ليـلة الخـلاص كـاملة حكـايات منـي الـسـيد ج 1

اللحظة اللي “محمود” قال لي فيها: «انتي اصلاً مش مراتي على سنة الله ورسوله عشان تتحكمي وتدخلي في شؤون عيلتي!»… اللحظة دي الجردل اتزحلق من إيدي… حكايات مني السيد
​مية الكلور اتدلقت على أرضية الصالة، وسرحت تحت العتب بتاع شقة “شبرا” الضيقة، الشقة اللي اتحولت بالتدريج لسجني الانفرادي. ريحة الجو كانت خليط يخنق من الدوا، والحفاضات الكبار، والمطهرات، والهدد… متوفرة على روايات و اقتباسات….
​كنت واقفة حافية، شعري ملموم بأي كلام، وهدومي غرقانة صابون، وضهري قايد نار كأن حد رص فوق كتافي طوب أحمر.
​من جوة الأوضة، صوت أمه “الحاجة كريمة” زعق: «يا ليلى! تعالي غيري لي! عملتها على نفسي تاني يا بنتي!»
​غمضت عيني وخدت نفس طويل.
​سنة كاملة…
​سنة بحالها وأنا عايشة العيشة دي.
​من يوم ما والد محمود، “عم إبراهيم”، جاله شلل نصفي ومبقاش يقدر يتحرك من السرير. ومن يوم ما أمه، الحاجة كريمة، السكر اتبهدل معاها ومبقتش تقدي تعمل أي حاجة لروحيها: حموم، أكل، مواعيد دوا، حقن إنسولين، غيار، ومتابعة ليلية كل ثلاث ساعات عشان قرح الفراش متتعبهاش.
​و”محمود”؟
​محمود بيرجع من شغله متأخر، يقلع جزمته عند الباب، ويقعد قدام التلفزيون يشرب شاي ويقول: «أنا طالع عيني في الشغل».
​في اليوم ده، أنا طلبت منه حاجة واحدة بس.
​قعدت جنبه وقلت له بصوت تعبان: «يا محمود، إحنا لازم نجيب ممرضة أو واحدة تساعدنا، حتى لو كام ساعة في اليوم… أنا حيلتي اتهد ومش قادرة أكمل لوحدي».
​ضحك باستهزاء كأني بطلب منه نسافر نصيّف في المالديف!
​وقال لي: «ومن الفلوس كام يا ست ليلى؟ إنتي فاكرة الستات دول بيشتغلوا لله وللـوطن؟»
​قلت له براحة: «أنا ممكن أساعد من فلوسي.. معايا قرشين كنت شايلاهم»….متوفرة على روايات و اقتباسات…
​ملامحه اتغيرت في ثانية وتقلب وشه: «فلوسك؟ قصدك الفلوس اللي كنتي قايلة إنها عشان تجهيز فرحنا؟»
​«يا محمود، إحنا بقالنا سنة كاتبين الكتاب ومحددناش حتى معاد للفرح!»
​بان عليه الضيق، وكأن تعبي ده مجرد دوشة بتعطل مزاجه: «ماتفتحيش الموال ده تاني بقى».
​إيديا بدأت تترعش من القهر: «أنا سبت شغلي عشان أراعي أهلك! قطعت رجلي من عند أهلي ومبقتش أشوفهم! مابنامش، مابخرجش، مابلبسش، أنا حتى مش فاكرة آخر مرة قعدت فيها أكل لقمة زي البني آدمين كانت إمتى!»
​لوى بوزه وقال: «جرى إيه يا ليلى؟ ما إنتي قاعدة في البيت طول اليوم والتكييف فوق دماغك.. هو إنتي شغال بترصي كراتين في كارفور؟»
​الكلمة جرحتني في كرامتي أكتر ما كنت أتخيل.
​من الأوضة جوة، الحاجة كريمة زعقت تاني: «يا ليلى! وهاتي لي معاكي جيلي فراولة! مش المانجة!»
​محمود متحركش من مكانه.
​بص لي وقال: «مش سامعاها؟ أمي بتناديكي».
​بصيت في عينه مباشرة: «دي أمك إنت».
