عيب جوزي ج 2
بعد أسبوع واحد، كان داوود يجلس في قسم الشرطة على ذمة التحقيق في قضايا النصب وإيصالات الأمانة، وبدت عليه علامات الشيخوخة المبكرة، بعد أن فقد مكتبه، وشقته، واسمه في السوق، والطفل الذي كان يظن أنه سيحمل اسمه.
وفي ليلة هادئة، كنتُ أجلس في شقتي المستردة، أرتشف الشاي وأنا أراجع أوراق قضية الخُلع والتعويض التي رفعتها، رن جرس الباب.
فتحتُ الباب لأجد أمامي مفاجأة لم تكن في الحسبان.. لم يكن داوود ولا أمه إجلال، بل كانت “دينا” تقف على الباب، بطنها المنتفخ يسبقها، ووجهها شاحب، والدموع تملأ عينيها، وقالت بصوت يرتجف:
“دكتورة كامليا.. أنا عارفة إني ماليش عين أبص في وشك، بس أنا جاية أترجاكي.. داوود وإبراهيم اتفقوا عليا، وداوود ناوي يدمرني بعد ما عرف الحقيقة، وأنا ماليش غيرك ينقذني وينقذ البنت دي.. أنا معايا سر خطير عن داوود وأمه لو عرفتيه، هتقدري تحبسيهم العمر كله من غير ما تحتاجي للمحاكم دي كلها!”
نظرتُ إليها بنظرة فاحصة، وسحبتُ نفساً عميقاً وأنا أفكر: هل هذه خديعة جديدة من داوود، أم أن جحيمهم بدأ ينفجر من الداخل ليمنحني السلاح الأخير لإنهاء هذه المعركة تماماً؟
يا ترى ما هو السر الخطير الذي تخفيه دينا عن داوود وأمه؟ وكيف ستتصرف كامليا مع عشيقة زوجها السابقة التي جاءت تطلب حمايتها؟ وما هي المفاجأة الصادمة التي تنتظر داوود داخل قاعة المحكمة في الجلسة القادمة؟
وقفتُ على عتبة الباب، أنظر إلى دينا وهي ترتجف أمام الصدمات المتتالية التي تلقتها. غريزة الطبيبة في داخلي جعلتني ألاحظ إجهادها الجسدي، لكن مرارة ثماني سنوات علمتني ألا أثق بدموع الأفاعي. تراجعتُ خطوتين إلى الوراء وقلتُ بجمود: “ادخلي.. بس مش عشان سواد عيونك، عشان البنت اللي في بطنك ملهاش ذنب في قذارة اللعبة دي كلها.”
جلست دينا على طرف الكرسي وجسدها يرتجف، وضعت يديها فوق بطنها وقالت بنبرة باكية: “داوود مش محامي شريف يا دكتورة كامليا.. داوود وأمه مش بس غشوكِ في موضوع الخلف، داوود كان بيستغل اسم عيلتك ومركز والدك المستشار عشان يمرر قضايا مشبوهة، تزوير عقود أراضي، وتهريب أموال لرجال أعمال برة البلد.. وفي خزنة سرية في مكتبه اللي اتقفل، فيه أوراق ومستندات لو طلعت، داوود مش بس هيتحبس بتهمة وصلات أمانة، ده هيتوجّه له تهم توديه ورا الشمس وتضيع اسمه للأبد، وأمه إجلال شريكة معاه في كل قرش دخل جيبهم!”
سحبتُ نفساً عميقاً، والقطع المفقودة من اللغز بدأت تترتب في عقلي. الآن فهمتُ لماذا كان داوود مستميتاً على إبقائي في حياته ثماني سنوات رغم اتهام أمه لي بالعقم، كان يحتاج لغطاء عائلتي واسم والدي ليحمي أعماله القذرة!
التفتُّ إليها وقلتُ بلهجة حاسمة: “وإيه اللي يضمن لي إن كلامك ده صح؟ وإنك مش مبعوتة من داوود عشان تشتتيني؟”
أخرجت دينا من حقيبتها مفتاحاً صغيراً غريب الشكل، ووضعته على الطاولة بيد ترتعش: “ده مفتاح الخزنة السرية.. إبراهيم، أبو البنت، كان شغال مع داوود في العمليات دي وهو اللي سرق المفتاح ده عشان يساوم داوود بيه، بس داوود قفشه وحبسه في مخزن وناوي يخلص منه ويلبسني أنا وإياه قضية سرقة.. أنا جيت لك عشان عارفة إنك الوحيدة اللي تقدري تقفي في وشه، وعشان ترحميني وتنقذي بنتي من الملجأ لو أنا اتسجنت!”
