مرات اخويا ج 4 حكايات روماني مكرم
فتح محمود الخط والذهول يعقد لسانه، وجاءه الصوت النسائي حاداً ومألوفاً، ليتبيّن سريعاً أنه صوت “الدكتورة منى”، الطبيبة الإخصائية التي كانت تتابع حالة سحر في البداية قُبيل إجرائها العملية الجراحية.
قالت الدكتورة منى بنبرة لوم شديدة وواضحة: “مساء الخير يا أستاذ محمود. أنا عرفت باللي حصل بينك وبين سحر وعرفت إنكم اتطلقتوا، وبصراحة ما كنتش حابة أتدخل في أموركم الشخصية، لكن ضميري المهني والإنساني ما سمحليش أسكت بعد ما شفت نتايج التحاليل والفحوصات الأخيرة بتاعة سحر اللي ظهرت النهاردة في المستشفى.”
سأل محمود بصوت متحشرج يحمل مزيجاً من اللهفة والخوف: “فحوصات إيه يا دكتورة؟ أنا عرفت إنها خفت وبقت كويسة والورم اختفى تماماً بعد العملية.”
تنهدت الدكتورة منى بقوة وقالت كلماتها التي نزلت على رأس محمود كالمطرقة: “سحر خفت فعلاً يا محمود، بس اللي أنت ما تعرفوش، ولا سحر نفسها كانت تعرفه، إن الورم اللي كان عندها كان من النوع النشط والمستجيب جداً للعلاج الهرموني والتحفظي. يعني الجراحة اللي أهلها دخلوها تعملها فجأة وبسرعة، كانت جراحة ‘استئصال جزئي وتجميلي’ للورم بس، مش استئصال كلي للثدي زي ما كنا فاكرين في الأول! الدكاترة جوة أوضة العمليات لما فتحوا، لقوا إن حجم الورم منكمش بفضل ربنا وثباتها، وقدروا ينقذوا حياتها ومن غير ما يشيلوا الصدر كله زي ما كنت أنت مرعوب ومتعقد!”
شحب وجه محمود تماماً، وسقطت الكلمات منه دون وعي: “يعني.. يعني سحر ما تشالش صدرها؟ يعني هي لسة زي ما هي؟”
ردت الطبيبة بنبرة احتقار لا تخلو من القسوة: “أيوا يا محمود.. سحر رجعت كاملة وصحتها بومب، وعمليتها نجحت بنسبة مية في المية ومن غير أي تشويه. أنا بكلمك بس عشان أقولك إنك خسرت ست بمليون راجل عشان أوهام ومظاهر كدابة في دماغك، وعشان تعرف إن المرض ده كان اختبار من ربنا ليك قبل ما يكون ليها.. وأنت سقطت في الاختبار بأبشع طريقة ممكنة.”
أغلقت الدكتورة منى الهاتف في وجهه، لتترك محمود في حالة من الجنون الفعلي. انهار على مقعده والدموع تحرق عينيه، يدق رأسه بيده ويصرخ صمتاً من شدة الندم. لقد خرب بيته، وطلق زوجته، وخسر احترام أهله وبلده بالكامل، من أجل جرح لم يحدث إلا في مخيلته المريضة، بينما خرجت سحر من المحنة منتصرة، بكامل صحتها وأنوثتها، لكنها خسرت شيئاً واحداً فقط.. خسرت رجلاً لم يكن يستحقها.
لم يستطع محمود تحمل البقاء في القرية، فقرر بعد أسبوعين أن يذهب إلى المدينة المقيمة بها سحر محاولاً التلصص من بعيد، لعل عينه تقع عليها ليرى كيف أصبحت. وقف محمود على ناصية الشارع القريب من منزل والدها، يختبئ وراء نظارته الشمسية وجسده يرتجف.
وفجأة، انفتح باب البناية، وخرجت سحر..
كانت ترتدي فستاناً أنيقاً ومحتشماً، ووجهها يشع نضارة وحيوية كأنها لم تذق طعم المرض يوماً، ولم تكن وحدها.. كان يسير بجوارها أحمد شقيقها، وشاب آخر طويل القامة، ملامحه طيبة ويحمل في يده باقة زهور كبيرة، وكان يلتفت نحو سحر ويبتسم لها باهتمام واحترام شديد، بينما كانت سحر تبادله الابتسامة براحة وثقة لم يرها محمود على وجهها طوال سنوات زواجهما.
