الكـنة المؤدبـة ج 1 حكـايات منـي الـسـيد حصريا

حماتي رفعت طبق السلطة وقالت:
ـ بس؟ تلات أطباق سلطة؟
ـ أيوة.
ـ لمين؟
وبعدين هزت دماغها:
ـ يا بنتي ده عيد ميلاد. لازم أكل يفرح الناس، مش شوية سلطات كأننا في مجلة رجيم.

سيد ضحك…والعيال خطفوا العيش من على السفرة.
أما عبير ففتحت درج الملاعق والشوك كأنها صاحبة البيت.

قلت بهدوء:
ـ عبير… لو سمحتي مش دلوقتي.

قاطعتني فورًا:
ـ مالك بس؟ إحنا بنساعدك.

وبعدين قالت بسخرية:
ـ ولا مستنية لجنة تحكيم تيجي تتذوق الشاي؟

حسيت وشي ولع…نفسي أختفي…نفسي أبقى مش موجودة.
بصيت على الساعة…كانت اتنين الضهر.
لسه فاضل ست ساعات على حجز المطعم.
ست ساعات كاملين.

حماتي سألت:
ـ وأحمد فين؟
ـ لسه في الشغل.
ـ طبعًا… سايب كل حاجة عليكي.

وبعدين قالت بابتسامة مصطنعة:
ـ بس انتي قوية وتستحملي.

ما رديتش…حطيت الكاتل على النار، ولاحظت إن إيدي بترتعش، وفجأة عبير بصت حواليها وقالت:
ـ بصراحة؟ البيت شكله كئيب أوي…حتى الجو مخنوق.
إنتي مش زعلانة ولا حاجة؟
وبصت لجوزها وضحكت…
ساعتها…حسيت إن آخر ذرة صبر جوايا اتكسرت.

