قبل ما تتوفي أمي بشهر ج 1

ركبت معاهم العربية الفخمة. الكراسي الجلد كانت ناعمة لدرجة إني خفت أوسخها بهدومي. قعدت في النص بين مازن الستريمر، وطارق الممثل، وآسر كان قاعد قدام جنب السواق وعينه عليا طول الوقت من المراية.
طول الطريق، مازن ما بطلش كلام وهو بيتحرك بحماس:
— “أنا مش مستوعب! يعني طول السنين دي أبويا مفهمنا إن أمي ماتت وإحنا صغيرين، وتطلع عايشة في البلد ومعاها أختنا؟ وليه سابتنا أصلاً؟”
طارق رد عليه بحزن وضيق:
— “لأن عيلة أبوك مكانش بيهمها غير المظاهر والولاد اللي يشيلوا الاسم. طلقوها ورموها، وأخدونا منها بالقوة والفلوس. أمي ما ماتتش غير من قهرها يا مازن.”
آسر قاطعهم بصوت حازم صامت:
— “الكلام ده مش وقته ولا مكانه. خريف تعبانة من السفر. نوصل البيت الأول وبعدين نشوف هنعمل إيه في المصيبة اللي أبوكم داراها عننا طول عمره.”
العربية دخلت منطقة هادية جداً في التجمع الخامس، ووقفت قدام قصر ضخم محاط بجناين مفيش في جمالها. أول ما دخلنا من الباب، لقيت الخدم واقفين صفين. آسر التفت للشغالة الكبيرة وقالها:
— “جهزي الجناح الشرقي لآنسة خريف، وشنطتها دي تطلع فوق بحرص.”
مازن ضحك وقال:
— “شنطة إيه يا عم آسر! دي الشنطة دي لازم تتحط في متحف، دي الشنطة اللي جابتلنا أختنا!”
طارق قرب مني وطبطب على كتفي:
— “ادخلي ارتاحي وغيري هدومك، واحنا مستنيينك تحت عشان ناكل سوا ونفهم كل حاجة.”
طلعت الجناح بتاعي، وكان أكبر من بيتنا كله اللي في البلد. فتحت الشنطة البلاستيك، وطلعت منها جلابية قطن بسيطة من بتاعة زمان، لبستها وقعدت على السر,,ـــــير وأنا حاسة إني في حلم وخايفة أصحى منه.
بعد ساعة، نزلت لهم تحت. كانوا قاعدين على ترابيزة سفرة طويلة مليانة أكل عمري ما شفت زيه. أول ما شافوني بالجلابية البسيطة، آسر ابتسم ابتسامة هادية، وطارق شدلي الكرسي عشان أقعد.
بدأنا ناكل في صمت، لحد ما آسر ساب الشوكة والسكــ,,ـــــينة، وبصلي بجدية شديدة وقال:
— “خريف.. إحنا عرفنا من المحامي إن الورق كله سليم، وإنتِ فعلاً أختنا شرعاً وقانوناً. لكن في حاجة أمي ما لحقتش تقولها لكِ قبل ما تمــ,,ـــــوت، وللأسف الحاجة دي هي سبب الأزمة الكبيرة اللي احنا فيها دلوقتي.”
قلبي انقبــ,,ـــــض، وسيبت الأكل وبصيت له بقلق:
— “حاجة إيه؟”
آسر اتنهد وبص لطارق ومازن، وبعدين رجع بصلي وقال بصوت واطي:
— “أبويا قبل ما يمــ,,ـــــوت من سنة، كتب في وصيته شرط غريب جداً ومحدش كان فاهمه وقتها.. الشرط بيقول إن ثروة الصاوي كلها، الشركات والبيوت والأملاك، مش هتتقسم ولا حد فينا هيقدر يتصرف في مليم منها، إلا إذا ظهرت البنت.. وبصم طليقته!”
مازن كمل وهو بيخبط على الترابيزة:
— “يعني من غير بصمة أمي أو بصمتك إنتِ كبنتها ووريثتها، احنا الثلاثة مهددين بالإفلاس خلال شهر واحد، لأن البنوك هتحجز على كل حاجة بسبب ديون الشركات اللي أبويا سابها!”

