مرات اخويا ج 4 حكايات روماني مكرم
#الكاتب_رومانى_مكرم
كانت الزغاريد تقترب وتعلوا، والأنوار تملأ الشارع الأسفل من منزله. أطل محمود بجسده كله من الشرفة، وعيناه تملأهما الحيرة، حتى رأى سيارة مزينة بالورود تقف أمام بيت عائلة سحر القريب، وخرجت منها سحر بطرحتها البيضاء كالملك المتوج، وبجوارها الدكتور شريف يمسك يدها بحب وفخر أمام الجميع.
لكن الصدمة الحقيقية التي جعلت عقل محمود يطير، هي عندما رأى والده وأمه وأخاه يقفون في مقدمة المستقبِلين! نزل والده من السيارة وهو يستند على عصاه، وتقدم نحو الدكتور شريف وعانقه، ثم التفت إلى سحر وقبّل رأسها وهو يبكي ويقول بصوت مسموع أحرقت كلماته قلب محمود: “مبروك يا بنتي.. ربنا عوضك براجل صانك وعرف قيمتك، وعوضنا بإبنة بارة هنفضل نتشرف بيها طول عمرنا.”
أدرك محمود في تلك اللحظة النهاية الكاملة؛ عائلته تبرأت منه ومن أفعاله واختارت أن تقف مع الحق، بينما بات هو منبوذاً، وحيداً، وخارج كادر الحياة تماماً.
تراجع محمود إلى داخل شقته المظلمة الباردة، وأغلق باب الشرفة خلفه ليتوارى عن أنوار الفرح التي لم يعد له مكان فيها. جلس على الأرض ووضع رأسه بين ركبتيه، بينما كانت أصوات المزامير والزغاريد تخترق الجدران لتذكره في كل ثانية بذنب “سحر”.. تلك الإنسانة النظيفة التي ضحى بها من أجل مظهر زائل وأوهام مريضة، فجازاه الله بالبقاء وحيداً يأكله الندم والخراب، بينما نبتت في صدر سحر حياة جديدة، طاهرة، وخالية من الأورام.. ومن محمود.
انتهت قصة سحر ومحمود، وبقيت جدران الشقة الفارغة شاهدة على أن كسر الخواطر في المحن.. عقابه يدوم ليوم الدين.
#الكاتب_رومانى_مكرم
تتجلى في هذه القصة العديد من الحكم والمواعظ الإنسانية والاجتماعية البليغة، والتي تلخص عواقب الأنانية والسطحية في التعامل مع العلاقات الإنسانية، ومن أبرز هذه الحكم:
* **الصحة والروح أبقى من المظهر الزائل:** إن قيم الإنسان ومعدنه الحقيقي يظهران في جوهره وروحه، وليس في مظهره الخارجي الذي قد يتغير في أي لحظة بسبب المرض أو تقدم العمر. من يبني علاقاته على المظاهر الكاذبة، ينهار بنيانه عند أول اختبار حقيقي.
* **المواقف الصعبة تكشف منابت الرجال:** إن عقد الزواج هو “ميثاق غليظ” أساسه المودة والرحمة والدعم في السراء والضراء. التخلي عن شريك الحياة في لحظة مرضه وضعفه ليس مجرد قسوة، بل هو خيانة للأمانة التي عهد الله بها للزوج.
* **عاقبة الظلم والتعنت وخيمة:** الظلم عاقبته الندم، وكما تدين تدان. العناد والكبرياء الأعمى يدفعان صاحبهما لاتخاذ قرارات متهورة يخسر فيها نفسه وأقرب الناس إليه، ليتحول من موقف القوة المزعومة إلى موقف الضعف والندم الحارق.
* **الخيرة فيما اختاره الله ولعل بعد العسر يسراً:** قد تبدو بعض الابتلاءات (كالمرض والطلاق) صدمات مدمرة في بدايتها، لكنها في الحقيقة قد تكون بوابة لنجاة الإنسان وتطهير حياته من الأشخاص المؤذيين، وتعويضه بمن يقدره ويصونه.