رفعت عيني وبصيت لهم كلهم، وقلت بهدوء:
ـ تحبي أقولكوا ليه…؟

وفجأة…كل العيون اتوجهت ناحيتي ووو..!!!!
#حكايات_منـي_السيـد

رفعت عيني وبصيت لهم كلهم، وقلت بهدوء:
ـ تحبي أقولكوا ليه؟
ساد صمت مفاجئ في المطبخ، حتى العيال اللي كانوا بيجروا في الصالة سكتوا فجأة كأنهم حسوا بكهرباء في الجو. عبير اللي كانت بتمسك الكاسات بقرف، وقفت مكانها وبصتلي بطرف عينها، وحماتي أمينة سابت صينية الفطير اللي كانت بتظبطها على السفرة وربعت إيديها على صدرها.
سكت ثواني، حسيت إن دقات قلبي بتدق في وداني زي الطبول. لأول مرة في حياتي، لساني ما كانش خايف، وما كانش بيدور على كلام منمق عشان “ما ازعلش حد”.
ـ أصل يا ست عبير، البيت بيكون كئيب لما يكون فيه ضيوف مش مقدرين إنهم داخلين بيت حد تالت، ومن غير حتى ما يبعتوا رسالة يسألوا: “يا ترى وقتكم يسمح؟”. البيت بيبقى خانق لما أحس إني في امتحان، مش في بيتي اللي المفروض أكون فيه على راحتي.
حماتي كشرت ووشها احمر:
ـ إيه الكلام ده يا مني؟ إحنا عيلة، والبيت بيت ابننا وأي وقت نحب نيجي فيه ده حقنا، وبعدين إحنا جايين نفرحك!
بصيت لحماتي، وبكل هدوء رديت:
ـ يا طنط أمينة، العيلة دي رابطة مقدسة، بس الرابطة دي بتبوظ لما تتداس على الخصوصية. أنا النهاردة عيد ميلادي، ومن سنة لسنة بستنى اليوم ده عشان أفك فيه ضغوط شغلي وضغوط الحياة. كنت مرتبة يوم هادي، يوم يجدد طاقتي عشان أقدر أكمل، مش يوم أقضيه في المطبخ أغسل مواعين تانية، وأراعي أطفال بيخربوا كل حاجة، وأسمع تعليقات على أكلي وشكل بيتي.
سيد، جوز عبير، حاول يلطف الجو بضحكة صفرا:
ـ يا ستي اهدي، ده إحنا حتى جبنا الفطير معانا عشان نريحك من الطبيخ.
بصيت لسيد وابتسمت ابتسامة باردة:
ـ متشكرة يا سيد، بس الفطير ده مكانه الفرن، ومكانه العزومة اللي بتيجي في وقتها، مش في وقت بفرض فيه وجودي. انتوا دخلتوا النهاردة، زي ما بتدخلوا كل مرة، كأنكم داخلين “مستباح”، مش بيت لزوجين ليهم حياتهم. أنا بقالي سنين ساكتة، ومستحملة، و”الكنة المؤدبة” اللي ما بتقولش لأ، بس النهاردة.. النهاردة بالذات، أنا محتاجة لنفسي، ومحتاجة أحس إن ليا حق في بيتي.
عبير مقاطعة بصوت عالي ونبرة كلها استهزاء:
ـ يعني كل ده عشان “عيد ميلاد”؟ ما إحنا كلنا بنحتفل بأعياد ميلادنا وسط العيلة واللمة، إنتي عايزة تعملي إيه بالظبط؟ تقعدي لوحدك مع شوية سلطة؟ ده جنان ده!
اتحركت خطوة ناحيتهم، وحسيت بقوة غريبة جوايا، قوة الشخص اللي ما بقاش يهمه رأي الناس فيه.
ـ أيوه، عايزة أقعد لوحدي. وعايزة آكل اللي أنا عايزاه، وألبس اللي أنا عايزاه، وأفتح بيتي وقت ما أحب وأقفله وقت ما أحب. أنا مش “لجنة تحكيم” بتستنى رضاكم، أنا ست بيت وليها كيان. يا جماعة، أنا بحبكم، بس مش لدرجة إني ألغي وجودي عشان ترتاحوا انتم.
حماتي أمينة قامت وقفت، ونبرتها بقت حادة وواضحة:
ـ يعني إحنا دلوقت يا مني بقينا تقال عليكي؟ يعني بعد كل اللي عملناه عشان نجبر بخاطرك ونشاركك فرحتك، ده يكون ردك؟
رديت بسرعة:
ـ لا يا طنط، الرد مش جحود، الرد “حدود”. الفرحة اللي بتمسح كرامتي أو تضايقني في بيتي، أنا مش عايزاها.
بصيت على الصالة، العيال كانوا واقفين مبرقين، وسارة ونور -صاحباتي- كانوا هيدخلوا الشقة في أي لحظة، وكنت عارفة إنهم لو دخلوا ولقوا الدوشة دي، هيحسوا بالإحراج، وأنا مش عايزة ده يحصل.
عبير بصتلي نظرة كلها كره، وقالت:
ـ تمام.. مبروك عليكي “عيد ميلادك” الهادي. قومي يا أمي، إحنا الظاهر ما كانش لينا مكان هنا من الأول.
قامت حماتي وخدت شنطتها، وعبير شالت الفطير من على السفرة بقوة، وكأنها بتقول لي “دي حاجتي وما حدش لمسها”. سيد وكريم قاموا وراهم، وكلهم مشيوا من المطبخ للصالة وهم بيتمتموا بكلمات مش مفهومة، بس نبرتها كانت واضحة إنها “عتاب وتلقيح كلام”.
لما الباب اتقفل وراهم، وقفت في نص المطبخ. البيت رجع هادي، هدوء غريب ومريب. بصيت على السفرة اللي كانوا مكركبينها، وبصيت على “شريحة الليمون” اللي لسه واقعة على الأرض.
تنفسة بعمق… لأول مرة من سنين. بس الهياج اللي حصل في قلبي ما كانش هادي. كان لسه فيه رنة كلامهم في وداني، وخوفي من رد فعل أحمد لما يعرف اللي حصل. بس في نفس اللحظة، كنت حاسة بنصر صغير.. نصر إني أخيراً، قولت “لا”.
دخلت أوضة النوم، غيرت هدومي اللي كانت اتبهدلت من الوقفة في المطبخ، ووقفت قدام المرايا. بصيت لنفسي، لقيت وشي شاحب بس عيوني فيها لمعة تحدي.
سمعت صوت تليفوني بيرن… كانت سارة.
ـ مني؟ إحنا تحت العمارة.. نطلع؟
ترددت لحظة… هل اليوم لسه ممكن يتصلح؟ ولا اللي حصل ده فتح باب لشرخ كبير في علاقتي بيهم؟
رديت:
ـ أيوة يا سارة… اطلعوا. أنا محتاجة أضحك بجد النهاردة.
قفلت السكة، وفجأة تليفوني رن تاني… كان “أحمد”.
قلبي دق جامد… تفتكروا عرف؟ ولا صدفة إنه بيتصل دلوقتي؟
رديت بصوت حاولت أخليه طبيعي:
ـ ألو يا أحمد؟
صوته كان هادي ومستغرب:
ـ مني؟ أمي لسه مكلماني وبتقول إنك… إنك طردتيهم؟ إيه اللي حصل؟
اتنهدت… وبدأت أحكي له، مش دفاعاً عن نفسي، بس عشان يعرف إن “الكنة المؤدبة” ماتت، وطلعت منها ست جديدة، ست مش هتسكت تاني على حقها… حتى لو كان التمن زعل العيلة كلها.
ـ اسمع يا أحمد، أنا مش هحكي لك حكايات عشان أطلع نفسي مظلومة، أنا هحكي لك اللي حصل بالظبط، وأنت احكم…
وبدأت أحكي له كل حاجة، من لحظة ما سمعت الخبط على الباب، لحد نظراتهم ليا وهي طالعين… أحمد فضل ساكت، ولا كلمة… السكوت كان أطول من أي وقت فات، لدرجة إني خفت يكون قفل السكة.
ـ أحمد؟ أنت سامعني؟
ـ سامعك يا مني… كملي…
كان صوته مش واضح… هل هو غضبان؟ ولا مصدوم؟
ـ اللي حصل ده، كان تراكم سنين يا أحمد، أنا تعبت… تعبت من إن بيتي ملوش باب، وتعبت من إني أكون “الضيف” في بيتي.
في اللحظة دي، سمعت صوت جرس الباب… سارة ونور وصلوا.
ـ أحمد، سارة ونور وصلوا، هقفل معاك دلوقتي…
ـ استني يا مني… أنا… أنا جاي دلوقتي.
وقفل السكة.
بصيت للموبايل ووقفت في مكاني، حسيت إن اليوم اللي كنت فكراه هيكون هادي على مزاجي، اتحول لمواجهة حقيقية… مواجهة مش بس مع عيلة جوزي، دي مواجهة مع حياتي كلها.
فتحت الباب لسارة ونور، وابتسامة مصطنعة رسمتها على وشي، بس جوايا كنت حاسة بإعصار…
سارة دخلت وهي بتضحك:
ـ كل سنة وانتي طيبة يا منمن! إيه الهدوء ده؟ فين التورتة؟
بصيت لسارة، وبصيت للبيت اللي لسه فيه ريحة “فطير حماتي” معلق في الجو، وقلت:
ـ التورتة لسه ما اتعملتش، بس الوعد… الوعد إننا هننبسط، مهما حصل.
دخلنا الصالة، وقعدنا، بس قلبي كان معلق في باب الشقة… مستنية أحمد يفتح الباب ويدخل… يا ترى هيدخل بصفه “ابن أمه” ولا بصفه “جوزي اللي بيحبني”؟
سارة بدأت تحكي لي عن مواقف شغلها، بس كنت مشتتة… فجأة، سمعت صوت مفتاح في باب الشقة… المفتاح بيلف في الكالون.
بصيت لنور وسارة، وقمت وقفت…
الباب اتفتح… ودخل أحمد.
بص لي… وبص للبنات اللي قاعدين… وبص للبيت اللي كان لسه فيه أثر “زيارتهم”.
كان وش أحمد مش مفسر… عيونه فيها نظرة أول مرة أشوفها.
وقف في المدخل، وقال بصوت واطي:
ـ أنا جيت… وعايز أعرف كل حاجة من غير نقطة واحدة تضيع…
سارة ونور حسوا بالتوتر، قاموا وقالوا:
ـ إحنا ممكن نمشي ونرجع وقت تاني يا مني…
ـ لا، اقعدوا. الموضوع ده لازم يتحسم النهاردة، قدامكم وقدامي.
قعدت قدام أحمد، وبدأت أحكي له كل كلمة، كل “تلقيح كلام”، كل “تدخل”، كل لحظة حسيت فيها إني ماليش قيمة… وهو بيسمع، ملامحه بتتغير… من الصدمة… للغضب… للهدوء الغريب.
