مظاهر الخداعة ج 1 اماني سيد

لكن الحقيقة كانت غير كده خالص. أول ليلة عدت عليا في البيت لوحدي، حسيت بسكوت غريب، سكوت مرعب مكنتش متعود عليه. البيت اللي كنت بدخله وأنا قالب وشي وبدور فيه على النقص، بقى فاضي تماماً، ومبقاش فيه حتى النقص اللي كنت بتلكك عليه. دخلت المطبخ عشان أشرب، لقيت علب البهارات اللي كانت مرتباها بإيدها، ولقيت في التلاجة أكل من بتاع الرضى اللي كانت بتحاول تعمله عشان يعجبني.
مرت الأيام، والمشاكل اللي كنت فاكر إني هخلص منها بالطلاق، مخلصتش.. هي بس غيرت شكلها. أمي بدأت من تاني أسبوع تدورلي على عروسة، وبقت كل ما تفتح معايا سيرة واحدة، تقولي: “دي بيضا وزي القشطة، دي شعرها لحد ضهرها، دي عيلتها كذا وكذا”. وفي وسط ما هي بتتكلم وبتوصف، لقيت نفسي فجأة بظلم العروسة الجديدة من قبل ما أشوفها! لقيتني بقارنها بمراتي!
سألت نفسي: “هو أنا هفضل طول عمري عايش بعين الناس؟ هفضل طول عمري بختار اللي يعجب أمي وقرايبي، ومش مهم يعجبني أنا؟”
فوقت.. بس بعد ما الوقت فات. فوقت وعرفت إن مراتي مكنتش وحشة، أنا اللي كنت بشوفها بعين أمي مش بعيني. افتكرت كلامها، وافتكرت كسرة نفسها وهي واقفة بتقولي “أنا ذنبي إيه إنك مش شايفني؟”. الكلمة دي بقت ترن في وداني كل يوم قبل ما أنام. افتكرت علب الكريمات اللي كانت بتشتريها، ومحاولاتها المستميتة إنها تغير من شكلها وطبيعتها بس عشان ترضيني، وأنا كنت بقابل كل ده ببرود وبجملة: “بس ملوخية مرات أخويا كانت أظبط”.
نزلت من عيني الغمامة، وبقيت شايف صورتها الحقيقية؛ الست الطيبة اللي استحملت قسوتي وإهانتي لشكلها ولأنوثتها شهور وسنين، الست اللي كانت بتديني دفا وحب حقيقي، وأنا رميته في الأرض عشان أشتري دماغي وعشان أرضي مقارنات مريضة مبيشبعهاش حاجة.
أمي لسة بتدورلي على العروسة “اللي من توبنا”، وأنا قاعد وسط حيطاني الأربعة، ندمان، وبسأل نفسي كل ليلة: “أنا كسبت رضا أمي.. بس خسرت نفسي، وخسرت الست الوحيدة اللي أحبتني بجد.. ويا ترى ذنب الكسرة اللي في عينيها دي، هعرف أسدد تمنه إمتى وازاي؟”
وفعلاً، مفيش كام شهر، وأمي لقت*لي “العروسة اللقطة” اللي كانت بتدور عليها. بنت ناس، من عيلة كبيرة وليها وضعها، بيضا وزي القشطة، شعرها ناعم وطويل، وخريجة جامعة محترمة.. يعني زي ما قال الكتاب بالظبط، حاجة ترفع الراس ومفيهاش غلطة.
أمي يوم قراية الفاتحة كانت طايرة في السما، بتبصلي وبعينيها بتقولي “شفت بقى إني كنت عايزة مصلحتك؟”. وأنا في وسط الزغاريط والناس بتباركلي، كنت ببص لخطيبتي الجديدة، البنت الحلوة اللي قاعدة جنبي، وبحاول أقنع نفسي إني خلاص وصلت لبر الأمان، وإني كسبت كل حاجة: رضا أمي، والمنظر الاجتماعي، والست اللي مفيش مخلوق يقدر يعيب فيها بكلمة.
اتجوزنا.. ودخلنا بيتنا. في الأول، كنت حاسس إن العالم كله في إيدي. لما كنا بنروح أي عزومة عند أمي أو قرايبي، كنت بشوف نظرات الإعجاب والإنباهار في عينيهم. أمي كانت تقعد تقارنها بالكل وتقول “شفتوا ست البنات؟ شفتوا الجمال والشياكة؟”. كنت بحس بنشوة انتصار مزيفة، إني أخيراً بقيت “كامل” في نظرهم.
