عيب جوزي ج 2
لم أتردد إلا لثوانٍ معدودة، ثوانٍ جرى فيها شريط ثماني سنوات من الظلم والقهر أمام عيني، لكن صوت القسم الطبي الذي أقسمته يوم تخرجي كان أعلى وأقوى من نيران الانتقام. ركبتُ سيارتي وانطلقتُ بأقصى سرعة نحو مستشفى قصر العيني، وأنا أقول لنفسي: “داوود انتقم لنفسه بنفسه بنذالته، ودينا دمرت حياتها بطمعها.. أما أنا، فالدكتورة كامليا، ومشرطي يقطع ليداوي، لا ليقتل.”
دخلتُ المستشفى كالإعصار، ارتدَيتُ ملابس التعقيم بلمح البصر، ودفعتُ باب غرفة العمليات بقدمي. كانت دينا غائبة عن الوعي، وجهها بلون الورق، وجهاز نبض الجنين يصدر أصواتاً متسارعة ومتقطعة تنذر بالخطر. نظرتُ إلى طاقم التمريض وقلتُ بحسم: “بنج كلي حالاً.. علقوا كيسين دم.. تجهيز حضّانة للأطفال المبتسرين.. النزيف حاد وانفصال المشيمة كامل، قدامنا دقائق لإنقاذ الجنين!”
بدأتُ العمل.. يداي اللتان ركبتا السونار بالأمس بغصة، كانت تشق البطن اليوم بأعلى درجات الاحترافية الطبية. لم أرَ في دينا المرأة التي خطفت زوجي، بل رأيتُ جسداً مستضعفاً يطلب الحياة. بعد دقائق من التوتر وحبس الأنفاس، تعالت صرخة صغيرة، رفيعة ومتقطعة، هزت جدران الغرفة.. صرخة البنت!
سلّمتُ الطفلة لطبيب الأطفال فوراً، والتفتُّ لإنقاذ الأم. استغرق الأمر ساعتين كاملتين من الكفاح لوقف النزيف وإعادة العلامات الحيوية للاستقرار. خرجتُ من غرفة العمليات، عرق المجهود يغمر وجهي، خلعتُ القناع الطبي وأخذتُ نفساً عميقاً، علمتُ وقتها أنني لم أنقذ دينا وابنتها فحسب، بل أنقذتُ نفسي من أن أتحول إلى مجرمة بدم بارد.
مر شهر كامل..
وجاء يوم الجلسة الختامية والنطق بالحكم. غصّت قاعة المحكمة بالصحفيين والمحامين، فالقضية تحولت إلى قضية رأي عام عن سقوط قناع “المحامي الشريف”.
وقفتُ في الصفوف الأولى بكامل ثقتي وثباتي، بينما جلس داوود في قفص الاتهام بكسرة لم يسبق لها مثيل، وبجانبه أمه “إجلال” التي بدا عليها الهرم وضياع الهيبة، ترتعش يداها وهي تمسك بحديد القفص. وعلى الجانب الآخر، كانت دينا تجلس على مقعد متحرك في مؤخرة القاعة، تحمل ابنتها بضعف، وقد جاءت لتدلي بشهادتها الأخيرة كشاهدة ملك.
تنحنح القاضي، وساد الصمت التام في القاعة، ثم فتح الملف ونطق بالحكم المزلزل:
“حكمت المحكمة حضورياً، أولاً: بمعاقبة المتهم داوود (…) بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات، وتغريمه مبلغ مليوني جنيه ردّاً لأموال الشاكية، وعزله من نقابة المحامين وشطب اسمه نهائياً. ثانياً: بمعاقبة المتهمة إجلال (…) بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات بتهمة الاشتراك في التزوير والكسب غير المشروع والاستيلاء على أموال الشاكية.”
ارتجت القاعة بصراخ وعويل إجلال التي انهارت تماماً، بينما سقط داوود على ركبتيه داخل القفص وهو ينظر إليّ بعينين تائهتين تطلب العفو والرحمة بعد أن ضاع منه كل شيء: الشرف، المهنة، المال، والحرية.