خلصت كلامي، وبصيت له… مستنية رده.
سكت دقيقة، وبعدين قام وقف، وبص لي وقال:
ـ إنتي عارفة؟ أنا كنت فاكر إني بريحك لما بسيبهم يعملوا اللي هما عايزينه، بس الظاهر… الظاهر إني كنت بهدم بيتنا بإيدي…
كلمته دي كانت زلزال… “بهدم بيتنا بإيدي”.
أحمد، اللي كان ديما بيتهرب من المشاكل، أحمد اللي كان بيشوف أهله “خط أحمر” مهما عملوا… اعترف.
بص للبنات وقال:
ـ يا ريت تسيبونا لوحدنا شوية…
سارة ونور خرجوا بسرعة، وأنا وأحمد فضلنا لوحدنا في الصالة، الهوا كان تقيل، والجو مشحون…
قرب مني، ومسك إيدي، وإيديه كانت بتترعش…
ـ مني… أنا آسف.
كلمة “آسف” دي، في قاموسنا، كانت نادرة.
ـ آسف إني سيبتك في وسطهم لوحدك، وآسف إني خليت عيد ميلادك يتحول لكابوس، وآسف… لأني ماكنتش شايف اللي انتي بتشوفي كل يوم.
حسيت بدمعة نزلت من عيني، مش دموع حزن، دموع “راحة”.
ـ أحمد… أنا مش عايزة أقطع علاقتك بأهلك، أنا بس…
ـ أنا عارف إنتي عايزة إيه. عايزة بيت ليه خصوصية، وعايزة جوز يقدر تعب مراته، وعايزة أهل يحترموا حياتهم. وده… ده اللي هيحصل من النهاردة.
قام وطلع تليفونه، وبدأ يكتب رسالة… كانت لجروب العيلة على الواتساب.
ـ بتعمل إيه؟
ـ بحط النقط على الحروف… عشان محدش يجي يزعل ويقول “ما حدش قال لنا”.
أحمد كتب، وضغط “إرسال”.
بص لي وقال:
ـ دلوقتي… تقدري تحتفلي بعيد ميلادك زي ما انتي عايزة… لأن النهاردة، هو فعلاً أول يوم في حياتنا الجديدة.
بصيت للرسالة اللي بعتها، كانت واضحة وصريحة، وبدون أي “مجاملات”.
حسيت إن تقلي كُسر… وإن اليوم، رغم كل اللي حصل، بدأ أخيراً… على طريقتي.
لكن، هل العيلة هتسكت؟ هل “أمينة” و”عبير” هيقبلوا بالوضع الجديد ده؟
الأسئلة دي كانت بتدور في راسي، بس في اللحظة دي، ومع أحمد، ما كانش فيه حاجة تانية مهمة… غير إننا أخدنا الخطوة الأولى… الخطوة اللي غيرت كل حاجة.
رجع أحمد قعد جنبي، وقال:
ـ كملي يومك يا مني… النهاردة ليكي، ومحدش ليه دخل فيه غيرنا…
ابتسمت، ولأول مرة في حياتي، حسيت إن البيت… فعلاً “بيتي”.
بس، هل ده كان الهدوء اللي قبل العاصفة؟
اليوم ما خلصش، ولسه في مفاجآت تانية… مفاجآت مش بس من العيلة، مفاجآت من الأيام اللي جاية…
سألت أحمد:
ـ أنت بجد ناوي تنفذ اللي كتبته؟
ـ أنا ماكنتش جاد في حياتي زي ما أنا جاد النهاردة…
وهنا… سمعت صوت تليفونه بيرن… رنة “أمينة” المتكررة… كانت بتتصل.
أحمد بص للموبايل، وبص لي…
ـ هترد؟
سكت لحظة… وبعدين… عمل حاجة ما كنتش أتوقعها أبداً…
عمل “صامت” للموبايل، ورماه على الكنبة وقال:
ـ اليوم ده… بتاعنا وبس.
بصيت له وابتسمت… لأول مرة أحس إن أحمد، مش بس جوزي… ده “شريكي” في كل حاجة…
الليل كان لسه بدري، والساعة كانت لسه 6 المغرب… لسه قدامنا ساعتين على حجز المطعم…
ساعتين… ممكن نعمل فيهم إيه؟
ـ إيه رأيك… نخرج دلوقتي؟ نتمشى شوية قبل المطعم؟
ـ يا ريت…
لبست الفستان اللي كان معلق من امبارح… الفستان اللي كنت فاكرة إني مش هلبسه…
ولما خرجنا من باب الشقة، وقفلت الباب ورايا… حسيت إن فيه “أقفال” تانية اتفتحت…
أقفال الخوف، أقفال السكوت، أقفال اللي “الناس هيقولوا إيه”.
مشينا في الشارع، والهوا كان طالع، وفي اللحظة دي… كنت عارفة إن حياتي اتغيرت… إن “الكنة المؤدبة” طلعت منها “الست اللي ليها كلمة”…
وعرفت كمان… إن اللي جاي… هيكون أصعب، بس أنا… بقيت مستعدة.
لسه اليوم مخلصش… ولسه “عاصفة” العيلة ما وصلتش…
ويا ترى… هيعملوا إيه لما يعرفوا إن أحمد اختار صف مراته؟
ده اللي الأيام الجاية هتجاوب عليه…
#حكايات_مني_السيد

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *