عيب جوزي ج 2
نظرتُ إلى المفتاح، وتذكرتُ كل ليلة بكيتُ فيها في زاوية هذه الشقة وأنا أظن نفسي سبباً في حرمانه من الأبوة. أخذتُ المفتاح، وقمتُ بالاتصال فوراً بالمحامي الخاص بي وقوة الشرطة المسؤولة عن الحجز الإداري على المكتب.
في تمام الساعة الثالثة فجراً، وبحضور وكيل النيابة والمحامي، تم فتح المكتب المحجوز عليه، والتوجه إلى الجدار الخفي خلف لوحة المرافعة الكبرى. تم فتح الخزنة السرية.. وكانت المفاجأة تفوق كل التوقعات؛ ملفات مزورة، وعقود وهمية، ومبالغ مالية ضخمة غير مشروعة، وتحويلات بنكية باسم “إجلال” والدته!
في صباح اليوم التالي، كانت الجلسة الأولى لمحاكمة داوود في قضية إيصالات الأمانة والنصب.
دخلتُ قاعة المحكمة بكامل أناقتي، بالطو الطبيب فوق كتفي، وخطواتي ثابثة تعكس انتصاراً طال انتظاره. كان داوود يجلس في قفص الاتهام، ووجهه شاحب، وشعره أشعث، وقد زالت عنه كل مظاهر الهيبة والمحاماة. وفي المقاعد الخلفية كانت تقف “إجلال” تبكي بحرقة وتنظر إليّ بعيون مليئة بالرجاء والانكسار.
بمجرد أن بدأت الجلسة، وقف محامي داوود يحاول المماطلة وطلب التأجيل، لكن محاميّ الخاص تقدم بخطوات واثقة نحو منصة القضاء، ووضع ملفاً ضخماً أسود اللون أمام المستشار، وقال بصوت جهوري هز أرجاء القاعة:
“سيادة المستشار، نطالب بتعديل قيد وتوصيف القضية، وضم الأحراز الجديدة المستخرجة من الخزنة السرية للمتهم برقم محضر جنايات رسمي، والتي تثبت ارتكابه لجنايات التزوير الكبرى، والكسب غير المشروع، واستغلال النفوذ، ونطالب بضبط وإحضار شريكته الأولى في الأرباح.. والدته المتواجدة بالقاعة!”
التفتت الرؤوس كلها نحو إجلال التي صرخت صرخة مكتومة وسقطت على الأرض مغشياً عليها، بينما داوود جن جنونه داخل القفص، وبدأ يضرب القضبان الحديدية بيديه ويصرخ بهستيريا: “كامليا!! حرام عليكي.. هدمتي حياتي وحياة أمي! ارحميني يا كامليا!”
نظرتُ إليه نظرة أخيرة من خلف نظارتي الطبية، ولم تتزحزح في قلبي ذرة شفقة واحدة. أشرتُ بيدي لمحاميّ لمتابعة الإجراءات، واستدرتُ لأغادر القاعة وسط ذهول الحاضرين وزلزال الفضيحة الذي هز أروقة المحاكم.
ولكن.. بينما كنتُ أخطو خارج باب المحكمة، استقبلتُ اتصالاً عاجلاً من المستشفى.. صوت الحكيمة كان يصرخ باهتزاز: “دكتورة كامليا.. الحقينا! دينا جات المستشفى في حالة حرجة جداً، حصل لها نزيف حاد ومفاجئ، والبنت بتموت في بطنها، ومفيش أي دكتور نسا متاح حالاً غيرك!”
توقفتُ في مكاني، وتجمدت الدماء في عروقي.. دينا التي خانتني مع زوجي وسرقت بيتي، تقف الآن بين الحياة والموت، وحياة جنينها معلقة بين يديّ أنا بالذات!
فهل ستدخل كامليا غرفة العمليات وتنقذ الست التي دمرت حياتها وجنينها لتثبت أمانتها الطبية؟ أم أن مرارة الانتقام ستجعلها تترك القدر يقتص من دينا داخل نفس المستشفى التي بدأت فيها الحكاية؟ وما هي المفاجأة الكبرى التي تنتظر داوود وإجلال في الجلسة الختامية والنطق بالحكم؟
