي ٢٠٠ ألف جنيه حالا وتيجوا على هناك. لو شفت سرينة شرطة واحدة.. الواد ده هينزل في المصرف، وأختكم هتلحق البنت هناء اللي سيبناها بتموت في الشقة.
— ٢٠٠ ألف جنيه؟ — شريف صرخ — هجيبهم منين في نص الليل والبنادق قافلة؟
— اتصرف يا سي شريف.. قدامكم لحد الفجر.. لو الشمس طلعت ومكنتوش عند الشقة اللي في المنصورة ومعاكم الفلوس.. اقرأ الفاتحة على أخت مرتك وعلى العيل.
الخط قفل.
التليفون سقط من إيد شريف على الأرض. الشقة رجعت ضلمة وسكتت تاني، مفيش غير صوت أنين هناء اللي بدأ يعلى من الوجع.
أنا قعدت على الأرض وبقيت ألطم على رجلي:
— المنصورة.. الشقة اللي في المنصورة.. الممرضة دي قلبت على بسنت وأخدتها رهينة هي والواد عشان تبتزنا وتآخد فلوس أكتر! أختك وثقت في مجرمة وسردبت نفسها في سكة مفيهاش رجوع!
شريف وقف، وبدأ يروح ويجي في الصالة زي المجنون، يضرب راسه في الحيطة ويقول:
— ٢٠٠ ألف جنيه.. ٢٠٠ ألف جنيه.. أنا معايا في البيت هنا حوالي ٤٠ ألف جنيه كنت شيلهم لزوم مصاريف المستشفى والولادة الكدابة.. ومنين هجيب الباقي؟ نادين.. معاكي دهب؟ والدتك معاها فلوس في البيت؟ اخلصي انطقي! حياة أختك في الرقبة دلوقتي!
— أنت واعي بتقول إيه؟ — وقفت ووشي في وش بوقه — هسرق دهب أمي وفلوسها عشان أديهم لمجرمة خاطفة عيل؟ احنا لازم نبلغ الشرطة يا شريف! الشرطة هتعرف تجيب مكانهم من تتبع الرقم!
— قولتلك لأ! — شريف مسكني من دراعي بقوة لدرجة إني اتألمت — الشرطة لو جابتهم.. بسنت هتدخل السجن بتهمة خطف قاصر وتسهيل جناية وإتجار بالبشر! أختك هتضيع! أنا هكلم صاحبي الدكتور يجي يلحق هناء.. وأنا وأنتِ هناخد الـ ٤٠ ألف ونلم أي حاجة تانية ونطلع على المنصورة.. مفيش وقت!
في اللحظة دي.. تليفون شريف هو اللي رن.
بصينا على الشاشة.. كان اسم “أمي”.
أمي بتتصل من شقة مصر الجديدة.. العزومة زمانها انفضت، وقرايبنا مشوا، وأمي قاعدة لوحدها مستنية أي خبر عن بنتها اللي اختفت ومظهرتش في عزومتها.
شريف بص للتليفون وبصلي وهو ميت من الرعب:
— هرد أقولها إيه؟ هقولها بنتك الكبيرة طلعت مش حامل وخاطفة عيل ومخطوفة في المنصورة؟
أخدت التليفون من إيده وفتحت الخط وأنا بحاول أظبط صوتي وأبان طبيعية على قد ما أقدر:
— ألو.. إيوا يا ماما.. لا يا حبيبتي متقلقيش.. احنا وصلنا لبسنت.. أه.. أصلها تعبت شوية وشريف أخدها على مستشفى هنا في مدينة نصر والدكتور قال لازم تفضل تحت الملاحظة للصبح.. أه يا حبيبتي شريف معاها وأنا معاها.. خليكي أنتِ في البيت وارتاحي واحنا أول ما النهار يطلع هنطمنك.. مع السلامة يا أمي.
قفلت الخط ودموعي نازلة زي الشلال. حسيت إني بقيت شريكة في الكدبة، شريكة في الجري..مة اللي بتكبر كل دقيقة زي كرة التلج.
بعد نص ساعة.. باب الشقة خبط خبطات واطية وسريعة. شريف جري فتح، ودخل صاحبه الدكتور ومعاه الشنطة الطبية بتاعته. أول ما شاف المنظر وشاف هناء مغمى عليها على الكنبة والدم، وشه اتغير:
— إيه ده يا شريف؟ أنت قايل لي حالة إجهاض في البيت! دي آثار ولادة كاملة! والبنت دي صغيرة جداً! إيه اللي بيحصل هنا؟
شريف مسكه من إيده ودخله الأوضة:
— وحياة خوتنا يا مصطفى.. أرجوك اعمل اللي عليك ومتسألش في حاجة دلوقتي، البنت بتموت بين إيدينا، علق لها المحاليل ونظف الجرح واديها أي مخدر يسكّن الألم لحد ما نرجع.. احنا في كارثة ولو متعاونتش معايا بيتي هيتخرب وأخت مراتي هتموت!
الدكتور مصطفى بص لشريف بنظرة عتاب طويلة، بس طيبة قلبه وشهامته غلبت، أخد الشنطة ودخل على طول وبدأ يتعامل مع هناء اللي كانت شبه غايبة عن الدنيا.
شريف لف ليا وقال وهو بيلم الفلوس اللي في الدولاب وبيحطها في حزام بطنه:
— يلا يا نادين.. مفيش وقت.. احنا هنطلع على طريق بنها الزراعي ومنه على المنصورة.. الساعتين الجايين دول هما اللي هيحددوا إذا كنا هنرجع بأختك والواد.. ولا الجنازة هتكون اتنين!
احنا ونازلين على السلم في الضلمة، حسيت ببرودة غريبة في ضهري. كأن فيه عيون بتراقبنا من الشارع. أول ما فتحنا باب العمارة وبصينا برا.. شفت عربية سودا راكنة على الصف التاني، أنوارها الكشافات كانت مطفية، بس أول ما لمحونا خارجين.. الموتور بتاعها دار براحة، وبدأت تتحرك ورانا من غير ما تعمل أي صوت.
ساعتها فهمت.. إن الممرضة مكنتش بتلعب لوحدها، وإن اللعبة دي فيها أطراف تانية احنا لسه حتى مسمعناش عنهم.