​رد ببرود: «بس إنتي اللي واقفة وموجودة».
​لحظة الحقيقة
​ساعتها بس أنا فوقت… وعرفت مكاني فين بالظبط.
​أنا مكنتش شريكة حياته، ولا كنت مراته المستقبلية، ولا كنت فرد من العيلة دي أصلاً.
​أنا كنت “البنت المتاحة”.
​الشغالة الملاكي اللي مابتخدش قرش.
​الست اللي مابتقولش “لأ”.
​اللي بتطبخ، وتمسح، وتغير الحفاضات، وتاخد بالها من مواعيد الدوا، وفي الآخر لازم تبوس إيدها وش وضهر إنها لاقية سقف يداريها!
​خدت نفس عميق وقولت له بثبات: «محمود، أنا مش ممرضة عند أبوك وأمك، وأنا لسه مبقتش مراتك فعلياً».
​هنا بقى… قال الجملة اللي نهت كل حاجة وفتحت عيني على الواسع:
​«بالظبط! إنتي لسه مش مراتي في بيتي.. يبقى متدخليش في قرارات تخص عيلتي وأهلي!»
​البيت فجأة بقى هس.. ملوش صوت. حتى صوت التلفزيون حسيت إنه بعد وبقى زي الوشوشة.
​وطيت، شلت الجردل وركنته جنب الحيطة.
​بس مكملتش مسح.
​دخلت الأوضة الصغيرة اللي بنام فيها، طلعت الشنطة الكبيرة من فوق الدولاب، وبدأت ألم هدومي.
​محمود دخل ورايا مذهول: «بتعملي إيه؟»
​«ماشية». متوفرة على روايات و اقتباسات
​في الأول ضحك واستهون باللي بعمله.
​لكن لما شافني بلم شهادة ميلادي، وقسيمة كتب الكتاب، وشاحن الموبايل، وباسبوري في الجيب الصغير بتاع الشنطة… وشه جاب ألوان وفجأة قطـع الخميرة من البيت.
​«ليلى، بلاش دراما وجنان.. أنا قولت الكلمتين دول وأنا متنرفز».
​قلت له وأنا بقفل سوستة الشنطة: «لأ يا محمود.. إنت قولتهم عشان ده اللي في قلبك بجد».
​مسك إيدي جامد: «مش هتمشي.. ومين هيراعي أبويا وأمي؟»
​سحبت إيدي منه براحة ومن غير عصبية: «إنت».
​ملامحه اتملت رعب حقيقي: «أنا؟! إنتي اتجننتي؟»
​«لأ… أنا فوقت».
​قفلت الشنطة تماماً.
​ومن الأوضة التانية، صوت الحاجة كريمة لسه شغال: «يا ليلىىىى!»
​محمود وقف قدام باب الأوضة بجسمه عشان يمنعني أخرج: «لو خطيتي برة الباب ده.. كل اللي بيننا انتهى».
​بصيت في عينه، ولأول مرة من سنة كاملة، مكنتش خايفة.
​«يا ريت.. ده يبقى كرم من ربنا». حكايات مني السيد
​الضربة القاضية
​بعدها عملت حركة عمري ما تخيلت إني أعملها بقوتي دي.
​طلعت مفتاح الشقة من جيب الشنطة، وحطيته على تربيزة السفرة.
​فتحت اللاب توب بتاعي… وبصوابع مابترتعش، بعت “إيميل” واحد.
​الإيميل ده كان فيه صور، وتقارير طبية، ووصولات نور ومية مش مدفوعة، ورسايل واتساب.. كان فيه دليل قاطع على كل اللي كنت بعمله وبشيله لوحدي، في نفس الوقت اللي محمود كان عايش فيه دور “الابن البار” قدام قرايبه وأصحابه، والراجل اللي شايل عيلته على كتافه.
​أنا مكنتش أعرف وقتها إن الإيميل ده هيروح للشخص الغلط في التوقيت الصح بالملّي…
​وقبل ما الساعة تدق اتناشر بالليل، القناع والكدبة الكبيرة اللي محمود بناها حوالين نفسه كانت هتتهد فوق دماغه قدام العيلة كلها…

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *